
أخذ الصراع الذي انفجر في الشرق الأوسط خلال عام 2026 يتحول تدريجيا إلى حرب واسعة على البنية التحتية الحيوية والاقتصاد ومسارات الطاقة والملاحة الإقليمية والعالمية، بما يجعل استهداف منشأة نفطية أو ميناء غاز أو خط أنابيب حدثا يتجاوز أثره المباشر. وفي هذا السياق، تبدو سلسلة الهجمات التي طالت منشآت في السعودية ومصر وغيرها جديرة بالقراءة ضمن إطار أوسع من مجرد تبادل الضربات بين إيران وحلفائها من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة وحلفائهما من جهة أخرى.
وتكتسب حقيقة تورط الكيان الصهيوني في هذه العمليات أهمية خاصة إذا جرى النظر إليها من زاوية مفهوم «العملية تحت راية كاذبة»، أي تنفيذ هجوم بطريقة تسمح بتوجيه الاتهام إلى طرف آخر، بما يخلق مبررا سياسيا وأمنيا لتوسيع الحرب. وقد ظهرت بالفعل اتهامات إيرانية صريحة بأن بعض الهجمات على منشآت خليجية ومصرية قد تكون عمليات إسرائيلية تهدف إلى إلصاق المسؤولية بإيران. ففي هجوم أرامكو في مارس (آذار) 2026، اتهم مصدر عسكري إيراني الكيان الصهيوني بتنفيذ عملية تحت راية كاذبة، بينما كانت الرواية السعودية تنسب الهجوم إلى إيران. وبدت هذه الاستراتيجية، وفق هذا التصور، مخططا إسرائيليا لتوسيع دائرة العداء لإيران وحلفائها. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم ما يحدث باعتباره محاولة لإنتاج بيئة إقليمية مضطربة يصبح فيها كل طرف عربي مضطرا إلى النظر إلى جاره الإيراني باعتباره مصدرا دائما للتهديد.
منذ الثورة الإسلامية الإيرانية، خاض الكيان الصهيوني صراعا طويل الأمد مع إيران. فبالإضافة إلى محاولة إضعاف قدراتها العسكرية، يطمح أيضا إلى تقليص شبكة نفوذ طهران في المنطقة. وبحسب هذا التصور، كلما أمكن تصوير إيران باعتبارها قوة تهدد منشآت الطاقة والموانئ العربية، زادت احتمالات تحول الخلاف العربي-الإيراني إلى مواجهة أمنية مفتوحة.
وجاءت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران في 2026 لتفتح مرحلة مختلفة جذريا في توازنات الشرق الأوسط. فبدلا من بقاء الصراع محصورا في جبهات أطراف النزاع، اتسعت تداعياته لتشمل دول الخليج والبحر الأحمر والعراق واليمن ولبنان وممرات الطاقة الدولية. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب باتت تؤثر بصورة مباشرة في مضيق هرمز وباب المندب ومسارات تصدير النفط السعودية، بما يحول الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة إلى امتداد مباشر لساحة الحرب.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح المنشآت الحيوية أهدافا ذات قيمة استراتيجية للكيان الصهيوني، ومن هنا يتجلى مفهوم «الفوضى الخلاقة» باعتباره إنتاج حالة من عدم الاستقرار، ومحاولة دفع الدول العربية في نهاية المطاف إلى الاصطفاف في مواجهة إيران.
كان استهداف منشآت شركة أرامكو السعودية في مارس (آذار) 2026 من أبرز الأحداث التي كشفت حساسية البنية التحتية النفطية الخليجية في ظل الحرب. فقد تعرضت مصفاة رأس تنورة لهجوم بطائرات مسيرة، وأعلنت السلطات السعودية اعتراض الطائرات، مع تسبب الحطام في اندلاع حريق وأضرار محدودة، بينما أدت المخاوف الأمنية إلى توقف مؤقت في العمليات.
لكن أهمية حادثة أرامكو لا تتوقف عند الأضرار المادية. ففي الوقت الذي ارتبطت فيه الرواية السعودية باتهام إيران، ظهرت في المقابل رواية إيرانية تقول إن الكيان الصهيوني يقف وراء الهجوم بهدف دفع الرياض إلى الاعتقاد بأن طهران تستهدف منشآتها النفطية.
تتضح خطورة هذا المسار بصورة أكبر مع الهجوم الذي أدى في سبتمبر (أيلول) 2026 إلى إغلاق خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب. وقد أعلنت السعودية وقف الخط الحيوي مؤقتا بعد هجوم بطائرات مسيرة نُسب إلى جهات مرتبطة بإيران انطلقت من الأراضي العراقية، في حين نفت إيران هذه الاتهامات.
ويكتسب الخط أهمية استثنائية لأنه يوفر للسعودية مسارا بديلا لتصدير النفط بعيدا عن مضيق هرمز، فيما تبلغ طاقته نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يوميا. ومن ثم، فإن استهداف هذه المنشآت يحقق هدفا مركبا يتمثل في إضعاف الاقتصادات العربية، وإثارة الخوف من إيران، وإجبار الدول الخليجية على زيادة اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية، في مواجهة ما يصوره الكيان باعتباره «الخطر الإيراني».
يكتسب هجوم ميناء دمياط المصري أهمية مختلفة، لأنه نقل دائرة الاستهداف إلى دولة عربية لم تكن أبدا في قلب المواجهة العسكرية مع إيران. ففي 28 يوليو (تموز) 2026، أصابت طائرة مسيرة سفينتين للغاز في ميناء دمياط، إحداهما وحدة تخزين وإعادة تغويز مملوكة لشركة أمريكية، ما أدى إلى اندلاع حريق قبل السيطرة عليه، من دون تسجيل خسائر بشرية.
ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم. واللافت أن إيران نفت مسؤوليتها، ونفت جماعة أنصار الله الحوثية أي دور لها، بينما حذرت طهران في أعقاب الهجوم من احتمال تنفيذ إسرائيل عمليات تحت راية كاذبة تستهدف جر مصر إلى الصراع.
وبناء على ذلك، تصبح فرضية «الفوضى الخلاقة» أكثر قابلية للنقاش، لأن ضرب منشأة غاز مصرية لا يخدم فقط هدفا اقتصاديا محدودا، بل يحمل إمكانية سياسية أكبر، تتمثل في إدخال القاهرة إلى دائرة الاستهداف المباشر، ودفعها إلى اتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه إيران، وإثارة مخاوفها من امتداد الحرب إلى منشآتها الاستراتيجية.
لا يمكن فصل هذه التطورات عن التصعيد الصهيوني في لبنان. فبعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، دخلت الجبهة اللبنانية مرحلة جديدة من المواجهة، واستمرت إسرائيل في عمليات الإبادة وفرض حصار خانق على جنوب لبنان، رغم التفاهمات التي أُعلن عنها في يونيو (حزيران).
وفي سبتمبر (أيلول) 2026، أعلن الاحتلال تدمير بنية تحتية تحت الأرض لحزب الله في منطقة علي الطاهر جنوب لبنان، في وقت تصاعدت فيه المخاوف اللبنانية من عملية برية واسعة للاحتلال الصهيوني.
وبهذه الصورة المعقدة، تدور حرب عقائدية استراتيجية بالغة الحساسية في منطقة مضطربة؛ فإيران في مواجهة مباشرة مع التحالف الأمريكي-الصهيوني، والسعودية ودول الخليج تواجه تهديدات لمنشآتها النفطية، بينما تحول اليمن إلى ساحة ضغط على الملاحة والطاقة، ودخل العراق دائرة الاستهداف والاتهام. في المقابل، يواجه الشعبان اللبناني والفلسطيني تصعيدا إسرائيليا متواصلا.
في ضوء ما تشهده المنطقة، يواصل الاحتلال عدوانه على الشعب الفلسطيني، بما يحمله ذلك من قتل وتهجير وتدمير ممنهج، بالتوازي مع التصعيد في لبنان من خلال الاعتداءات المتكررة ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة، في وقت تتسع فيه دائرة الاستهداف والاضطراب لتطال دولا ومنشآت حيوية عربية.
وفي هذا السياق، لا تبدو عمليات استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية مجرد أحداث معزولة عن المشهد الإقليمي، بل تأتي ضمن بيئة صراعية يجري فيها توظيف الخوف والاتهامات المتبادلة لدفع المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب والانقسام. وكلما اتسعت دائرة الفوضى، أصبح من الأسهل إنهاك الدول العربية واستنزاف قدراتها وإبعادها عن مواجهة أصل المشكلة المتمثلة في الاحتلال والعدوان، وتحويل اهتمامها نحو حماية أمنها الداخلي ومصالحها الاقتصادية المهددة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير