
يوم الثلاثاء الماضي، 8 سبتمبر (أيلول) 2026، شهد مجمع «ساور-موغيلا» التذكاري في دونيتسك مراسم عسكرية ودينية غير تقليدية في شكلها ومضمونها، حيث جرى استقبال جزء من رفات الأمير الروسي دميتري دونسكوي، الشخصية التاريخية المهمة والقائد العسكري الروسي الذي قاد الجيش الروسي ضد مغول القبيلة الذهبية في معركة كوليكوفو الشهيرة عام 1380م، التي يعتبرها الروس نقطة تحول حاسمة في تاريخ بلادهم.
والجزء المختار من رفاته، بحسب ما قال ممثلو الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، أخذ من اليد اليمنى تحديدا لهذا الأمير، وهذا الاختيار ليس عبثيا، وإنما وراءه معنى مهم؛ فاليد اليمنى هي التي كان يحمل بها الأمير السيف وهو يقاتل المعتدين دفاعا عن أرض الوطن. وقد نقل هذا الجزء من الرفات إلى دونباس، ثم إلى وحدات القتال التابعة للجيش الروسي على خط المواجهة المباشر.
وقبيل هذا الحدث بأيام قليلة، مر الرفات بالكاتدرائية الرئيسية للقوات المسلحة الروسية، ثم نقل إلى روستوف على الدون. لكن قبل ذلك كله كان الحدث الأكثر رمزية، وأقصد به مشاركة الرئيس فلاديمير بوتين في صلاة نقلت على الهواء عبر القنوات الفيدرالية، وجرت أمام رفات الأمير دونسكوي التي اكتشفت حديثا وبالصدفة خلال أعمال ترميم داخل كاتدرائية رئيس الملائكة في ساحة الكنائس بقلب الكرملين.
وقد شكل هذا الحدث أهمية كبيرة بالنسبة إلى المؤمنين الروس، الذين فسروا الكشف عن رفات هذا الأمير العظيم باعتباره رسالة علوية، رسالة إلهية في توقيت بالغ الرمزية بالنسبة إلى الدولة الروسية والأمة الأرثوذكسية.
لقد بدا هذا المشهد مفارقا لطبيعة الحرب الحديثة؛ فرفات قائد من القرن الرابع عشر كان يقاتل في عصر السيوف والخيول تنتقل إلى جبهة قتال تحسم فيها المسيرات والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والصواريخ فرط الصوتية جانبا كبيرا من المعارك.
لكن هذه المفارقة، بحسب قراءتي لها، هي تحديدا التي جعلت هذا المشهد مهيبا ومهما. فمهما كان العلم الحديث والتقدم التقني عاملين حاسمين في الحرب، تبقى الأسلحة وحدها غير كافية، وبصفة خاصة عندما تستمر المعارك لسنوات وتفرض على المجتمع أثمانا بشرية واقتصادية ونفسية متراكمة. وهنا تعود الروح مجددا، أو لأكون أدق في التعبير، تتجلى من جديد وتظهر في المقدمة.
فعندما تحتاج الدولة إلى تفسير يتجاوز الجغرافيا والسياسة، ويجيب عن السؤال الأصعب: لماذا نقاتل، ولماذا ينبغي علينا الاستمرار في التضحية؟ يصبح للعامل الديني تأثير السحر.
طبعا من السهل اختزال ما يحدث في أنه استخدام للكنيسة في الدعاية الحربية، لكن مثل هذا التفسير، في رأيي، اختزال مخل وقد يكون مضللا. بلا شك هناك توظيف سياسي ورمزي للدين، لكن الاكتفاء بهذا التفسير يفوت، بل ويحاول إغفال جانب مهم من التحول الذي شهدته روسيا خلال العقد الأخير، وتسارع بقوة بعد فبراير (شباط) 2022.
وما أرمي إليه بهذا الكلام، وبناء على رصد ومتابعة، هو أن الحرب في الخطاب الروسي الرسمي والمجتمعي لم تعد مجرد نزاع على الدونباس، أو ضد توسع الناتو، أو حتى حول وضع أوكرانيا في النظام الأمني الأوروبي، مثلما كان الأمر وقت أزمة عام 2014.
لقد تحولت الحرب أمام أعيننا، ومع كل يوم تطوي صفحته وتفتح صفحة يوم جديد، إلى جزء من سؤال أكبر يتعلق بتعريف روسيا نفسها وهويتها وشخصيتها. فهل هي مجرد دولة قومية كبرى تبحث عن الأمن والنفوذ، مثلما يحاول خصومها في الغرب تصويرها وتثبيت هذه الصورة عنها عبر إعلامهم في الذهنية الشعبية الروسية والعالمية على السواء؟
أم أنها حضارة مستقلة تحمل منظومة قيم مختلفة عن المنظومة الليبرالية الغربية بشكلها الحالي، الذي شوه ولا يزال يشوه فكرة الليبرالية نفسها؟
وعند هذه النقطة يصبح الدين لغة واضحة لفهم الحرب، وليس أداة لتبريرها.
إن التصور الروسي للصراع، مثلما أفهمه أنا طبعا ولا أفرض فهمي على أحد، لا يقول ببساطة إن موسكو تختلف جيوسياسيا أو جيوبوليتيكيا مع واشنطن وبروكسل.
فالخطاب الروسي الذي تطور خلال السنوات الأخيرة يقدم الخلاف مع هاتين العاصمتين، اللتين هما في نهاية المطاف انعكاس لمركز واحد، باعتباره مواجهة بين نموذجين مختلفين للإنسان والمجتمع.
النموذج الروسي، وفق التصور الروسي بالطبع، يقوم على الأسرة والوطن والجماعة والذاكرة التاريخية والدين والتضحية، وعلى فكرة أن الإنسان لا يستطيع العيش بالمصلحة المادية وحدها، على الرغم من أهميتها.
أما النموذج الغربي، وفق هذا التصور، فهو نموذج يقوم بصورة متزايدة على الفردانية والاستهلاك وحرية الاختيار الشخصي، حتى لو تعارضت مع كل القيم، وفصل الدين عن المجال العام، ولا نقصد بذلك السياسة والحكم، إلى جانب تراجع الأسرة التقليدية وأهميتها ورسالتها المقدسة.
وأريد هنا، من باب التوضيح، أن أقول إن ما ذكرته أعلاه عن النموذج الغربي هو التصور الروسي للغرب، من واقع متابعتي له، ولا أقدمه أنا في هذه السطور باعتباره وصفا موضوعيا كاملا ودقيقا للغرب ونموذجه؛ فهذا ليس مقام هذا الكلام، وليست نيتي ذلك الآن.
وبالعودة إلى النموذج الروسي، أدعم كلامي بالإشارة إلى المرسوم الروسي رقم 809 بشأن الحفاظ على «القيم الروحية والأخلاقية التقليدية»، بصيغته المعدلة في مارس (آذار) من العام الجاري 2026، فهو يضع ضمن هذه القيم الحياة والكرامة والوطنية وخدمة الوطن والأسرة القوية والعمل الخلاق والعدالة والتكافل والذاكرة التاريخية.
ثم يستخدم عبارة مفتاحية بالغة الأهمية للموضوع الذي نحن بصدده في هذا المقال، وهي «أولوية الروحي على المادي».
وهذه الوثيقة نفسها تعتبر القيم التقليدية أساسا يسمح بحماية سيادة روسيا ووحدة مجتمعها، وتمنح الكنيسة الأرثوذكسية دورا خاصا في تكوين هذه المنظومة، إلى جانب الإسلام واليهودية والبوذية، باعتبارها من مكونات وعناصر التراث الروسي.
وأريد الإشارة هنا إلى أن هذه نقطة تتجاوز الدين بالمعنى الضيق؛ بمعنى أن روسيا الحديثة تحاول إعادة تعريف مفهوم السيادة نفسه. فالسيادة، في هذا التصور الروسي، لا تعني فقط امتلاك الحدود والجيش والاقتصاد والقرار السياسي المستقل، بل تضيف إلى كل هذه العناصر، من دون أن تلغيها، القدرة على حماية النموذج الثقافي والأخلاقي الذي يعيش المجتمع داخله، باعتباره هو أيضا من مكونات السيادة.
وبناء على هذا التصور تصبح الثقافة أمنا قوميا، وتتحول الذاكرة التاريخية إلى عنصر مهم من عناصر القوة، ويصبح الحفاظ على الأسرة والدين جزءا أصيلا من مقاومة النفوذ الخارجي.
وهذا الكلام يشرح ويفسر لنا التحول داخل الكنيسة الأرثوذكسية الروسية نفسها. ففي 28 يوليو (تموز) 2026، أصدرت بطريركية موسكو وعموم روسيا كتابا جديدا للبطريرك كيريل يحمل عنوانا رمزيا: «الحرب: ما وراء الأسباب والنتائج المرئية». والوصف الرسمي لهذا الكتاب شديد الدلالة، فهو مكرس لـ«ميتافيزيقا الحرب»، بحسب تسمية البطريركية نفسها، ويتناول مفاهيم التضحية والبطولة والوطنية والانتصار و«الحدود الميتافيزيقية وأهداف روسيا»، وينطلق من أن التاريخ البشري يتحرك داخل صراع الخير والشر.
وهذا المستوى من الخطاب، أيها القارئ العزيز، ينقل الحرب من مجال السياسة إلى مجال المعنى. وما أقصده أن السؤال الشعبي هنا يصبح: ماذا تمثل روسيا نفسها في التاريخ الإنساني؟ وما الذي تعتقد أنها تدافع عنه؟ وليس مختزلا، مثلما كان ولا يزال في الدوائر السياسية الغربية وأوساط الرأي العام العالمي، في سؤال: ماذا تريد روسيا من أوكرانيا؟ فهذا الأخير سؤال قاصر وعاجز عن فهم الصورة من الجهة المقابلة.
وهنا تظهر المشكلة اللاهوتية الصعبة: كيف تستطيع كنيسة تقوم عقيدتها على وصية «لا تقتل» أن تمنح الحرب معنى أخلاقيا؟ والإجابة يقدمها البطريرك كيريل نفسه، ويستند فيها إلى تقليد قديم للحرب العادلة؛ بمعنى أن الحرب في ذاتها شر، لكن عدم مقاومة الشر عندما يهدد الوطن والأبرياء يمكن أن يصبح بدوره خطيئة أخلاقية. ومن ثم يكتسب القتال دفاعا عن الآخرين معنى التضحية والخدمة.
لكننا نجد أنفسنا مجددا أمام سؤال أصعب: من الذي يقرر أن هذه الحرب عادلة؟
والجواب نجده في التصور الروسي الذي أشرنا إليه أعلاه؛ فبالنسبة إلى المؤسسة الروسية، الحرب الحالية هي حرب دفاع عن روسيا وعن فضائها التاريخي والأمني في مواجهة مشروع غربي يسعى إلى فصل أوكرانيا نهائيا عن المجال الروسي، والأدهى من ذلك أنه يسعى إلى تحويلها إلى خنجر مغروس في خاصرة روسيا الرخوة إلى الأبد، عبر تحويلها إلى منصة عسكرية، والأشد خطورة إلى ثقافة مضادة لموسكو.
وبالطبع هذه الصورة معكوسة في الغرب؛ فبالنسبة إليه، روسيا هي التي عبرت الحدود المعترف بها دوليا في فبراير (شباط) 2022، وبالتالي فإن الأوكراني هو الذي يخوض حرب الدفاع عن الوطن.
وفي هذه النقطة يصبح الدين عنصرا خطيرا في هذا الصراع، ليس لأنه يدفع بالضرورة إلى الحرب واستمرارها، ولكن لأنه يستطيع تحويل نزاع المصالح إلى نزاع حول الخير والشر.
والأرض، يا سادة، يمكن التفاوض حولها، ويمكن التفاوض حول الصواريخ والعقوبات والقواعد العسكرية والضمانات الأمنية. لكن مساحة التسوية تضيق جدا وتتقلص فرصها عندما يبدأ كل طرف في الاعتقاد بأن هزيمته ليست خسارة استراتيجية فحسب، بل هزيمة أخلاقية وحضارية أيضا.
ولا يمكن فهم هذا البعد من موسكو وحدها؛ فأوكرانيا نفسها شهدت قبل الحرب الشاملة صراعا عميقا حول الهوية الدينية. وفي عام 2019 انفصلت الكنيسة الأوكرانية عن الكنيسة الروسية الأم، وتدخلت السياسة في الدين بوضوح، فحصلت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الجديدة على الاستقلال الكنسي من بطريركية القسطنطينية. واعتبرت كييف الرسمية ذلك امتدادا لبناء دولة وهوية وطنية مستقلتين عن روسيا، في حين رأت فيه موسكو ضربة لمساحة روحية وتاريخية اعتبرتها الكنيسة الروسية، لقرون، جزءا لا يتجزأ من مجالها الكنسي منذ لحظة تعميد الأمير فلاديمير في كييف.
بل زد على ذلك أنه بعد فبراير (شباط) 2022، تحول الخلاف الديني إلى قضية أمن قومي، فأصبحت الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المرتبطة تاريخيا ببطريركية موسكو موضع اشتباه متزايد داخل أوكرانيا نفسها، رغم إعلانها قطع التبعية لموسكو. وثبتت حالات تعاون لبعض رجال الدين مع السلطات الروسية، وهو ما استغلته حكومة كييف وأجهزتها الأمنية ذريعة ومبررا أمنيا للتحرك، لكن ذلك لا يعني أن ملايين المؤمنين أو جميع رجال الدين التابعين لهذه الكنيسة موالون لروسيا.
وهذه القضية، في رأيي، أكثر تعقيدا من روايتي الطرفين؛ فموسكو تتحدث عن اضطهاد للأرثوذكسية القانونية الشرعية في أوكرانيا، وكييف تقول إنها تواجه شبكات نفوذ واختراق روسية داخل دولة تخوض حربا وجودية. وبين هذه وتلك توجد مسألة حقيقية تتعلق بحرية الدين وحدود تدخل الدولة في المؤسسات الدينية أثناء الحرب.
لكن على الرغم من هذا الكلام، اسمح لي، أيها القارئ العزيز، أن أبوح لك بحقيقة مهمة جدا تقرب لك الصورة الحقيقية في حرب أوكرانيا، وهي أن أهمية أوكرانيا الدينية بالنسبة إلى روسيا أعمق من مؤسسات الكنيسة المعاصرة، بكل ما دار ويدور حولها من خلاف وجدل. وكييف تحتل مكانا رمزيا مركزيا في السردية التاريخية الروسية نفسها؛ فدولة روس القديمة، ومعمودية الأمير فلاديمير، والأرثوذكسية نفسها كديانة، ثم فكرة الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين والبيلاروس، كلها تتمحور حول كييف، أم المدن الروسية.
لذلك فإن انفصال أوكرانيا دينيا وثقافيا عن موسكو، بالنسبة إلى التيار المحافظ الروسي، هو كسر لسردية تاريخية كاملة يقوم عليها أصل روسيا وهويتها بالنسبة إلى الملايين من أبناء هذا التيار، وليست المسألة بحال مجرد خسارة نفوذ.
وهنا أعود مجددا إلى افتتاحية هذا المقال وأقول: لعلك فهمت معي لماذا يمكن لرفات دميتري دونسكوي أن تنتقل، بعد أكثر من ستة قرون، من قلب الكرملين إلى دونباس، إلى خط الجبهة عند مواقع القتال.
إن المقصود، من وجهة نظري وحسب فهمي، ليس مجرد رفع معنويات الجنود، على أهميته في اللحظة الحالية من عمر حرب تقترب من عامها الخامس ولا نهاية قريبة لها في الأفق، بل محاولة لوصل الحروب الروسية بعضها ببعض داخل ذاكرة تاريخية واحدة، من ساحة كوليكوفو ومقاومة الغزوات الخارجية والحرب الوطنية العظمى، وصولا إلى الحرب الحالية.
بل إن الرمز نفسه يحمل استمرارية تاريخية مثيرة للاهتمام؛ فقد حملت وحدة دبابات سوفيتية مولتها الكنيسة خلال الحرب العالمية الثانية اسم دميتري دونسكوي. واليوم يعود الاسم والرفات إلى حرب أخرى، في محاولة واضحة لربط التضحية الحالية بمخزون أقدم من الذاكرة الروسية.
وفي هذه السردية تظهر روسيا بوصفها دولة تتعرض، على مدار الأزمنة والقرون، لمحاولات متكررة للإخضاع من الخارج، لكنها تبقى بفضل شيء لا يمكن قياسه بالناتج المحلي أو عدد الدبابات والصواريخ: الذاكرة التاريخية والروح والاستعداد للتضحية. وبذلك يصبح الانتصار العسكري امتدادا للصمود التاريخي، ويصبح الجندي الحالي المقاتل على الجبهات الساخنة وريثا لسلسلة طويلة من المدافعين عن الوطن وحماته عبر التاريخ.
إن خلف المعركة على الدونباس معركة أخرى. نعم، هي أقل ظهورا في الإعلام، لكنها أكثر امتدادا؛ إنها معركة حول ما إذا كانت روسيا جزءا مختلفا من أوروبا، أم أنها حضارة قائمة بذاتها.
وحول ما إذا كانت أوكرانيا جزءا من فضاء تاريخي مشترك مع روسيا، أم أنها أمة أوروبية مستقلة عن هذا الفضاء.
وحول ما إذا كان نموذج الغرب الليبرالي، الذي حاولت أمريكا فرضه على الأمم والشعوب، تارة بالقوة الناعمة وأخرى بالتدخل العنيف، يمثل نموذجا عالميا للقيم التي يجب تعميمها، أم أنه نموذج حضاري واحد بين نماذج متعددة لخلق الله الكثير والمتنوع.
وعند هذه النقطة، أعتقد أننا بدأنا نفهم لماذا وصلت يد أمير مات قبل أكثر من ستة قرون إلى أحدث جبهة حرب في القرن الحادي والعشرين.
نعم، السلاح يحدد أين تمر الجبهة، أما الدين والتاريخ فيحددان، لمن يحمل هذا السلاح ويقاتل به، لماذا توجد هذه الجبهة أصلا.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير