
لطالما اعتقد الفيدراليون الأوروبيون أن دمج السيادات الوطنية في بوتقة بروكسل، وتغليب أدوات القوة الناعمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل، كفيلان بحماية القارة وتحويلها إلى قطب عالمي مستدام. إلا أن المعطيات الراهنة، وعلى رأسها التداعيات المستمرة لأزمة غرينلاند وملف الحرب الأوكرانية، أثبتت أن القارة لا تزال تعيش تحت وطأة معضلة بنيوية قديمة تتمثل في العجز عن صياغة “استقلال استراتيجي” حقيقي بمعزل عن المظلة الأمنية الأمريكية.
ويعود هذا الارتباط العضوي إلى الهندسة السياسية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية. فالمشروع الأوروبي لم يبدأ بجهود ذاتية خالصة، بل تحركت عجلاته الأولى مدفوعة بخطة مارشال الأمريكية عام 1947، والتي لم تكن مجرد برنامج للإنعاش الاقتصادي، بل أداة جيواستراتيجية أمريكية هدفت إلى بناء تكتل غربي موحد اقتصادياً وعسكرياً في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
وقد تنازلت الدول الأوروبية تدريجياً عن جزء من سيادتها لمؤسسات بروكسل في مجالات التجارة والعملة والقضاء، لكنها أبقت أمنها القومي مرتبطاً بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وبالتالي بالقرار الاستراتيجي الصادر من واشنطن.
واليوم يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام مرآة الحقيقة الجيوسياسية، كاشفة حدود النموذج فوق القومي عندما يصطدم بالواقع الصلب للعلاقات الدولية. ومع تصاعد الخلافات داخل قمم بروكسل حول تقاسم أعباء الدفاع المشترك، يجد الاتحاد نفسه في مأزق مفاهيمي وسياسي يعيد طرح الأسئلة الوجودية ذاتها: من يملك القرار الأخير في القارة الأوروبية؟ هل هي المؤسسات فوق القومية في بروكسل؟ أم العواصم الوطنية التي تحكمها مصالحها القومية؟ أم البيت الأبيض؟
ويؤكد عجز أوروبا عن حسم ملفات الأمن الحيوي بقدراتها الذاتية أن تجاوز النظام الوستفالي واختزال السيادات الوطنية لصالح نموذج فوق قومي كان، إلى حد بعيد، رفاهية سياسية وفرتها المظلة الأمنية الأمريكية. ومع تراجع هذه الطمأنينة تدريجياً، يعود الواقع الأوروبي إلى منطق وستفاليا، حيث تستعيد الدولة القومية موقعها المركزي في المشهد السياسي والاستراتيجي.
احتدمت النقاشات داخل المؤسسات الأوروبية وبين العواصم الكبرى بصورة تعكس ما يمكن وصفه بـ”صدمة النموذج فوق القومي”. فقد وضعت التطورات الأخيرة حداً لكثير من التصورات الفيدرالية التي افترضت أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل والقوة الناعمة كفيلان وحدهما بحماية القارة الأوروبية.
فبينما يواجه القادة الأوروبيون التداعيات السياسية لأزمة غرينلاند، ويحاولون احتواء الاستنزاف المستمر الناتج عن الحرب الأوكرانية، تتكشف حدود القوة الحقيقية لمؤسسات الاتحاد الأوروبي، وتبرز بوضوح فجوة العجز البنيوي في بناء استقلال استراتيجي فعلي.
ويبدو أن الاتحاد الأوروبي، الذي نجح تاريخياً في بناء سوق موحدة وعملة مشتركة عبر تقليص جزء من السيادات الوطنية، يواجه اليوم صعوبة كبيرة في التحول إلى قوة دفاعية موحدة. فالعواصم الأوروبية ما تزال مضطرة للاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية في القضايا الأمنية الكبرى.
وتعيد هذه التطورات تأكيد مفارقة تاريخية مهمة، مفادها أن تفكيك جزء من السيادة الوستفالية لصالح مؤسسات فوق قومية كان ممكناً في ظل الرعاية الأمنية الأمريكية الممتدة منذ حقبة خطة مارشال. أما عند اختبار القوة الصلبة والقدرات العسكرية، فإن الدولة الوطنية تعود لتتصدر المشهد بوصفها الفاعل الرئيسي في حماية الأمن القومي.
عقب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، كانت أوروبا الغربية تعيش حالة غير مسبوقة من الانهيار الاقتصادي. فقد دمرت الحرب المصانع والبنية التحتية وشبكات النقل، وارتفعت معدلات البطالة والتضخم إلى مستويات هددت الاستقرار السياسي والاجتماعي للقارة بأكملها.
وفي هذا السياق أعلنت الولايات المتحدة عام 1947 خطة مارشال، التي خصصت ما يقارب 13 مليار دولار لإعادة إعمار أوروبا الغربية، وكانت بريطانيا وألمانيا وإيطاليا من أبرز المستفيدين منها.
ولم تكن الخطة مجرد برنامج مساعدات اقتصادية، بل شكلت أداة جيواستراتيجية هدفت إلى احتواء النفوذ السوفيتي ومنع انتشار الشيوعية في أوروبا الغربية، بعد أن ترسخت في أوروبا الشرقية.
كما شجعت واشنطن الدول الأوروبية على تعزيز التعاون الاقتصادي فيما بينها بوصفه وسيلة لتحقيق الاستقرار السياسي. ومن هذا المنطلق نشأت الجماعة الأوروبية للفحم والصلب عام 1951، ثم السوق الأوروبية المشتركة عام 1957، وصولاً إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي بصيغته الحديثة عام 1992 باعتباره جزءاً أساسياً من المنظومة الغربية.
كشفت الأزمات المتعاقبة أن الوحدة الأوروبية لم تنجح في بناء إرادة سياسية موحدة بالقدر الذي نجحت فيه في بناء المؤسسات الاقتصادية.
فمع اندلاع الحروب الأهلية في يوغوسلافيا خلال تسعينيات القرن الماضي، عجز الأوروبيون عن بلورة موقف موحد أو إنهاء الصراع داخل المجال الأوروبي نفسه. وقد أظهرت مجازر البوسنة وحصار سراييفو ثم حرب كوسوفو أن الاتحاد الأوروبي لم يمتلك الأدوات العسكرية والسياسية الكافية لإدارة الأزمات الأمنية الكبرى، ما اضطره إلى الاعتماد على الولايات المتحدة وحلف الناتو.
وتكرر المشهد بصورة مختلفة خلال جائحة كورونا عام 2020، عندما تصرفت الدول الأوروبية بصورة منفردة في المراحل الأولى للأزمة، فأغلقت الحدود الوطنية وفرضت إجراءات خاصة بها بعيداً عن تنسيق أوروبي فعال.
وأظهرت هذه التجارب أن الدولة الوطنية ما تزال الفاعل الأساسي عندما تواجه المجتمعات تهديدات وجودية، رغم وجود مؤسسات فوق وطنية قوية.
شكلت أزمة الديون السيادية التي تفجرت عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008 اختباراً بالغ الصعوبة لوحدة منطقة اليورو.
فقد وجدت دول جنوب أوروبا، وعلى رأسها اليونان وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال، نفسها أمام مستويات مرتفعة من المديونية والعجز المالي، في حين طالبت دول الشمال، ولا سيما ألمانيا وهولندا، بسياسات تقشف صارمة مقابل برامج الإنقاذ المالي.
وكشفت الأزمة عن فجوة هيكلية عميقة بين شمال أكثر تصنيعاً وإنتاجية وانضباطاً مالياً، وجنوب يعاني اختلالات اقتصادية مزمنة.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه الفجوة تعكس جذوراً تاريخية وثقافية تمتد إلى التمايز التقليدي بين أوروبا البروتستانتية في الشمال وأوروبا الكاثوليكية في الجنوب.
شهدت أوروبا خلال العقد الأخير صعوداً متسارعاً للأحزاب الشعبوية والقومية الرافضة للهجرة والعولمة والتكامل الأوروبي.
وقد استفادت هذه الحركات من تداعيات الأزمات الاقتصادية وأزمة اللاجئين وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الأوروبية.
وجاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليشكل أقوى ضربة سياسية للمشروع الأوروبي منذ تأسيسه، إذ أثبت أن الانتماء إلى الاتحاد ليس خياراً نهائياً، وأن الدولة القومية ما تزال تمتلك القدرة على استعادة جزء من الصلاحيات التي نقلتها إلى المؤسسات الأوروبية.
تمثل أزمة غرينلاند نموذجاً واضحاً للتحديات الجيوسياسية الجديدة التي تواجه أوروبا.
فالجزيرة التابعة للدنمارك اكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية ومكانتها في التنافس الدولي على منطقة القطب الشمالي.
وقد أعادت هذه الأزمة طرح أسئلة جوهرية حول قدرة أوروبا على حماية مصالحها الاستراتيجية بعيداً عن المظلة الأمريكية، كما كشفت استمرار الاعتماد الأوروبي على الولايات المتحدة في الملفات الأمنية والعسكرية رغم الخطاب المتكرر حول بناء استقلال استراتيجي أوروبي.
منذ صلح وستفاليا عام 1648 تأسس النظام الدولي على مبدأ سيادة الدولة القومية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وقد مثل الاتحاد الأوروبي منذ نشأته تجربة غير مسبوقة لتجاوز جزء من السيادة الوطنية لصالح مؤسسات فوق قومية، الأمر الذي دفع بعض الباحثين إلى اعتباره نموذجاً لما بعد النظام الوستفالي.
غير أن الأزمات المتعاقبة التي شهدتها أوروبا خلال العقود الأخيرة أظهرت أن الدولة القومية لم تختف كما توقع البعض. فخلال الأزمات الاقتصادية والصحية والأمنية عادت الحكومات الوطنية إلى تصدر المشهد، بينما برزت المصالح الوطنية أحياناً على حساب المصالح الأوروبية المشتركة.
ومن ثم فإن ما تشهده أوروبا اليوم لا يمثل أزمة للاتحاد الأوروبي فحسب، بل يعكس أزمة أوسع للنظام الدولي المعاصر، الذي يقف بين منطق السيادة الوطنية الموروث من وستفاليا ومنطق الترابط والعولمة الذي يفرض أشكالاً جديدة من التعاون والحكم الدولي.
بناءً على ما سبق، يبدو أن الاتحاد الأوروبي يدخل مرحلة دقيقة تكشف عن تصدعات بنيوية في جوهر النموذج فوق القومي. وقد يدفع ذلك تدريجياً نحو تكريس مفهوم “أوروبا متعددة السرعات”، أو نحو أشكال جديدة من إعادة الاعتبار للدولة القومية داخل المشروع الأوروبي.
وفي كلتا الحالتين، ستظل تجربة الاتحاد الأوروبي واحدة من أهم التجارب السياسية في التاريخ الحديث، بما تحمله من دروس حول حدود الاندماج العابر للقوميات، وحول قدرة الدولة القومية على البقاء والتكيف رغم التحولات الكبرى.
كما تؤكد هذه التجربة أن إرث صلح وستفاليا لعام 1648 لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على بنية النظام الدولي، وعلى مستقبل القارة الأوروبية نفسها.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير