إستراتيجيات عسكرية

من ذاكرة الحرب السوفيتية إلى هندسة نفوذ جديد في قلب آسيا

الاتفاق العسكري التقني بين روسيا وطالبان


  • 9 يونيو 2026

شارك الموضوع

حين وقعت موسكو وكابل في السابع والعشرين من مايو (أيار) 2026 اتفاقًا حول التعاون العسكري التقني، على هامش المنتدى الدولي للأمن في ضواحي موسكو، لم يكن الحدث مجرد بند بروتوكولي في جدول لقاءات أمنية مزدحم. بل كان علامة على انقلاب عميق في منطق السياسة الدولية. فالدولة التي خاضت في أفغانستان واحدة من أكثر حروبها إيلامًا، والتي خرجت من ذلك البلد منهكة قبل أربعة عقود، تعود إليه اليوم لا بدباباتها بل بتوقيعها، ومن بوابة الاعتراف والتنسيق الأمني لا من بوابة الاحتلال. ومن يقرأ المشهد بعين عاطفية قد يراه مصالحة متأخرة مع التاريخ، لكن القراءة الأدق تقول إن ما يجري ليس صلحًا مع الذاكرة، بل براغماتية استراتيجية فرضتها الجغرافيا، والفراغ الأمريكي، وصعود التهديدات العابرة للحدود.

من ذاكرة الحرب إلى سياسة الواقع

تحمل العلاقة الروسية الأفغانية ذاكرة ثقيلة. فالتدخل السوفيتي في ثمانينيات القرن الماضي ترك ندوبًا عميقة في الوعي الاستراتيجي الروسي، وظل لعقود مرادفًا للتورط المكلف في مستنقع بعيد. لكن السياسة الروسية الراهنة لا تتحرك بمنطق الذاكرة وحده. فموسكو تتعامل مع طالبان باعتبارها السلطة الفعلية التي تسيطر على كابل ومعظم الجغرافيا الأفغانية، وتدرك أن تجاهل هذه السلطة لا يغير شيئًا من الواقع على الأرض. ومن زاوية الكرملين، فإن التعامل مع من يحكم أفغانستان فعليًا أفضل من ترك الساحة للفراغ أو للفوضى أو لتنظيمات أشد تطرفًا. هكذا انتقلت روسيا من منطق العداء التاريخي إلى منطق إدارة الواقع، ومن النظر إلى طالبان كخصم أيديولوجي إلى التعامل معها كسلطة أمر واقع في موقع جيوسياسي لا يمكن تجاهله.

كيف وصلنا إلى مايو (أيار) 2026؟

لم يهبط الاتفاق فجأة، بل جاء تتويجًا لمسار تدريجي من التطبيع السياسي والأمني امتد على أكثر من عام. ففي أبريل (نيسان) 2025 علقت المحكمة العليا الروسية الحظر المفروض على نشاط حركة طالبان داخل روسيا، بعدما كانت مصنفة لسنوات طويلة كمنظمة محظورة. وفي يوليو (تموز) 2025 خطت موسكو الخطوة الأكثر جرأة حين أصبحت أول دولة تعترف رسميًا بحكومة طالبان منذ عودتها إلى السلطة عام 2021، فاستقبلت سفيرها وفتحت معه قنوات دبلوماسية كاملة.

ثم توسعت الاتصالات الأمنية تباعًا، حتى وصل المسار إلى توقيع اتفاق التعاون العسكري التقني في مايو (أيار) 2026 على يد أمين مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو ووزير دفاع طالبان الملا محمد يعقوب، نجل مؤسس الحركة الملا محمد عمر.

ولم يكن لافتًا أن يسبق التوقيع بأيام قليلة اجتماع أمناء مجالس أمن دول منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، حيث تحدث شويغو صراحة عن تعاون براغماتي تبنيه روسيا مع طالبان في الميادين السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

لماذا تحتاج موسكو إلى كابل؟

تتركب الحسابات الروسية من طبقات عدة يصعب فصلها. أولها حماية الجبهة الجنوبية لروسيا عبر بوابة آسيا الوسطى، فأي اضطراب أفغاني قد يرتد بسرعة على حدود حلفاء موسكو. وثانيها منع تمدد داعش خراسان والتنظيمات الجهادية العابرة للحدود، التي ترى فيها روسيا تهديدًا مباشرًا لأمنها الداخلي وأمن جوارها. وثالثها الحيلولة دون استخدام أفغانستان كمنصة ضغط ضد روسيا وحلفائها، خصوصًا في ملفات المخدرات والهجرة والأمن الحدودي.

أما رابعها فهو توسيع النفوذ الروسي في أوراسيا بعد تراجع الحضور الغربي، وتثبيت موسكو كقوة أمنية مرجعية في آسيا الوسطى. أما الطبقة الأخيرة فهي رمزية بقدر ما هي عملية: إرسال رسالة إلى العالم بأن روسيا قادرة على التعامل مع قوى الأمر الواقع وصياغة علاقات معها، حتى حين يرفضها الغرب ويعزلها.

بهذا المعنى، فإن طالبان بالنسبة لموسكو ليست شريكًا مثاليًا، بل إدارة لمخاطر تقع في فناء استراتيجي حساس.

لماذا تحتاج كابل إلى موسكو؟

في الجهة المقابلة، تقرأ طالبان العلاقة بمنطق الخروج من العزلة. فالحركة تبحث عن شرعية دولية بعد سنوات من القطيعة، وترى في الاعتراف الروسي ثغرة في الجدار الذي أقامه الغرب حول مسألة الاعتراف، وكسرًا لاحتكاره تحديد من يملك الشرعية ومن لا يملكها.

كما تسعى كابل إلى قناة تعاون أمني وتقني مع قوة كبرى تمتلك خبرة طويلة بالمعدات السوفيتية والروسية التي ما زالت موجودة في الترسانة الأفغانية. وفي بعد أوسع، تحاول طالبان تحقيق توازن دقيق بين الصين وروسيا وإيران وباكستان، بحيث لا تقع رهينة لطرف واحد.

والأهم من ذلك أن توقيع اتفاق رسمي مع قوة دولية كبرى يقدم الحركة في صورة جديدة؛ لا حركة معزولة خارج النظام الدولي، بل طرفًا قادرًا على إبرام التزامات رسمية والتفاوض كدولة.

ما الذي يعنيه الاتفاق فعلًا؟

تكمن أهمية الاتفاق في أنه ينقل العلاقة من مستوى اللقاءات السياسية إلى مستوى التعاون المؤسسي في قطاع بالغ الحساسية. لكن قراءته تتطلب انضباطًا تحليليًا، لأن النص الكامل للاتفاق لم يُعلن رسميًا، وهو ما أكدته وكالة إنترفاكس وغيرها.

وقد امتنع الطرفان عن نشر تفاصيله أو نطاقه، ما يجعل من المبكر الحكم على ما إذا كان تحولًا جوهريًا أم إشارة سياسية.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع