مقالات المركز

الانسحاب الأمريكي من العراق… خطوة نحو استعادة السيادة أم بداية لفراغ أمني خطير؟


  • 4 أغسطس 2026

شارك الموضوع

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية خفضًا تدريجيًا لوجودها العسكري في إقليم كردستان العراق، وسط تقارير عن سحب عدد من منظومات الدفاع الجوي “باتريوت”، إلى جانب تقليص أعداد القوات والمعدات الثقيلة المنتشرة في المنطقة. وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه إقليم كردستان تصعيدًا أمنيًا لافتًا، مع تزايد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أثار تساؤلات حول تداعيات تقليص القدرات العسكرية الأمريكية، ومدى قدرة الإقليم والحكومة العراقية على التعامل مع التهديدات الأمنية المتصاعدة بصورة مستقلة.

وبحسب مسؤولين أكراد وتقارير إعلامية، فإن عملية خفض الوجود العسكري الأمريكي تأتي في إطار ترتيبات أمنية أوسع بين واشنطن وبغداد وحكومة إقليم كردستان، تهدف إلى إعادة تنظيم طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في العراق.

وأكد كيفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، أن عملية الانسحاب جارية بالفعل، لكنه شدد على أنها ليست تطورًا مفاجئًا، موضحًا أن التحضيرات لهذه الترتيبات بدأت منذ عدة أشهر. وقال محمود إن القوات الأمريكية تستعد لهذه المرحلة منذ فترة، نافيًا في الوقت نفسه التقارير التي تحدثت عن سحب كامل القدرات الدفاعية الجوية الأمريكية من إقليم كردستان، مؤكدًا أن بعض المنظومات لا تزال موجودة لحماية المصالح والمنشآت الاستراتيجية الأمريكية.

وبحسب تقارير إعلامية، جرى سحب منظومات “باتريوت” من قاعدة حرير العسكرية بالقرب من أربيل، وهي منظومات مخصصة لرصد واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما تحدثت التقارير عن استمرار عملية الانسحاب، مع إعادة نشر أعداد من القوات الأمريكية والمعدات الثقيلة خارج العراق، في وقت لم يُعلن فيه رسميًا عن الوجهة النهائية للقوات والمنظومات التي يجري نقلها.

ووفقًا للمسؤول الكردي، فإن القوات الأمريكية التي كانت متمركزة في قاعدة عين الأسد ومواقع أخرى في محافظة الأنبار انتقلت إلى قاعدة حرير في أربيل، ضمن ترتيبات جرى التوصل إليها بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، قبل أن تبدأ الاستعدادات لإعادة انتشارها خارج العراق.

وتحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري في العراق منذ سنوات، حيث لعبت قواتها دورًا في تدريب القوات الأمنية العراقية، ودعم عمليات جمع المعلومات الاستخبارية، والمشاركة في جهود التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”.

لكن تقليص الوجود العسكري الأمريكي يأتي في لحظة حساسة، إذ يواجه إقليم كردستان تهديدات أمنية متزايدة. ووفقًا لإحصاءات نقلتها وسائل إعلام كردية، شهدت محافظة أربيل خلال شهر يوليو (تموز) عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، فيما تعرضت محافظة السليمانية أيضًا لهجمات مماثلة، مع العثور على حطام صواريخ في محافظة حلبجة.

كما أشارت إحصاءات أخرى إلى وقوع عشرات الهجمات في أنحاء إقليم كردستان خلال الشهر نفسه، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. ومنذ تصاعد التوترات الإقليمية في 28 فبراير (شباط)، تحدثت وسائل إعلام محلية عن أكثر من 950 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة في أنحاء الإقليم، أدت إلى سقوط عشرات الضحايا.

وبحسب التقارير، طالت الهجمات منشآت عسكرية أمريكية ومواقع سياسية كردية، إضافة إلى جماعات كردية إيرانية معارضة تتخذ من الإقليم مقرًا لها. وفي عدد من الحالات، تمكنت منظومات الدفاع الجوي التابعة للتحالف من اعتراض طائرات مسيّرة قبل وصولها إلى أهدافها.

ويثير هذا التصعيد المتواصل تساؤلات جدية حول قدرة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد على حماية الأراضي العراقية من التهديدات الجوية، خصوصًا في ظل محدودية منظومات الدفاع الجوي وشبكات الإنذار المبكر القادرة على رصد الصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما أعاد الانسحاب الأمريكي المخاوف الكردية القديمة بشأن مستقبل الالتزام الأمريكي تجاه الإقليم إلى الواجهة. فقد اعتمد القادة الأكراد تاريخيًا على الدعم السياسي والعسكري الأمريكي، ولا سيما خلال الحرب على تنظيم “داعش”. إلا أن التحولات السابقة في السياسة الأمريكية دفعت بعض المسؤولين الأكراد إلى التخوف من أن تعطي واشنطن الأولوية لمصالحها الاستراتيجية الأوسع على حساب شراكتها مع الأكراد.

وتزداد تعقيدات المشهد في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تواجه بعض الجماعات الكردية ضغوطًا للاضطلاع بدور أكبر في مواجهة طهران، في وقت تحذر فيه إيران باستمرار من استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ أنشطة تعتبرها تهديدًا لأمنها القومي.

وهنا تجد حكومة إقليم كردستان نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع واشنطن، من دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة أو أوسع مع إيران. وفي الوقت ذاته، يتزامن خفض الوجود العسكري الأمريكي مع توترات متصاعدة بين العراق والمملكة العربية السعودية.

فقد اتهمت السلطات السعودية جماعات مسلحة تنشط انطلاقًا من الأراضي العراقية بالوقوف وراء هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت بنى تحتية حيوية وأهدافًا داخل المملكة، فيما رفضت بغداد هذه الاتهامات، مطالبةً بتقديم أدلة تثبت صحتها.

وقال صباح النعمان، المتحدث باسم رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، إن الحكومة العراقية لم تتلقَّ أي أدلة تثبت استخدام الأراضي العراقية في شن تلك الهجمات. وأكد أن الاتهامات يجب أن تستند إلى أدلة واضحة، وأن يجري التعامل معها من خلال القنوات الدبلوماسية والتحقيقات الرسمية.

ويهدد هذا الخلاف بإلقاء ظلال جديدة على العلاقات العراقية-السعودية، التي شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، في وقت أفادت فيه تقارير بتأجيل زيارة كان من المقرر أن يجريها رئيس الوزراء العراقي إلى السعودية على خلفية التطورات الإقليمية الأخيرة. وفي المقابل، أكدت مصادر سعودية أن الرياض لا تسعى إلى التصعيد مع العراق، وأن تحركاتها العسكرية تستهدف قدرات الجماعات المسلحة، وليس الدولة العراقية أو الشعب العراقي، مشددةً في الوقت نفسه على أنها سترد على أي هجمات تنطلق من الأراضي العراقية.

وبذلك يجد العراق نفسه في قلب بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية والعسكرية. فبالنسبة إلى واشنطن، يتمثل التحدي في تقليص انكشافها العسكري مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والدبلوماسية. أما بغداد، فتواجه مهمة منع استخدام الأراضي العراقية منصةً لشن هجمات ضد دول الجوار، والحفاظ في الوقت ذاته على سيادة البلاد ومنع انزلاقها إلى صراعات إقليمية أوسع. أما إقليم كردستان، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا يتمثل في مدى قدرته على الحفاظ على أمنه في ظل استمرار الهجمات وتراجع الوجود العسكري الأمريكي ومنظومات الدفاع الجوي التابعة له.

وتشير التطورات إلى أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة في تحديد طبيعة المرحلة المقبلة: هل يمثل الانسحاب الأمريكي انتقالًا منظمًا نحو شراكة أمنية أصغر وأكثر اعتمادًا على القدرات العراقية، أم أنه سيكون مقدمة لانسحاب أمريكي أوسع من العراق؟

ومع استمرار تصاعد الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يبقى السؤال الأخطر: هل يؤدي تقليص القدرات العسكرية الأمريكية إلى خلق فراغ أمني في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، أم أن القوات العراقية ستكون قادرة على سد هذه الفجوة والحفاظ على أمن البلاد وسيادتها؟

حوار مع الباحث السياسي العراقي محمد صلاح تركي

السؤال الأول: تتحدث تقارير إعلامية عن انسحاب عدد من القواعد العسكرية الأمريكية من العراق بشكل عام، ومن إقليم كردستان بشكل خاص. برأيك، إذا صحت هذه التقارير، كيف سيؤثر ذلك على العراق؟

يمثل الانسحاب النهائي لقوات التحالف الدولي من الأراضي العراقية محطة مهمة في مسيرة العراق نحو استعادة سيادته الكاملة على أراضيه، وإدارة ملفه الأمني اعتمادًا على قدراته الوطنية.

وقد توصلت الحكومة العراقية والولايات المتحدة إلى اتفاق يقضي بإنهاء وجود قوات التحالف الدولي في العراق وفق جدول زمني متفق عليه.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، دخلت المرحلة الأولى من الاتفاق حيز التنفيذ، مع انسحاب جزء من القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي. ومن المقرر أن تُستكمل المرحلة النهائية بحلول سبتمبر (أيلول) 2026، عندما يُتوقع انسحاب القوات المتبقية من مواقعها وقواعدها العسكرية في مختلف المحافظات العراقية، بما فيها إقليم كردستان.

إن الوضع الأمني في العراق اليوم يختلف بصورة جوهرية عن السنوات السابقة. فقد حققت القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية تقدمًا كبيرًا في مجالات التدريب والتسليح والخبرة العملياتية، وأصبحت تمتلك قدرات متقدمة تمكنها من حماية السيادة الوطنية وتأمين الحدود البرية والجوية والبحرية، والتعامل مع مختلف التهديدات والتحديات الأمنية بكفاءة واقتدار.

كما أن حالة الأمن والاستقرار التي يشهدها العراق تعكس مستوى الجاهزية المرتفع الذي تتمتع به المؤسسات العسكرية والأمنية، وقدرتها على أداء مسؤولياتها الدستورية في حفظ الأمن وحماية المواطنين.

وقد أسهم ذلك في تعزيز ثقة الحكومة بقدرة أجهزتها الأمنية على إدارة الملف الأمني بصورة مستقلة، من دون الحاجة إلى استمرار وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية.

إن مسؤولية حماية العراق وصون سيادته تقع على عاتق مؤسساته العسكرية والأمنية، التي أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على مواجهة مختلف التحديات، مستفيدة من الخبرات المتراكمة والتطوير المستمر لقدراتها القتالية والاستخبارية.

ومن هذا المنطلق، فإن استكمال انسحاب قوات التحالف الدولي يمثل خطوة طبيعية تتماشى مع تطور القدرات الأمنية العراقية، ويؤكد أن العراق بات يمتلك الوسائل اللازمة لحماية أراضيه وحدوده والحفاظ على أمنه واستقراره في إطار سيادة الدولة وسيادة القانون، ومن خلال مؤسساته الرسمية.

السؤال الثاني: تعرضت المملكة العربية السعودية لهجوم قبل عدة أيام، وسرعان ما وُجهت أصابع الاتهام إلى فصائل عراقية متحالفة مع إيران. برأيك، هل من الممكن أن تكون إسرائيل وراء الهجوم على المملكة بهدف تأجيج الصراع العربي-العربي بشكل عام، والتوترات الطائفية بين السنة والشيعة بشكل خاص؟

في ضوء الاتهامات التي وُجهت إلى بعض الفصائل العراقية بشأن الهجمات التي استهدفت المملكة العربية السعودية، دعت الحكومة العراقية إلى تقديم الأدلة التي تثبت مصدر تلك الهجمات، وشددت على ضرورة الاعتماد على القنوات الدبلوماسية والتحقيقات الرسمية قبل توجيه أي اتهامات.

ويرى أصحاب هذا الطرح أن التطورات التي أعقبت الهجمات، بما في ذلك استهداف مواقع تابعة لهيئة الحشد الشعبي وسقوط ضحايا، أسهمت في زيادة التوترات وألقت بظلالها على العلاقات العراقية-السعودية.

كما يرى هذا الاتجاه أن هذه التطورات قد تكون مرتبطة بمحاولات لتبرير استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، رغم الاتفاق المعلن لإنهاء هذا الوجود.

ويحذر أصحاب هذا الرأي من أن استمرار التصعيد قد ينعكس سلبًا على العلاقات بين بغداد والرياض، ويدعون الحكومة العراقية إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية وقانونية فاعلة لحماية سيادة العراق ومصالحه الوطنية، بما يتوافق مع الأطر والقوانين الدولية.

وفي الوقت نفسه، فإن فرضية تورط إسرائيل في مثل هذا الهجوم بهدف تعميق الانقسامات العربية أو تأجيج التوترات الطائفية بين السنة والشيعة تبقى، في هذه المرحلة، مجرد احتمال يحتاج إلى أدلة موثوقة وتحقيق رسمي قبل اعتباره حقيقة ثابتة.

وعليه، فإن أي تقييم للمسؤولية عن الهجوم يجب أن يستند إلى أدلة قابلة للتحقق، وليس إلى الافتراضات، خصوصًا أن مثل هذه الاتهامات قد تكون لها تداعيات خطيرة على أمن المنطقة واستقرارها، وعلى العلاقات بين دولها ومكوناتها.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع