
أجرى الصحفي والمحلل السياسي ستيفن صهيوني حوارا مع الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز، أستاذة الدراسات الإيرانية بجامعة بني سويف، والباحثة بوحدة الدراسات الإيرانية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، حول تداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وانعكاساته على أمن الشرق الأوسط ومستقبل التحالفات الإقليمية.
ستيفن صهيوني: تشهد العلاقات بين طهران وواشنطن جولة جديدة من المواجهة السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويبدو أن الطرفين غير مستعدين للتهدئة. برأيكم، هل المنطقة مهددة بالبقاء في دوامة العنف؟ وما السبل الممكنة لإنهاء هذا التوتر؟
الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز: تواجه المنطقة، بلا شك، خطرا بالغا مع استمرار التصعيد العسكري والسياسي بين الولايات المتحدة وإيران. فبعد أكثر من عشرة أيام من تبادل الضربات العسكرية، بما في ذلك تقارير عن هجمات أمريكية استهدفت الساحل الجنوبي الإيراني ومحيط مضيق هرمز، يبدو أن واشنطن تتبع استراتيجية مزدوجة.
تتمثل الاستراتيجية الأولى في استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية بصورة مستمرة، من خلال استهداف منظومات الصواريخ والرادارات ومنصات الإطلاق، بما يحد من قدرة طهران على السيطرة على مضيق هرمز، ويمنح الولايات المتحدة نفوذا أكبر على هذا الممر الاستراتيجي.
أما الاستراتيجية الثانية، فتقوم على عزل المضيق من خلال استهداف الجسور والبنية التحتية، بهدف قطع طرق الإمداد العسكرية والصاروخية، تمهيدا لإحكام السيطرة الأمريكية عليه.
وفي ظل هذه التطورات، يزداد خطر انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة قد تندلع في أي لحظة، بينما يظل الحل الأكثر فاعلية متمثلا في استئناف الوساطات الدولية والعودة إلى طاولة المفاوضات.
ستيفن صهيوني: تعرضت إيران لخسائر سياسية واقتصادية وعسكرية وأمنية كبيرة. هل تستطيع الصمود في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها العرب لفترة طويلة، خصوصا مع انهيار عملتها الوطنية؟
الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز: تمر إيران بأزمة اقتصادية خانقة، رافقتها خسائر كبيرة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. وتشير التقارير إلى وصول معدل التضخم إلى نحو 88.6 في المئة، بينما ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة تقارب 138.8 في المئة، وهو ما يفسر مطالبة طهران المستمرة برفع العقوبات والإفراج عن نحو 120 مليار دولار من الأصول المجمدة.
ورغم هذه الظروف، لا تزال إيران تعتمد على ما يعرف بـ«اقتصاد الظل»، الذي يقدر بأنه يشكل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي. ويدار هذا الاقتصاد عبر شبكة معقدة تضم مؤسسات عسكرية ودينية، من بينها الحرس الثوري الإيراني، إلى جانب أساطيل نفط غير معلنة، وشركات واجهة، والعملات الرقمية، وشبكات شحن بديلة للالتفاف على العقوبات.
ويمنح هذا النظام الاقتصادي طهران قدرة أكبر على الصمود في مواجهة الضغوط الأمريكية، رغم حدة الأزمة الاقتصادية وتراجع قيمة العملة الوطنية.
ستيفن صهيوني: حاولت باكستان التوسط بين واشنطن وطهران، لكن جهودها لم تنجح. لماذا أخفقت هذه المبادرة؟ ومن يستطيع تقريب وجهات النظر بين الطرفين؟
الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز: لم تتمكن الوساطة الباكستانية من التوصل حتى إلى اتفاق أولي، لكن ذلك لا يعود إلى قصور في جهود إسلام آباد، بل إلى عمق الخلافات المتراكمة بين الولايات المتحدة وإيران على مدى أكثر من أربعة عقود.
ويجعل انعدام الثقة المتبادل استئناف المفاوضات أمرا بالغ الصعوبة في الوقت الراهن. ومع ذلك، قد تكون المصالح الاقتصادية العامل الوحيد القادر على تقريب المواقف، لا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز وحركة الملاحة الإقليمية.
وإذا توصل الطرفان إلى ترتيبات تحقق منافع اقتصادية مشتركة، فقد يفتح ذلك الباب تدريجيا أمام تسويات سياسية وأمنية أوسع.
ستيفن صهيوني: يواجه كل من دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو استحقاقات انتخابية مهمة، فهل يستطيعان مواصلة الحرب ضد إيران رغم الضغوط الداخلية والخارجية؟
الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز: رغم التصريحات المتكررة لترمب ونتنياهو بشأن الاستعداد لإطالة أمد الحرب، فإن الواقع يبدو أكثر تعقيدا.
فالطرفان يواجهان ضغوطا سياسية واقتصادية متزايدة. وفي الولايات المتحدة، شهد الكونغرس نقاشات تهدف إلى الحد من صلاحيات الرئيس في إطلاق عمليات عسكرية جديدة.
كذلك تجاوزت كلفة الانتشار العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط 1.5 مليار دولار، ما يشكل عبئا متزايدا على وزارة الدفاع الأمريكية، وقد يؤثر في نهاية المطاف في القرارات الاستراتيجية لواشنطن وقدرتها على مواصلة التصعيد لفترة طويلة.
ستيفن صهيوني: تعرضت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لهجمات وخسائر. فما مستقبل هذه القواعد إذا عجزت عن حماية نفسها أو حماية الدول المستضيفة لها؟
الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز: قد تدفع هذه الهجمات دول الخليج إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الدفاعية، وهو ما قد يشير إلى تراجع تدريجي في فاعلية المظلة الأمنية الأمريكية.
ومن المرجح أن تتجه دول الخليج إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية، بدلا من الاعتماد الكامل على واشنطن، ما قد يعزز فرص بناء منظومة أمنية عربية إقليمية، بالتوازي مع تنامي النفوذ الروسي والصيني في الشرق الأوسط، باعتبارهما قوتين دوليتين بديلتين.
وبالتالي، قد يؤدي الصراع الحالي إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات الاستراتيجية والأمنية في المنطقة، ويدفع عددا من الدول إلى إقامة علاقات أكثر توازنا مع القوى الدولية الكبرى.
ستيفن صهيوني: هددت إيران وحلفاؤها بإغلاق مضيق باب المندب، إلى جانب مضيق هرمز. وإذا انخرط الحوثيون مباشرة في الصراع، فهل يعني ذلك اتساع دائرة التصعيد؟
الدكتورة نسمة عبد النبي عبد العزيز: يمثل نفوذ الحوثيين في محيط باب المندب إحدى أهم أوراق الضغط الاستراتيجية التي تمتلكها إيران في الشرق الأوسط. ويبدو أن طهران تسعى إلى توظيف حلفائها الإقليميين ضمن استراتيجية تصعيد محسوبة ومتدرجة.
وقد أثرت الاضطرابات في مضيق هرمز بالفعل في حركة الملاحة البحرية. وإذا ساهم الحوثيون بدورهم في تعطيل الملاحة عبر باب المندب، فإن اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم سيتعرضان لشلل كبير.
وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط والطاقة، وزيادة اضطرابات الأسواق العالمية، وتعطيل حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
وفي المحصلة، يبدو أن إيران تسعى إلى استثمار نفوذها على الممرات البحرية الحيوية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية وجيوسياسية، مع تحدي القواعد الدولية المنظمة للملاحة البحرية، وفي مقدمتها مبادئ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير