إستراتيجيات عسكريةمقالات المركز

هل بدأ بالفعل تفكيك الهيكل الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط؟

التحالف السعودي التركي الباكستاني الثلاثي لعام 2026


  • 8 أغسطس 2026

شارك الموضوع

أعلنت السعودية وتركيا وباكستان، يوم الجمعة 7 أغسطس (آب) 2026، توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي يتضمن اعتبار أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث اعتداء على جميع أعضائه. وينص الاتفاق على توسيع التعاون في مجالات الصناعات العسكرية، ونقل التكنولوجيا، والتبادل الاستخباراتي، والتخطيط العملياتي.

وفي ضوء حالة الاضطراب التي يعيشها الشرق الأوسط منذ إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما الأخيرة ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026، يمكن النظر إلى الإعلان عن إنشاء هذا التحالف بين هذه الدول الثلاث الكبيرة في الإقليم باعتباره نتيجة طبيعية لذلك. غير أنني أعتقد أن اختزال هذا الحدث المهم في كونه اتفاقا عسكريا جديدا، مثل غيره من الاتفاقات العسكرية، حتى بين بعض أطرافه الحالية، سيجعلنا نفقد الجزء الأكثر أهمية في الصورة الكلية.

ما أرمي إليه بهذا الكلام هو أن الأحداث الكبرى التي تقع على خلفية ظروف كالتي تشهدها منطقة الشرق الأوسط المنكوبة، لا ينبغي بحال أن نقرأها من خلال بياناتها الرسمية فقط، وإنما يجب علينا، كباحثين، السعي إلى فهمها من خلال السياق التاريخي والاستراتيجي الذي تظهر فيه.

والتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى في موازين القوى لا تبدأ عادة بإعلان صاخب عن نهاية مرحلة وبداية أخرى، وإنما تبدأ بخطوات تبدو، في اللحظة التي تجري فيها، محدودة أو غير ذات أهمية كبيرة، ثم يتضح بعد سنوات أنها كانت بداية إعادة تشكيل النظام بأكمله.

لهذا لا يمكنني أن أنظر إلى تحالف اليوم باعتباره نهاية قصة، وإنما قد يكون بداية قصة أكبر بكثير، وقد يكون ما حدث في مكة المكرمة اليوم بداية التخلص من النظام الأمني الأمريكي المسيطر على رقبة المنطقة لعقود طويلة، وبداية رحلة البحث عن بديل.

ولفهم ما أقصده، وأهمية ما حدث اليوم، يجب العودة خطوة إلى الوراء، أي إلى المرحلة التي بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، ثم بصورة أوضح إلى المرحلة التي تلت حرب الخليج عام 1991، حيث تشكل في الشرق الأوسط ما يمكن تسميته بالهيكل الأمني الأمريكي المطلق والمنفرد، خصوصا مع اختفاء الاتحاد السوفيتي من الحلبة الدولية بلا رجعة ولا بديل مماثل أو نظير.

اصطلح، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على أن الولايات المتحدة هي الضامن لأمن المنطقة، خصوصا ضد التمدد السوفيتي الشيوعي، واستمر ذلك حتى لحظة تفكك التحالف بعد خسارته في أفغانستان، ولعوامل أخرى ليست مكانها هذه السطور الآن. ثم تحولت الولايات المتحدة إلى الضامن النهائي لأمن المنطقة مع حرب الخليج، وذلك بفضل قواعدها العسكرية المنتشرة في الخليج، وأسطولها الخامس، وشبكة تحالفاتها، التي أصبحت، ولا تزال، تمثل العمود الفقري للنظام الأمني الإقليمي.

وقد كان هدف الأمريكيين من هذه الحماية وهذا الوجود العسكري الواسع ليس فقط حماية تدفق النفط أو حماية الحلفاء، وهو ما اتضح خطؤه مع حرب إيران الحالية، باستثناء إسرائيل طبعا، وإنما كان الهدف أيضا منع ظهور قوة إقليمية قادرة على السيطرة منفردة على المنطقة، وفق صيغة ما يعرف في العلاقات الدولية بالقوة المهيمنة في الإقليم، سواء كانت العراق في التسعينيات، أو إيران لاحقا، أو أي قوة أخرى.

وخلال أكثر من ثلاثة عقود، أي منذ لحظة تفكك الاتحاد السوفيتي ونهاية حرب الخليج بتقويض قوة العراق، حليف السوفييت، بدا هذا النموذج الأمريكي للحماية والسيطرة مستقرا إلى حد بعيد. لكن هذا الاستقرار الظاهري كان يخفي تغيرات أعمق عند قراءة الصورة الواسعة.

فالصين ليست بعيدة عن الإقليم كما قد يتخيل البعض. ومع صعودها الكبير بفضل العلاقات القوية مع الولايات المتحدة، ونجاح الصينيين في حيلة الخداع الاستراتيجي للأمريكيين بالحصول على التكنولوجيا بفضل سياسة الانفتاح، ومع عودة روسيا إلى المسرح الدولي بقوة بفضل سياسات بوتين، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة نفسها، خصوصا منذ أزمة عام 2008، التي لا تزال آثارها موجودة وبقوة، لكن الناس نسيتها، بدأ السؤال يتغير داخل دوائر صنع القرار الأمريكي.

وقد طرحت أفكار كثيرة عن الخروج الأمريكي من الشرق الأوسط، وضرورة تركيز الجهد على مواجهة صعود الصين قبل أن تفلت من العقال تماما. ولذلك بدأ الأمريكيون يتساءلون، منذ فترتي حكم باراك أوباما، ليس عن طريقة لتعزيز وجودهم في الشرق الأوسط، بل عن كيفية الحفاظ على مصالحهم في المنطقة مع تقليل الوجود العسكري، وبالتالي خفض التكلفة العسكرية والاقتصادية، والتفرغ للمنافسة مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

وهذا الكلام ليس فرضية أعرضها هنا في هذه السطور، وإنما هو اتجاه معلن في الاستراتيجية الأمريكية منذ أكثر من إدارة، وقد بدأ يظهر بوضوح مع إدارة أوباما، كما أشرت في الفقرة أعلاه، وإن اختلفت أدوات التنفيذ من رئيس إلى آخر، وخصوصا مع دخول ترامب المفاجئ إلى البيت الأبيض مطلع عام 2017.

وفي اعتقادي، جاءت الحرب الأخيرة مع إيران، بكل ما حملته من مفاجآت عن حدود القوة الأمريكية في التغيير، لتكون الحدث الذي سرّع هذا التحول. فالولايات المتحدة أثبتت أنها ما تزال تمتلك أكبر قدرة عسكرية في العالم، لكن الحرب كشفت، في الوقت نفسه، حجم التكلفة التي يمكن أن تتحملها حتى وهي تواجه قوة إقليمية مثل إيران، كانت، ولا تزال، خاضعة لعقوبات مستمرة منذ أكثر من أربعين عاما، ناهيك عن مواجهة قوة عظمى، وخاصة لو كنا نتحدث عن الصين.

ففي الأيام الأخيرة، تتحدث التقارير الأمريكية والغربية عن خلافات، بل وحتى تلاسن، بين ترامب ووزير دفاعه وأعضاء مجلس الأمن القومي، بسبب الاستهلاك الكبير خلال هذه الحرب للذخائر الدقيقة، ومنظومات الدفاع الجوي، والصواريخ بعيدة المدى. وهذه كلها ذخائر تحتاج الصناعة العسكرية الأمريكية إلى وقت كبير لتعويضها.

وبالطبع، لا يعني هذا الكلام أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة، لكنه يعني أن إدارة الموارد العسكرية أصبحت أكثر تعقيدا في ظل وجود مسرحين عسكريين استراتيجيين في وقت واحد؛ أولهما مسرح ساخن بالفعل في الشرق الأوسط، والثاني منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهي مسرح مرشح بقوة لأن يصبح أكثر سخونة خلال السنوات القليلة القادمة. ولا يفوتنا أيضا مسرح أوكرانيا، على الرغم من تراجعه بصورة واضحة في سلم الأولويات الأمريكية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025.

ويخبرنا علم الاستراتيجية أن القوى الكبرى تواجه دائما ما يعرف بخطر تشتت القوة، عندما تضطر إلى توزيع مواردها على أكثر من جبهة في الوقت نفسه، بما يؤثر في قدرتها على التركيز على التحدي الرئيسي. والتحدي الرئيسي للولايات المتحدة، وفقا لما تنص عليه وثائقها المفاهيمية منذ نحو عقدين، هو الصين.

ومن هنا بدأت أطرح، منذ أشهر، بناء على معلومات اطلعت عليها، فرضية مفادها أن الحرب مع إيران قد لا تكون مجرد حرب إقليمية، وإنما جزء من مرحلة انتقال أوسع، تتراجع خلالها القدرة الأمريكية على الاستمرار باعتبارها الضامن الأمني الوحيد للشرق الأوسط، مع تسليم مفاتيح الإقليم لقوى كبرى من داخله، وتحت إشراف خارجي.

وأؤكد هنا أنني أتحدث عن تراجع نسبي في الدور، وليس عن انهيار الولايات المتحدة أو فقدانها مكانتها العالمية. فالولايات المتحدة ستظل، في رأيي، القوة الأكبر خلال المستقبل المنظور، لكن الفرق كبير بين أن تكون القوة الأكبر، وأن تكون القوة الوحيدة المهيمنة التي يدور حولها النظام العالمي، وكذلك الإقليمي، بأكمله.

إذن، السؤال المنطقي هو: لماذا هذه الدول الثلاث تحديدا في الإقليم؟

والجواب، حسب فهمي الشخصي، طبعا، لما يدور في أذهان أصحاب هذه الفكرة والاستراتيجية، هو أنه إذا افترضنا أن المنطقة تتجه بالفعل نحو إعادة توزيع الأدوار الأمنية، فإن اختيار تركيا والسعودية وباكستان ليس اختيارا عشوائيا.

فالسعودية تمثل الثقل الاقتصادي والمالي الأكبر في الخليج والعالم العربي، كما أنها تمتلك موقعا جغرافيا مهما جدا؛ فهي، من ناحية، تشرف على الخليج، ومن ناحية ثانية، على البحر الأحمر، وهذا يجعلها محورا رئيسيا لأمن الطاقة العالمي.

وتركيا تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية تطورا خارج القوى الكبرى المعروفة في صناعة السلاح، إضافة إلى جيش كبير يحتل المرتبة الثانية في حلف الناتو بعد الولايات المتحدة، كما يمتلك خبرة عملياتية واسعة، فضلا عن موقع تركيا الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا والبحر الأسود والبحر المتوسط.

أما باكستان، فهي، بالإضافة إلى كونها دولة إسلامية كبيرة، القوة النووية الإسلامية الوحيدة، وهذه هي ميزتها، فضلا عن امتلاكها جيشا ضخما. والأهم كذلك أن لها علاقات شراكة استراتيجية وثيقة مع الصين، بل إنها الحليف الأقرب لبكين في مواجهة خصمهما المشترك، الهند، إلى جانب قدرتها على التواصل مع الخليج وإيران في آن واحد.

ولذلك، عندما تجتمع هذه العناصر في إطار دفاعي واحد، فإننا لا نتحدث فقط عن تعاون عسكري، وإنما عن محاولة لبناء مركز ثقل إقليمي يمتلك عناصر القوة الأساسية، التي تشمل المال، والصناعة العسكرية، والقدرة البشرية، فضلا عن قدرات الردع، مضافا إليها العمق الجغرافي.

وهنا أطرح سؤالا آخر أراه أكثر أهمية من السؤال عن أهداف التحالف نفسه، وهو: لماذا ظهر هذا التحالف الآن؟

فالسعودية وباكستان تطوران تعاونهما الثنائي منذ سنوات، وكان بإمكانهما الاستمرار في هذه العملية دون الحاجة إلى تحالفات جديدة.

كما أن تركيا تملك علاقات دفاعية مع كل من السعودية وباكستان قبل الإعلان عن تشكيل هذا التحالف.

لذلك، فإن تحويل هذه العلاقات إلى إطار دفاعي ثلاثي مشترك ومعلن، في هذا التوقيت تحديدا، يجعلنا ننظر إلى عنصر التوقيت بعين فاحصة، لمحاولة فهم الرسالة.

فهل نحن أمام مشروع صيني بديل للمنطقة؟

هنا أصل إلى أكثر النقاط إثارة للجدل، وما أرمي إليه هو أنني، وفي إطار متابعتي التقليدية لتطورات الأحداث في المنطقة خلال الأشهر الماضية، على خلفية حرب إيران وتعقيداتها، اصطدمت بمعلومات مثيرة، وليست منتشرة، تشير إلى وجود تصور استراتيجي أوسع للمنطقة، تتقاطع فيه مصالح الصين مع عدد من القوى الدولية والإقليمية.

ويقوم هذا التصور، أو هذه الاستراتيجية، على تقليص الاعتماد على الهيكل الأمني الأمريكي في الشرق الأوسط، بسبب العبء الكبير الذي يمثله على دول المنطقة، خصوصا الدول المستضيفة للقواعد الأمريكية، التي أصيبت بخيبة أمل كبيرة بعد أن اكتشفت، بين عشية وضحاها، في ضوء حرب إيران، أن القواعد الأمريكية ليست لحمايتها، بل إن الولايات المتحدة منعتها من الحصول على الصواريخ الاعتراضية، ووجهتها إلى إسرائيل، واتضح أنها لا تنظر إليها بوصفها الحليف الحقيقي الصادق.

وينتهي هذا التصور، عموما، بالوصول إلى مرحلة تصبح فيها القوى الإقليمية الكبرى هي المسؤولة عن إدارة أمن المنطقة، بما في ذلك إيران نفسها، مع الإقرار الواقعي بوجود إسرائيل في المنطقة، ولكن ليس وفق خطط متطرفيها، مثل نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، وأوهام إسرائيل الكبرى.

وبالطبع، أقول بشكل واضح ومباشر إنني لا أستطيع تقديم هذه المعلومات باعتبارها حقيقة مثبتة، ولا أرى أن المنهج السليم يسمح بذلك. لكنني، عندما أضعها بجوار الوقائع المعلنة، أجد أن بعض عناصرها تستحق التوقف عندها.

فالصين تدعو، منذ سنوات، إلى إنشاء هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط يقوم على أمن المنطقة بواسطة دولها، وليس بواسطة قوة خارجية واحدة، وكانت، بالطبع، تقصد الولايات المتحدة. كما أنها لعبت دورا مهما في التقارب السعودي الإيراني، وتحافظ على شراكة استراتيجية عميقة مع باكستان، كما أشرت إليه أعلاه، وفي الوقت نفسه توسعت علاقاتها الاقتصادية مع السعودية وتركيا بصورة غير مسبوقة، ولذلك تحتاج إلى ألا تكون هذه العلاقات تحت رحمة واشنطن.

لكن، هل تقصد بهذا الكلام يا عم سعد أن بكين هي التي أنشأت هذا التحالف؟

وجوابي هو أن الأدلة الحالية المتاحة لا تسمح بالقفز المباشر إلى هذا الاستنتاج.

لكن، هل يعني ذلك أيضا أن هذا التحالف لا يخدم الرؤية الصينية بعيدة المدى؟

وجوابي هو: بالطبع لا، لأنه يخدمها بقوة.

فالتحالف، حتى لو افترضنا أنه قرار إقليمي خالص للدول الثلاث الموقعة عليه، فإنه يتقاطع موضوعيا مع المصلحة الصينية في قيام نظام إقليمي أكثر اعتمادا على القوى المحلية، وأقل اعتمادا على الهيمنة العسكرية الأمريكية.

وأنا هنا أريد أن أختلف مع من يتصور أن الصين تريد ببساطة أن ترث الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. والسبب في ذلك أن الصين، طوال تاريخها الحديث، لم تبد أي رغبة في بناء شبكة قواعد عسكرية عالمية مشابهة للنموذج الأمريكي.

وهي، من واقع سياستها الخارجية وسلوكها، تفضل دائما نموذجا آخر يقوم على أن تتولى القوى الإقليمية الأمن المباشر لمناطقها وأقاليمها، بينما تركز هي، أي الصين، على الاقتصاد والطاقة وضخ الاستثمارات، وبالتالي بناء شبكات النفوذ السياسي.

إذا صح هذا التقدير، الذي أقدمه كتحليل، فإن الهدف ليس استبدال هيمنة أمريكية بهيمنة صينية، وإنما الانتقال إلى نظام أكثر تعددا في مراكز القوة، بحيث لا تبقى واشنطن اللاعب الوحيد القادر على تشكيل التوازنات في المنطقة، وبالتالي التحكم في مصالح القوى الكبرى الأخرى، التي ترتبط بعلاقات ومصالح كبيرة مع مختلف دول المنطقة.

ولذلك، أفترض أن تكون هذه تحديدا هي الأهمية الحقيقية لتحالف مكة، الذي تم تدشينه وإعلانه اليوم، حتى لو كان المكان والشكل واليوم (مكة، يوم جمعة، وفي وقت صلاة الجمعة تقريبا) عناصر توحي جميعها بمغزى آخر.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع