
قام وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بزيارة رسمية إلى الهند في الفترة من 23 إلى 26 مايو (أيار) 2026، وجاءت الزيارة وسط إغلاق مضيق هرمز، الذي أدى إلى أزمة طاقة عالمية غير مسبوقة منذ عقود. وتأثرت واردات الطاقة الهندية بشكل مباشر، إذ بدأت أزمة مضيق هرمز في فبراير (شباط)/مارس (آذار) 2026 مع الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، فأعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاق المضيق الذي يمر عبره نحو (20%) من إمدادات النفط العالمية ونسبة مماثلة من الغاز الطبيعي المسال. وأدى ذلك إلى أكبر اضطراب في إمدادات الطاقة منذ أزمات سبعينيات القرن الماضي، مع ارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات تجاوزت (100–120) دولارًا للبرميل في بعض الفترات. وشملت التداعيات العالمية نقصًا في الوقود، وارتفاع تكاليف الشحن، وتأثيرات تضخمية على الاقتصادات الناشئة.
وبالنسبة للهند، التي تستورد أكثر من خمسة ملايين برميل يوميًا من النفط الخام، كان التأثير كارثيًا؛ إذ كان نحو (50%) من وارداتها النفطية يأتي من دول الخليج عبر المضيق، بالإضافة إلى اعتماد كبير على الغاز المسال والغاز البترولي المسال (LPG) من المنطقة. وأجبر الإغلاق نيودلهي على التحول السريع نحو مصادر بديلة مثل روسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا، مع زيادة الواردات عبر طرق بحرية أطول وأكثر تكلفة. لذا تُعد الزيارة محاولة أمريكية لإعادة بناء الثقة مع نيودلهي بعد فترة من التوترات التجارية الناتجة عن سياسات التعريفات التي فرضها الرئيس دونالد ترمب في ولايته الثانية، مع التركيز على تعزيز التعاون في مجال الطاقة والأمن الإقليمي والتحالف الرباعي (Quad).
أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع فاتورة واردات الطاقة الهندية بشكل حاد، مما زاد الضغط على ميزان المدفوعات والروبية الهندية. وقبل الأزمة، كانت الهند قد نجحت في تنويع مصادرها النفطية، لكن نحو (90%) من واردات الغاز البترولي المسال (LPG) و(60%) من الغاز الطبيعي لا تزال تعتمد على طرق تمر عبر هرمز. وأدى ذلك إلى نقص محتمل في الوقود المنزلي والأسمدة، مما دفع الحكومة إلى إطلاق حملات لترشيد استهلاك الطاقة وتشجيع العمل عن بُعد.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة روبيو كفرصة للولايات المتحدة لتقديم نفسها بوصفها بديلًا موثوقًا للطاقة، حيث أكد قبل الزيارة أن واشنطن ترغب في “بيع الهند أكبر قدر ممكن من الطاقة”. وشملت المناقشات التركيز على تصدير النفط والغاز الأمريكيين، وصفقات محتملة لمصافي التكرير بقيمة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، بالإضافة إلى تعزيز التعاون النووي في مجال توليد الطاقة.
بدأت الزيارة في كولكاتا يوم 23 مايو (أيار)، حيث زار روبيو دار الأم تيريزا الخيرية، ثم انتقل إلى أغرا لزيارة تاج محل، ومنها إلى جايبور، قبل الوصول إلى نيودلهي. وتزامنت جولة روبيو مع اجتماع وزراء خارجية التحالف الرباعي. والتقى روبيو برئيس الوزراء ناريندرا مودي ووزير الخارجية سوبراهمانيام جايشانكار، وناقشوا قضايا الطاقة والتجارة والدفاع والأمن البحري. وأكد روبيو أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران باحتجاز أسواق الطاقة العالمية رهينة، مشددًا على دور الطاقة الأمريكية في تنويع مصادر الهند. ومن جانبها، أعربت الهند عن التزامها بشراء (500) مليار دولار من السلع الأمريكية خلال السنوات الخمس المقبلة، مع التركيز على الطاقة والتكنولوجيا والزراعة. كما دعا روبيو مودي إلى زيارة البيت الأبيض.
وركزت المباحثات الثنائية على ثلاثة محاور رئيسية: الطاقة، والتجارة، والأمن الإقليمي. ففي مجال الطاقة، سعى روبيو إلى تعزيز الصادرات الأمريكية من النفط والغاز الطبيعي المسال لتعويض النقص الناتج عن إغلاق هرمز، مع الإشارة إلى إمكانية إبرام صفقات كبيرة تشمل مصافي التكرير والتعاون النووي. أما في التجارة، فقد حاول تهدئة التوترات الناتجة عن التعريفات الترامبية التي بلغت في البداية (50%) على بعض السلع الهندية بسبب مشتريات نيودلهي من النفط الروسي، ثم خُفضت جزئيًا إلى (18%) ضمن إطار اتفاق مؤقت. وأكد الجانبان أهمية استمرار المفاوضات للتوصل إلى اتفاق تجاري أوسع، رغم التزام واشنطن بسياسة “أمريكا أولًا”.
وأضعفت هذه التعريفات القدرة التنافسية للصادرات الهندية، خصوصًا في قطاعات الأدوية والمنسوجات والسيارات والإلكترونيات، داخل السوق الأمريكية، مما قلص الفائض التجاري الهندي وأثر سلبًا على ميزان المدفوعات. ودفع هذا الضغط الحكومة الهندية إلى التفاوض السريع، وأسفر ذلك في فبراير (شباط) 2026 عن اتفاق تجاري مؤقت خُفضت بموجبه التعريفات مقابل التزام نيودلهي بشراء سلع أمريكية، مع تركيز كبير على قطاع الطاقة، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي المسال (LNG) والغاز البترولي المسال (LPG). وهكذا أصبح قطاع الطاقة الرافعة الرئيسية لإزالة التوتر التجاري.
وأدى الاتفاق إلى ارتفاع حاد في واردات الهند من الطاقة الأمريكية. فقد قفزت حصة النفط الخام الأمريكي في واردات الهند من (3–4%) عام 2024 إلى (8–11%) بحلول منتصف 2025–2026، كما زادت واردات الغاز المسال بشكل ملحوظ، مع إبرام اتفاقات طويلة الأمد لتغطية نحو (10%) من احتياجات الغاز البترولي المسال خلال عام 2026. وجاء هذا التحول بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، الذي عطل واردات الهند عبر الخليج.
وأجبرت التعريفات الأمريكية والاضطرابات في الشرق الأوسط نيودلهي على الابتعاد تدريجيًا عن روسيا والشرق الأوسط، ولكن بتكلفة مرتفعة؛ فالنفط الأمريكي أغلى وأخف من الخام الروسي الثقيل أو الخليجي، مما يتطلب تعديلات في المصافي الهندية ويرفع فاتورة الواردات الطاقوية بنحو (6–7) مليارات دولار إضافية. لكن على المستوى الأمريكي، كانت التعريفات ناجحة في تعزيز صادرات الطاقة، إذ استفادت شركات النفط والغاز الأمريكية من الطلب الهندي الجديد، مما دعم الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل في قطاع الطاقة. وركزت زيارة وزير الخارجية روبيو على هذا البعد تحديدًا، إذ أصبحت معادلة “الطاقة مقابل التعريفات” نموذجًا أمريكيًا متكررًا، كما حدث مع أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.
أما التحالف الرباعي (Quad)، فكان محورًا أساسيًا في زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى نيودلهي بهدف تعزيز التعاون في مواجهة النفوذ الصيني في المحيطين الهندي والهادئ. وأطلق وزراء الدول الأعضاء (الولايات المتحدة والهند وأستراليا واليابان) “مبادرة الرباعي لأمن الطاقة في المحيطين الهندي والهادئ” (Quad Initiative on Indo-Pacific Energy Security)، التي تهدف إلى بناء احتياطيات وقود استراتيجية، وآليات استجابة طارئة مشتركة، وتنويع مصادر الطاقة بعيدًا عن الاعتماد على طرق الشحن الحساسة مثل مضيق هرمز.
وأكد البيان المشترك للاجتماع أهمية “حرية الملاحة غير المقيدة وتدفق التجارة العالمية دون انقطاع”، بما في ذلك مضيق هرمز والبحر الأحمر وبحر الصين الجنوبي، معارضًا أي إجراءات تقييدية تعيق حركة السفن التجارية. وجاء هذا التركيز ردًا غير مباشر على النفوذ الصيني المتزايد، الذي يُنظر إليه بوصفه تهديدًا للاستقرار البحري في المنطقة من خلال مطالباته الإقليمية في بحر الصين الجنوبي ومشروعاته المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”.
وبالنسبة للهند، التي تعاني من اضطرابات حادة في واردات الطاقة بسبب إغلاق مضيق هرمز، مثلت المبادرة فرصة لتعزيز التعاون مع شركائها في التحالف الرباعي في مجالات التكنولوجيا والطاقة النووية والمعادن النادرة، بما يساعدها على تقليل الاعتماد على الشرق الأوسط وروسيا.
ورغم التوترات التجارية الناتجة عن تعريفات ترمب، نجح التحالف الرباعي في الحفاظ على زخمه الاستراتيجي. وأدرك الجانبان الأمريكي والهندي أن الخلافات الاقتصادية لا ينبغي أن تعيق التعاون الأمني طويل الأمد. وأشار روبيو خلال الاجتماع إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لدعم الهند في مجال أمن الطاقة، بينما أكد وزير الخارجية الهندي سوبراهمانيام جايشانكار أهمية النظام القائم على القواعد في المحيطين الهندي والهادئ. وشملت المناقشات أيضًا تعزيز التعاون في المراقبة البحرية والاستجابة الإنسانية، بالإضافة إلى مبادرات جديدة في البنية التحتية للموانئ، وجميعها تهدف إلى مواجهة الهيمنة الصينية الاقتصادية والعسكرية.
وأعادت زيارة روبيو إلى الهند والاجتماع الرباعي التأكيد على أن التحالف ليس مجرد أداة لمواجهة الصين، بل إطار شامل للتعاون في مواجهة التحديات العابرة للحدود، مثل أزمات الطاقة والأمن البحري. وفي ظل استمرار التوترات التجارية ومحاولة أمريكية لإعادة ضبط العلاقات مع نيودلهي، وبالرغم من التقارب بين واشنطن وبكين بعد زيارة الرئيس الأمريكي إلى الصين، فإن سياسة الاحتواء الأمريكية للنفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ما زالت مستمرة عبر توسيع قواعد التحالف حول الصين.
واتبع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث زيارة روبيو إلى الهند بزيارة رسمية إلى سنغافورة في 30 مايو (أيار) 2026 للمشاركة في النسخة الثانية والعشرين من حوار شانغري-لا (Shangri-La Dialogue)، وهو المنتدى الدفاعي والأمني الآسيوي السنوي. وتُعد هذه الزيارة الرابعة لهيغسيث إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ منذ توليه منصبه في يناير (كانون الثاني) 2025. وركز خطابه الرئيسي على تعزيز التوازن الاستراتيجي في آسيا، مع رسالة واضحة للحلفاء الآسيويين تدعوهم إلى زيادة الإنفاق الدفاعي، مع توجيه الخطاب بصورة أساسية نحو الصين.
وأكد هيغسيث أن الولايات المتحدة “دولة مطلة على المحيط الهادئ”، وأنها “تصر على أن تحترم الصين موقعها التاريخي في المنطقة”. وشدد على أن الهدف الأمريكي هو تحقيق “توازن قوى دائم ومفضل” في المحيط الهادئ، بحيث “لا تستطيع أي دولة، بما فيها الصين، فرض هيمنتها أو تهديد أمن وازدهار الولايات المتحدة وحلفائها”. كما أعرب عن “قلق مشروع” إزاء “البناء العسكري التاريخي” للصين، لكنه خفف من لهجته السابقة التي وصفت الصين بأنها “التهديد الوشيك”، مشيرًا إلى أن العلاقات الأمريكية–الصينية أصبحت “أفضل مما كانت عليه منذ سنوات” بعد قمة ترمب وشي جين بينغ في بكين.
وكان أبرز ما في الخطاب الطابع “المعاملاتي–النفعي” الذي اعتمده هيغسيث، حيث قال إن “عصر الولايات المتحدة التي تدفع فاتورة دفاع الدول الغنية قد انتهى”، ودعا الدول الآسيوية إلى رفع إنفاقها الدفاعي إلى (3.5%) من الناتج المحلي الإجمالي على الأقل مقابل الحصول على أولوية في المساعدات والأسلحة الأمريكية، تحت شعار: “Do more to get more”. وأكد أن “الدول التي تساعد نفسها ستكون في مقدمة الصف” للحصول على الدعم الأمريكي، في رسالة واضحة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة بأن الولايات المتحدة لن تستمر في “الإعالة الدفاعية” كما في السابق.
وبذلك تبدو الزيارتان الأمريكيتان متكاملتين ضمن استراتيجية إدارة ترمب الثانية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما يعكس تنسيقًا دبلوماسيًا–عسكريًا واضحًا يجمع بين البعد الاقتصادي والطاقوي من جهة، والبعد الدفاعي والأمني من جهة أخرى.
فقد ركز روبيو في نيودلهي على تعزيز الشراكة الثنائية مع الهند في مجال الطاقة وسط أزمة إغلاق مضيق هرمز، وتهدئة التوترات التجارية الناتجة عن تعريفات ترمب، بالتوازي مع عقد اجتماع وزراء خارجية التحالف الرباعي (Quad). أما هيغسيث، فقد حمل الرسالة الدفاعية نفسها إلى منتدى شانغري-لا الإقليمي، مشددًا على توازن القوى في مواجهة النفوذ الصيني، وداعيًا الحلفاء إلى زيادة الإنفاق الدفاعي.
وقد اعتبر الوزيران الهند “مركز ارتكاز استراتيجي” في جنوب آسيا. وأكد روبيو خلال مباحثاته مع مودي وجايشانكار أهمية تعميق التعاون ضمن إطار التحالف الرباعي لمواجهة النفوذ الصيني، مع التركيز على أمن الطاقة وسلاسل التوريد. وفي خطابه في شانغري-لا، أشار هيغسيث صراحة إلى الهند بوصفها قوة رئيسية تسهم في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، مشددًا على أن “الهند القوية التي تعمل لمصلحتها الذاتية تخدم أهدافنا المشتركة”.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير