تقدير موقف

اعتماد الاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا.. هل تضيع سنوات التقارب بين القاهرة وأنقرة؟


  • 31 أكتوبر 2026

شارك الموضوع

شهدت العلاقات المصرية التركية تطورا سريعا وملحوظا منذ أن أعادت الدولتان النظر في سياساتهما تجاه بعضهما بعضا، وفضلتا لغة المصالحة والمصالح المشتركة على لغة الصدام والتصعيد. وقد اتخذت العلاقات مسارا متسارعا نحو التطبيع والتقارب خلال السنوات الماضية، لا سيما في ظل غياب أزمات كبرى من شأنها تعكير أجواء التفاهم والتوافق بين البلدين.

وحتى الملفات العالقة بين الدولتين، شهدت تقاربا في الرؤى وطرق التعاطي معها، وصل في كثير من الأحيان إلى حد التطابق. ويأتي الملف الليبي، بتفاصيله المعقدة والمتشابكة، في مقدمة هذه الملفات، إذ بذلت دبلوماسية البلدين جهودا كبيرة لتعزيز التنسيق بدلا من التصادم. بل أسهمت كل دولة في جهود التهدئة وإقناع أطراف الصراع الليبي بضرورة تغليب لغة العقل والتفاوض على لغة السلاح والمواجهة، ومارست ضغوطا على حلفائها في الداخل الليبي، مصر في الشرق وتركيا في الغرب، من أجل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة تدفع نحو توحيد البلاد وإجراء الانتخابات.

إلا أن اعتماد مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها ليبيا مع تركيا عام 2019 أحدث إرباكا في العلاقات الثنائية بين مصر وتركيا، وكذلك بين مصر وليبيا، ولا سيما مع الشرق الليبي، الذي تمثل قوات المشير خليفة حفتر أبرز قواه العسكرية، والذي ظل لسنوات حليفا استراتيجيا للدولة المصرية.

ورغم أن الرفض المصري لاعتماد الاتفاقية، واعتبارها باطلة قانونيا، والتأكيد أن قرار البرلمان الليبي لا يترتب عليه أي أثر قانوني، لم يكن الموقف الوحيد الرافض لهذه الخطوة، إذ عارضتها أيضا اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي، فإن الموقف المصري كان الأكثر إثارة للقلق لدى أطراف الاتفاقية، خاصة مع تأكيد وزير الخارجية المصري، خلال زيارته لتركيا، رفض القاهرة الشديد للاتفاقية، واعتبارها مخالفة للقانون الدولي للبحار.

ومع هذا الرفض والتصعيد المصري تجاه الاتفاقية وأطرافها، سواء عبر القنوات الرسمية أو وسائل الإعلام المقربة من الدولة، برزت تساؤلات عدة حول تداعيات هذه الأزمة على العلاقات المصرية التركية، ومدى تأثيرها في مسار التقارب الذي تحقق خلال السنوات الماضية، خاصة بعد اعتماد الاتفاقية من جانب البرلمان الليبي.

وقبل الإجابة عن مدى تأثير هذه الخطوة في العلاقات بين مصر وتركيا، لا بد من التأكيد أن الدولتين اتخذتا مواقف دبلوماسية تعكس حرصهما على عدم السماح للأزمة بالتأثير في طبيعة العلاقات الثنائية وعمقها. لكن في المقابل، تبرز ضرورة البحث عن حلول عملية قبل أن تتجه القاهرة إلى المحافل الدولية وتتخذ إجراءات قانونية رسمية ضد تركيا وليبيا.

تفهم تركي واتجاه نحو التفاوض

سارع الجانب التركي إلى اتخاذ خطوات لاحتواء الأزمة مع مصر، مع إعطاء الأولوية لمعالجة التحفظات المصرية مقارنة بمواقف الدول الأخرى، وفي مقدمتها اليونان وقبرص. وقد تجلى ذلك في سلسلة من التصريحات والمواقف والوعود التركية.

فقد أكد وزير الخارجية التركي أن بلاده تتفهم جيدا الشواغل المصرية تجاه الاتفاقية، مشددا على ضرورة مناقشة الأمر من خلال التنسيق المشترك بين الدولتين. كما أعلن عن اجتماع ثلاثي يضم تركيا ومصر وإيطاليا، بهدف بحث التحفظات المصرية على الاتفاقية والبحث عن حلول لها.

ولم تقتصر محاولات احتواء الأزمة على تصريحات وزير الخارجية التركي، بل امتدت إلى إبداء استعداد أنقرة لتوقيع اتفاقية بحرية مع مصر في شرق البحر المتوسط. فقد أكد وزير الدفاع التركي، يشار غولر، استعداد بلاده لتوقيع اتفاقية مع القاهرة بشأن ترسيم الحدود البحرية في المنطقة، مشيرا إلى أن مثل هذه الاتفاقية، وفقا لوجهة النظر التركية، قد تمنح مصر نحو 15 ألف كيلومتر مربع إضافية من مناطق الولاية البحرية، مقارنة باتفاقية محتملة مع اليونان.

وتعكس هذه التصريحات رغبة تركية في إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة مع القاهرة، ومحاولة احتواء الخلاف من خلال تقديم مقترحات يمكن أن تشكل أساسا لتفاهمات جديدة بشأن الحدود البحرية والمصالح الاقتصادية في شرق المتوسط.

استجابة مصرية.. ولكن!

من جانبها، تلقت الدولة المصرية الرسائل التركية بترحيب، وأكدت استمرار اتصالاتها المباشرة مع الجانبين التركي والليبي خلال الأيام الماضية. كما زار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، تركيا، والتقى نظيره التركي والرئيس رجب طيب أردوغان، وأبلغهما رسميا رفض مصر للاتفاقية.

ورغم ترحيب القاهرة بالخطوات التركية الرامية إلى احتواء الأزمة، فإنها كانت واضحة بشأن الإجراءات التي تعتزم اتخاذها تجاه الاتفاقية. فقد أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير نادر زكي، أن القاهرة تعد حاليا ملفا قانونيا متكاملا بشأن مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وليبيا، بالتعاون مع خبراء القانون الدولي، مشيرا إلى أن الخيارات المصرية لا تقتصر على قبول الوضع القائم أو التصعيد المباشر.

وأكدت الخارجية المصرية أن القانون الدولي يكفل للدول المتضررة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك المطالبة بوقف أعمال الحفر والاستكشاف في المناطق المتنازع عليها، والسعي للحصول على تدابير قضائية عاجلة لوقف هذه الأنشطة إلى حين تسوية النزاع.

وتشير هذه التصريحات إلى أن القاهرة لا تزال تمتلك أدوات قانونية ودبلوماسية يمكن توظيفها للطعن في الاتفاقية التركية الليبية، أو محاولة عرقلة تنفيذها عمليا، من خلال التأكيد على وجود نزاع قانوني بشأن المناطق البحرية المعنية. وقد يفتح ذلك الباب أمام إجراءات قضائية أو دبلوماسية تتعلق بأنشطة التنقيب والاستكشاف، وإن كان نجاح هذه الإجراءات يتوقف على الأسس القانونية والاختصاص القضائي للجهات المعنية.

ويعني ذلك أن لغة التهدئة والتفاهم التي تبنتها أنقرة لم تكن كافية، حتى الآن، لاحتواء الخلاف بصورة كاملة، وأن القاهرة تسعى إلى الحصول على ضمانات أو تفاهمات عملية تراعي مصالحها البحرية والاقتصادية.

ومن ثم، فمن المتوقع أن تسعى القاهرة إلى ممارسة ضغوط دبلوماسية على أنقرة من أجل التوصل إلى صيغة توافقية، سواء من خلال توسيع إطار التفاهمات البحرية لتشمل مصر، أو التفاوض على اتفاق لترسيم الحدود البحرية يمنح القاهرة مكاسب إضافية في شرق المتوسط، أو تعديل بعض بنود الاتفاقية التركية الليبية ونطاقاتها البحرية، بما يضمن عدم تعارضها مع المصالح والحقوق البحرية المصرية، خاصة بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان عام 2020.

هل تتأثر العلاقات المصرية التركية؟

لا شك أن اعتماد الاتفاقية البحرية التركية الليبية برلمانيا تسبب في تعكير أجواء العلاقات بين القاهرة وأنقرة، وأعاد إلى الأذهان مرحلة التنافس والتوتر بين الدولتين، التي تصاعدت عقب وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، حين تأثرت العلاقات الثنائية بالخلافات السياسية وتضارب المواقف وصراع النفوذ الإقليمي.

ومع ذلك، ليس من المنطقي أن تضحي قوتان إقليميتان بحجم مصر وتركيا بما حققتاه خلال السنوات الماضية من تقارب سياسي ومصالح اقتصادية وتبادل تجاري وتعاون أمني وعسكري، امتد إلى مجالات الصناعات الدفاعية، بسبب خلاف يمكن البحث عن حلول تفاوضية وقانونية له.

فالعلاقات بين البلدين لم تعد محكومة بملف واحد، مهما بلغت أهميته، بل أصبحت ترتبط بشبكة واسعة من المصالح المشتركة والتفاهمات الإقليمية، وهو ما يجعل إدارة الخلافات أكثر تعقيدا، لكنه يوفر في الوقت نفسه دوافع قوية للحفاظ على مسار التقارب.

وعليه، تظل سيناريوهات عدة مطروحة، من بينها التصعيد القانوني المصري في المحافل الدولية، أو البحث عن شراكات جديدة في شرق المتوسط، حتى مع أطراف تتنافس مع تركيا، فضلا عن توظيف الأوراق السياسية والأمنية المرتبطة بالملف الليبي للضغط من أجل الوصول إلى تسوية تراعي المصالح المصرية.

لكن سيناريو الصدام المباشر أو العودة إلى القطيعة الشاملة بين القاهرة وأنقرة يبدو مستبعدا في ظل المعطيات الراهنة، خاصة مع حالة الاضطراب السياسي والأمني التي تشهدها المنطقة، وتزايد حاجة كل دولة إلى الأخرى في التعامل مع التحديات الإقليمية.

وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي للعلاقات المصرية التركية لا يكمن في وجود الخلاف حول الاتفاقية البحرية، بل في قدرة البلدين على إدارته دون السماح له بتقويض سنوات التقارب. فالمصالح المشتركة التي دفعت القاهرة وأنقرة إلى تجاوز خلافاتهما السابقة قد تكون اليوم العامل الأهم في منع تحول الأزمة البحرية إلى أزمة سياسية شاملة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع