أبحاث ودراسات

سيناريوهات العلاقات المصرية الإيرانية في ظل الحرب على طهران

الحذر كإستراتيجية أم التقارب كضرورة؟


  • 4 مارس 2026

شارك الموضوع
i مصدر الصورة: independentarabia

قبل أيام من الجولة الثانية من الضربة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عاد مسار التقارب بين القاهرة وطهران إلى الواجهة من جديد بعد أن أعلن رئيس مكتب رعاية المصالح الإيرانية في القاهرة مجتبى فردوسي اقتراب عودة العلاقات الدبلوماسية على نحو كامل بين مصر وإيران؛ ما يحمل تطورًا ذا دلالة تتجاوز مسار العلاقات التاريخية المعقدة بين البلدين، فالتزامن بين التصعيد العسكري الراهن وإحياء الحديث عن التقارب بين البلدين لا يمكن فصله عن إدراك متبادل  من مصر وإيران للتحولات المتسارعة في البيئة الإستراتيجية المحيطة. وفي هذا السياق، تُقرأ الدعوة إلى التقارب المصري الإيراني على أنها مؤشر على سعي الطرفين إلى إدارة تداعيات الهجمة العسكرية من خلال قنوات تواصل مباشرة، سواء بهدف احتواء الانعكاسات الإقليمية للصراع ومنع تحوله إلى حرب شاملة، أو لتعزيز القدرة على التأثير في مساراته السياسية اللاحقة.

من هنا يطرح الربط بين التصعيد العسكري القائم وملف عودة العلاقات بين مصر وإيران جملة من التساؤلات الجوهرية عما إذا كانت القاهرة وطهران تتحركان بدافع استباقي لإعادة هندسة موقعهما في معادلة ما بعد التصعيد، أم أن التقارب يظل محكومًا بسقف الحذر التقليدي في ظل حالة من الفوضى الإقليمية؟ وإلى أي مدى يمكن لمصر أن توظف التقارب مع الجمهورية الإسلامية لتعزيز موقعها كوسيط قادر على التواصل مع جميع أطراف الصراع دون الإخلال بشبكة تحالفاتها التقليدية مع الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين؟ وفي المقابل، هل يتيح الانفتاح على القاهرة لطهران كسر جزء من عزلتها وحماية نظامها السياسي وإعادة صياغة موقعها في الخطاب العربي في ظل المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة؟ كما تطرح التطورات الراهنة احتمالات متعددة لمستقبل العلاقة بين مصر وإيران، فهل يتجه المسار نحو تطبيع تدريجي منضبط قائم على إدارة الحذر وفصل الملفات؟ أم يتطور إلى تنسيق براغماتي أوسع في ظل استمرار الضغوط العسكرية؟ أم أن تصاعد المواجهة قد يعيد إنتاج مناخ الجمود التقليدي ويُبقي العلاقة في إطار قنوات التنسيق الدبلوماسي المحدود؟

المكاسب المصرية من عودة العلاقات مع إيران:

يشهد الإقليم لحظة إعادة تشكل عميقة في موازين القوى وأنماط التحالف، حيث تتراجع أنماط الاستقطاب الصلب لصالح ترتيبات مرنة ومتغيرة. في هذا السياق، فإن أي تحرك مصري نحو تطوير العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية خلال الحرب الحالية لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تطبيع ثنائي رمزي، بل بوصفه جزءًا من هندسة أوسع لإعادة تموضع مصر داخل بنية النظام الإقليمي والدولي، بهدف جني عدة مكاسب، لعل أبرزها:

  • احتواء التداعيات الأمنية في مسارح الأمن القومي المصري: في ظل الطبيعة غير التقليدية للصراع العسكري الحالي الذي يمتد عبر ساحات إقليمية متعددة، فإن تحسين قنوات الاتصال مع طهران يسهم في تقليل احتمالات انتقال الارتدادات الأمنية إلى المجال الحيوي المصري، سواء في البحر الأحمر أو شرق المتوسط، فمصر بحكم موقعها الجيوسياسي، معنية بتجنب اتساع نطاق المواجهة بما يهدد الملاحة الدولية، وأمن الطاقة، واستقرار محيطها المباشر؛ ومن ثم فإن بناء قنوات تنسيق أو تفاهمات أمنية محدودة مع إيران قد يعزز قدرة القاهرة على استباق المخاطر، وإدارة الأزمات قبل تفاقمها، وتحصين مسارحها الحيوية من الانزلاق إلى صراعات بالوكالة.
  • تعزيز المكانة الدبلوماسية: يتمثل أحد أهم المكاسب النوعية في ظل تجدد المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في انتقال مصر من موقع التكيف مع توازنات المحاور إلى موقع التأثير في تشكيلها، فيمكن لتحسين العلاقات مع إيران أن يعيد تفعيل الدور المصري كوسيط إقليمي قادر على أداء دور محوري في خفض التصعيد، فالقاهرة تمتلك قدرات للاضطلاع بوظيفة الوسيط المقبول، أو قناة الاتصال الخلفية في لحظات الانسداد السياسي، وفي سياق الحرب الراهنة، قد يشكل انفتاحها على طهران مدخلًا لتقديم مبادرات تهدئة، أو استضافة مسارات تفاوض غير رسمية خاصة بعد الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية، ومنها عمان الراعي العربي للمفاوضات الغربية الإيرانية، بما يعزز من رصيد القاهرة الدبلوماسي، ويكرس موقعها بوصفها ركيزة استقرار إقليمي، كما أن هذا الدور يعيد توظيف ثقل مصر التاريخي في إدارة الأزمات الإقليمية، بما ينعكس إيجابًا على مكانتها في معادلات الأمن الإقليمي والدولي.
  • تحييد مسرح البحر الأحمر: يُعد أمن البحر الأحمر وقناة السويس أحد أعمدة الأمن القومي المصري، وفي ظل التوترات الراهنة وتزايد احتمالية الرد الإيراني من خلال جماعة أنصار الله في اليمن على المصالح الغربية في البحر الأحمر، وما يترتب عليها من تهديدات للملاحة الدولية، كما حدث بعد “طوفان الأقصى”، حيث أثرت هجمات الحوثيين تأثيرًا مباشرًا في الإيرادات السنوية لقناة السويس، التي انخفضت انخفاضًا حادًّا من 10.25 مليار دولار في 2023 إلى 3.9 مليار دولار في 2024، ونظرًا إلى دعم إيران المباشر للحوثيين، فإن تحسين العلاقات مع طهران قد يُوفر للقاهرة قناة للضغط تستخدم مستقبلًا كأداة محتملة لخفض التصعيد في البحر الأحمر، فإذا استطاعت مصر إدماج ملف أمن الملاحة ضمن حوار أوسع مع إيران، فإنها تضيف إلى أدواتها الردعية بعدًا دبلوماسيًّا يقلل كلفة المواجهة الصلبة، غير أن هذه المقاربة لا تفترض تطابق مصالح؛ بل تقوم على إدارة تقاطع المصالح، فإيران أيضًا ليس من مصلحتها حدوث انفلات كامل يهدد استقرار خطوط التجارة العالمية التي تمر عبر الخليج والبحر الأحمر؛ لذا فإن استثمار هذا التقاطع يخدم المصلحة المصرية في حماية إيرادات قناة السويس دون الانجرار إلى مواجهات مكلفة.
  • التعاون الاقتصادي في مجالات محدودة: يُمكن لتوثيق العلاقات مع إيران ما بعد احتواء المواجهة الراهنة أن يُسهم في تعزيز قطاع السياحة في مصر، إذ أعلن وزير السياحة والثقافة الإيراني، رضا صالحي أميري، في مايو (آذار) الماضي، إطلاق بلاده برنامجًا للتبادل الثقافي مع مصر، بهدف استقطاب نحو مليون سائح إيراني إلى القاهرة خلال السنوات الخمس المقبلة، حيث تضم القاهرة مواقع دينية شيعية مهمة، أبرزها مسجد الحسين، ومسجد السيدة زينب؛ ما يجعلها وجهة جذابة لكثير من الإيرانيين. وبالنظر إلى أن السياحة ساهمت بنحو 8.5% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر عام 2024، فإن هذا البرنامج التبادلي قد يُعطي دفعة قوية للاقتصاد المصري، ولكن نظرًا إلى سياسة إيران الإقليمية المتمثلة في تصدير أيديولوجية الجمهورية الإسلامية فإن مصر قد تتحفظ من أن يتحول تدفق السياحة الدينية الإيرانية إلى أداة تستخدمها طهران لتوسيع نفوذها داخل مصر، كما فعلت في بلدان أخرى من الشرق الأوسط.

وإذا كان التعاون مع إيران في مجال الأمن البحري والسياحة قد يُخفف من الأعباء الاقتصادية على مصر، فإن العقوبات الدولية المفروضة على إيران تجعل إقامة علاقة اقتصادية مستدامة أمرًا صعبًا، حيث بلغ حجم التجارة الثنائية في عام 2023 ما قيمته 5.1 مليون دولار فقط، وهو أقل بكثير من أدنى حجم تجاري لمصر مع أي دولة خليجية، وفي السنة المالية 2025، انعدمت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الإيراني إلى مصر.

  • كسب عمق جيواقتصادي لمصر شرقًا نحو آسيا الوسطى: غالبًا ما يُختزل البعد الاقتصادي في التجارة الثنائية المباشرة، ولكن المكسب الإستراتيجي الحقيقي لمصر بعد استقرار الأوضاع يكمن في إمكانية توظيف العلاقة مع إيران كبوابة نحو فضاء أوسع يمتد إلى آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وأفغانستان، حيث تمثل إيران عقدة جغرافية في ممرات برية تربط جنوب آسيا بتركيا وأوروبا؛ لذا في حال استقرار العلاقات بين مصر وإيران، يمكن لمصر أن تدرس الانخراط في ترتيبات لوجستية غير مباشرة تربط موانيها، خاصة على البحر الأحمر والمتوسط، بشبكات النقل العابرة لإيران، وهذا لا يعني شراكة إستراتيجية كاملة؛ بل استكشاف إمكانات تكامل في سلاسل الإمداد، بما يعزز موقع مصر بوصفها محور عبور متعدد الاتجاهات، لا يقتصر على المسار البحري التقليدي.

الدوافع الإيرانية لتعزيز العلاقات مع مصر:

تجد إيران في توثيق العلاقات مع مصر سبيلًا لتخفيف عزلتها الإقليمية والدولية، إذ تبرز مصر كشريك دبلوماسي محوري في الشرق الأوسط، وقد يُساعد توثيق العلاقات مع القاهرة على استعادة نفوذ طهران في المنطقة، مع إرسال إشارة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن لديها خيارات للتفاعل تتجاوز وكلاءها وشركاءها التقليديين، خاصة في ظل الحرب الحالية. وفي هذا الصدد قد تحقق الجمهورية الإسلامية من تقاربها مع مصر جملة من المكاسب الإستراتيجية تتضح أبرزها فيما يلي:

  • استثمار الثقل المصري كوسيط لخفض التصعيد وإعادة فتح مسار تفاوضي: تتمتع القاهرة بسجل وساطة حافل في ملفات إقليمية معقدة، وتحتفظ بعلاقات عمل مع واشنطن وأطراف إقليمية متباينة؛ لذا قد تسعى طهران إلى تفعيل قناة مصرية لتمرير رسائل خفض التصعيد المشروط، والاستعداد للعودة إلى مسار تفاوضي مقابل وقف الضربات وضمانات أمنية، ما يمكن إيران من تحويل مسار الأزمة من عسكري إلى تفاوضي بسرعة أكبر، والحصول على ضمانات غير مباشرة بشأن حدود التصعيد اللاحق، وإعادة صياغة جدول الأعمال التفاوضي ليشمل ترتيبات أمنية إقليمية أوسع، حيث تمنح مصر طهران مسارًا عربيًّا مكملًا للمسارات الأوروبية والعُمانية التقليدية.
  • تقليل احتمالات التكتل المضاد: في سياق الحرب الحالية، تمثل أولوية طهران الإستراتيجية منع تشكل جبهة عربية إقليمية متماسكة داعمة للضغوط الأمريكية الإسرائيلية؛ ومن ثم فإن بناء علاقة مستقرة مع القاهرة يقلل احتمالات انخراط مصر في أي ترتيبات أمنية أو عسكرية تستهدف إيران على نحو مباشر أو غير مباشر، بل إن مجرد وجود قنوات اتصال مفتوحة قد يسهم في إدارة سوء الفهم، والحد من خطر التصعيد غير المقصود في مسارح قريبة من المصالح المصرية، حيث يشكل التقارب مع مصر آلية احتواء سياسي تقي إيران من اتساع نطاق المواجهة وتحولها إلى اصطفاف عربي أوسع ضدها.
  • تعزيز القدرة على المناورة في مسار التفاوض مع الولايات المتحدة: في حال عودة جولات المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بعد سلسلة الهجمات الإسرائيلية والأمريكية الحالية يمثل تعزيز العلاقات مع مصر بوصفها دولة مركزية في الشرق الأوسط مكسبًا لإيران على مستويين؛ مستوى شرعي سياسي، فمصر بنشاطها في الدفع نحو عودة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة الحوار تعطي طهران غطاءً إقليميًّا يدعم مقاربتها التفاوضية التي ترفض شروطًا أمريكية تقيد سيادتها على البرنامج النووي، ومستوى تكتيكي يتمثل في وجود قناة تواصل مع فاعل عربي محوري يوفر لطهران مسارًا بديلًا لتخفيف آثار الاستقطاب مع واشنطن ما يوسع هامش مناوراتها في الجولات المقبلة.
  • كسر العزلة الدبلوماسية والشرعية الإقليمية: تسعى إيران على مدار العقود الأربعة الماضية إلى إنهاء حالة العزلة الإقليمية والدبلوماسية التي واجهتها منذ الثورة الإسلامية 1979، والتي تعمقت بعد عقود من التوتر مع الدول العربية الكبرى؛ لذا فإن استعادة العلاقات مع مصر أكبر دولة عربية من حيث السكان والقدرة المؤسسية، تمثل وسيلة لطهران لإعادة بناء صورتها بوصفها فاعلًا إقليميًّا قادرًا على الحوار والتعاون مع أطراف كان يُنظر إليها تقليديًّا كخصوم. هذا التحول في العلاقات لا يقتصر على شكل الخطاب الدبلوماسي، بل يُترجم إلى شرعية إقليمية متزايدة لطهران في معادلات صنع القرار الإقليمي؛ ما يجعل من إيران طرفًا لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات أمنية وسياسية في الشرق الأوسط.
  • فتح قنوات اتصال مع الداخل العربي: تطمح طهران لفتح قناة دبلوماسية حديثة مع القاهرة؛ ما يساعدها في تفكيك بعض رواسب التوتر التاريخي مع القوى العربية، وهو مكسب إستراتيجي يضيف إلى شبكة العلاقات الإيرانية أبعادًا عربية وإفريقية لم تكن متاحة بفاعلية في السابق. هذا التوسع في شبكة العلاقات يأتي في وقت يسعى فيه النظام الإيراني -خاصة بعد وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي– إلى بناء تحالفات مرنة بدلًا من محاور جامدة، حيث تمنح هذه الشبكة إيران فرصة لتقويض رواسب العداء التاريخي التي كانت تُستخدم ضدها في السرديات السياسية داخل بعض العواصم العربية، وهو ما يعيد ترتيب بيئة القوة في المنطقة لصالح رؤية أكثر تعقيدًا وتداخلًا تبعدها عن قطبية الصراع التقليدية.
  • مكاسب اقتصادية: بالرغم من التحديات التي تفرضها العقوبات الدولية، وتوسع نطاق الهجمات العسكرية القائمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وما يتبعها من خسائر جسيمة على الاقتصاد الإيراني، تمثل العلاقات مع مصر محورًا جديدًا لتحقيق بعض المكاسب الاقتصادية في بعض القطاعات بعد انتهاء الحرب، فتحسين العلاقات يمكن أن يفتح مجالات لتجارة محدودة، لكن إستراتيجية مثل أنماط التبادل التجاري غير التقليدي، أو مبادرات المقايضة التي تقلل من تأثير العقوبات الأمريكية، وصياغة أطر تعاون لوجستي مع دول ثالثة، من بينها مصر كمنصة إقليمية، هذه المكاسب لا تعني اختراقًا واسعًا للأسواق العربية أو العالمية، لكنها تُشكل بوابة اقتصادية جديدة لطهران في سياق يشهد ضغوطًا هيكلية على الاقتصاد الإيراني.
  • رواية مضادة في الخطاب الإقليمي والدولي: يسعى النظام الإيراني إلى توظيف لحظة التصعيد الحالية لإعادة صياغة صورته في المجالين الإقليمي والدولي، من خلال إنتاج سردية مضادة بوصفها دولة تتعرض لاعتداء خارجي، وتدافع عن سيادتها ضمن إطار القانون الدولي، لا بوصفها فاعلًا مبادرًا بالتصعيد. هذه المقاربة الخطابية تستهدف تقليص العزلة السياسية، وتعزيز شرعية الموقف الإيراني في المحافل الدولية، ولا سيما في ظل المواجهة القائمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي هذا السياق، يكتسب الموقف المصري أهمية خاصة؛ إذ تطمح طهران إلى الاستفادة من ثقل مصر في الفضاء العربي لإدانة الضربات العسكرية الغربية، والدعوة إلى احترام سيادة الدول، واحتواء التصعيد، فصدور مواقف عربية وازنة بهذا الاتجاه من شأنه أن يُسهم في إعادة تشكيل الرواية السائدة بشأن الحرب لصالح الجمهورية الإسلامية.

سيناريوهات مستقبل العلاقات المصرية الإيرانية:

تتسم العلاقات بين القاهرة وطهران بطابع مركب تحكمه اعتبارات تاريخية وأمنية وإقليمية متشابكة، فبينما تبرز دوافع عدة لإعادة ضبط العلاقة بين البلدين تظل هناك معوقات جوهرية تتعلق بالأمن الإقليمي، والتحالفات الإستراتيجية، وملفات الخلاف التاريخية، وفي هذا السياق تضاعف الحرب الراهنة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى صعوبة استشراف مستقبل العلاقات بين القاهرة وطهران، غير أنه يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات لشكل العلاقات بين البلدين وفقًا للمعطيات الراهنة، تتمثل فيما يلي:

السيناريو الأول: جمود انتقائي تحت ضغط التصعيد العسكري: مع تجدد المواجهات وتنفيذ ضربات عسكرية بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وتزايد احتمالات نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق، ستعيد القاهرة تقييم انخراطها مع طهران، وقد تُجمد خطوات التقارب العلنية حفاظًا على توازناتها الإستراتيجية، وتكتفي مصر بالعلاقة الحذرة مع الجمهورية الإسلامية، واتخاذ موقف متوازن إزاء مختلف الأطراف، مع التركيز على جهود إنهاء الصراع العسكري، والدعوة إلى ضبط النفس والعودة إلى المفاوضات على الملفات الخلافية، ويعزز حدوث هذا السيناريو المرجح على المدى المنظور، ترابط ملفات الأمن القومي المصري مع الشراكات الغربية، خاصة الوضع في غزة، وحساسية الرأي العام الإقليمي تجاه أي اصطفاف يُفهم على أنه دعم لطرف في مواجهة مفتوحة، مع محدودية القدرة على تحييد العلاقة الثنائية عن ديناميات الصراع الأوسع.

السيناريو الثاني: تطبيع جزئي  منضبط: يقوم هذا المسار -بوصفه السيناريو المحتمل- على إعادة العلاقات الدبلوماسية كاملة أو شبه كاملة بين البلدين، مع اعتماد مقاربة فصل الملفات من خلال توسيع التعاون في المجالات المنخفضة الحساسية، مثل السياحة، والثقافة، والتنسيق الأمني الإقليمي، مقابل تجميد الخلافات المرتبطة بساحات النفوذ الإقليمي للجمهورية الإسلامية. في هذا السياق، تسعى القاهرة إلى توظيف الانفتاح كورقة توازن إقليمي، في حين ترى طهران فيه منفذًا لكسر العزلة العربية دون تغيير جوهري في سياساتها الإقليمية، حيث يدعم حدوث هذا السيناريو استئناف قنوات الاتصال الرسمية على مستويات وزارية وأمنية، مع تصريحات متبادلة عن الرغبة في إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، فضلًا عن تصاعد الحاجة الإقليمية إلى إدارة أمن البحر الأحمر بعد اضطرابات الملاحة من جراء الجولة الجديدة من الصراع العسكري؛ ما يعزز أهمية الحوار مع كل الفاعلين المؤثرين في مسارح التوتر، غير أن عودة الحرب بين إسرائيل وإيران بدعم أمريكي قد يضغط على القاهرة في تبني سياسات تقاربية مع طهران على المدى المنظور، كما أن استمرار العقوبات الغربية على إيران واحتمال تزايدها بسبب الحرب الحالية يقيد أي انخراط اقتصادي بين البلدين.

السيناريو الثالث: شراكة براغماتية بين مصر وإيران: يفترض هذا السيناريو المستبعد حدوث اختراق نسبي في مسارات التهدئة الإقليمية، ما يسمح بانتقال العلاقة من إدارة الحذر إلى التنسيق الوظيفي الأمني والسياسي والاقتصادي، حيث يعزز حدوث هذا السيناريو تزايد الدعوات الإقليمية إلى نظم أمن جماعي غير إقصائية تشمل القوى الإقليمية، وانخراط مصر في أدوار وساطة متعددة المسارات بما يعزز مكانتها بوصفها فاعلًا محوريًّا في الأمن الإقليمي، فضلًا عن حاجة إيران إلى توسيع دوائر الانفتاح العربي في ظل الضغوط الاقتصادية والتهديدات العسكرية المتكررة، غير أن هشاشة أي تسوية إقليمية أمام احتمالات التصعيد المفاجئ لا تزال تقيد هذا المسار، خاصة في ظل التداخل بين الملفات الأمنية والسياسية بما يصعب معه الفصل الكامل؛ لذا يرتبط حدوث هذا السيناريو بمدى قدرة الإقليم على تثبيت ترتيبات ردع مستقرة خلال السنوات المقبلة.

الخاتمة  

إجمالًا لما سبق، يمكن القول إنه على الرغم من التصريحات والنيات الإيجابية لمصر وإيران من أجل استعادة العلاقات الثنائية خلال الأشهر القليلة الماضية، والمكاسب الإستراتيجية لكلا البلدين من جراء هذا التقارب المنشود، فإنها لا تستطيع محو عقود من الخلاف الأيديولوجي والواقع الجيوسياسي المعقد، فمصر متحالفةً تحالفًا وثيقًا مع الأنظمة الملكية العربية في الخليج، وتجمعها علاقات إستراتيجية بالولايات المتحدة الأمريكية؛ الداعم الأول لإسرائيل. على النقيض من ذلك، تواصل إيران ترسيخ مكانتها بوصفها قوة ثورية مناهضة للغرب، وفي حربها الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل تستهدف عسكريًّا مصالحهما في دول الخليج؛ ما يشكل  تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وتحالفات القاهرة التاريخية. هذه الحقائق الجوهرية تجعل إقامة شراكة طويلة الأمد مع إيران سيناريو شبه مستحيل على المدى المنظور، ليصبح الخيار الأرجح تعظيمًا للمصلحة المصرية في إدارة دقيقة للتقارب تقوم على التدرج، وتحديد خطوط حمراء واضحة، وضمان ألا يتحول الانفتاح إلى انخراط مفرط، وأن تظل العلاقة مناورة تكتيكية ضرورية لضبط معادلة التوازن الإقليمي في تلك المرحلة المفصلية.

ما ورد في الدراسة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع