
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يطرح تجدد المواجهة بين السعودية والحوثيين تساؤلات بشأن مستقبل الحرب في اليمن، ومدى قدرة التفاهمات السعودية الإيرانية على منع اتساع الصراع، وانعكاسات ذلك على أمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
تقف خلف المواجهة المسلحة بين المملكة العربية السعودية وحركة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن صراعات استراتيجية أوسع نطاقا، أبرزها التنافس بين الرياض وطهران، اللتين أسهم تضارب مصالحهما في تشكيل المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط على مدى سنوات.
وتنذر التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران باحتمال انزلاق المنطقة نحو مواجهة إقليمية أوسع، في وقت بات فيه الصراع اليمني أكثر ارتباطا بالحسابات الأمنية الإقليمية، والتنافس على الممرات البحرية، وحماية البنية التحتية للطاقة، والمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل.
وجاء الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، وأسفر، بحسب التقارير الواردة في سياق هذه التطورات، عن مقتل 12 شخصا وإصابة 309 آخرين، بينهم مصابون في حالات حرجة، ليزيد من حدة التوترات. وأعلن التحالف الذي تقوده السعودية إطلاق عملية عسكرية واسعة تستهدف عناصر الحوثيين وقدراتهم العسكرية.
ويكتسب مضيق باب المندب أهمية خاصة في هذه المواجهة، بوصفه ممرا بحريا استراتيجيا يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل أحد الشرايين الحيوية للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
ورغم العلاقات الاستراتيجية الوثيقة بين الرياض وواشنطن، فإن مستوى الدعم الأمريكي لم يلب تطلعات السعودية وحلفائها في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا. وأثارت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران تساؤلات بشأن قدرة الولايات المتحدة على حماية حلفائها الخليجيين من الهجمات الانتقامية، وضمان استمرار الملاحة عبر مضيق هرمز.
وبالنسبة إلى السعودية، تتجاوز القضية حدود المواجهة العسكرية مع الحوثيين، لتشمل أمن التجارة البحرية على المدى الطويل، وحماية صادرات الطاقة، والحفاظ على توازن القوى الإقليمي.
وفي هذا السياق، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلتين مع العميد الركن حاتم عاطف، الضابط في الجيش المصري والمحلل السياسي والعسكري، والعميد الركن منير شحادة، المنسق الحكومي اللبناني السابق لدى قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، لمناقشة الأبعاد العسكرية والسياسية للصراع اليمني، ومستقبل التفاهمات السعودية الإيرانية، واحتمالات التصعيد الإقليمي وانعكاساته على أمن الملاحة الدولية.
العميد الركن حاتم عاطف: أمن اليمن مرتبط بالملاحة الدولية والتوازنات الإقليمية
هل ستبقى القضية اليمنية مرتبطة بأمن الملاحة البحرية الدولية والمواجهة الإقليمية، أم يمكن فصلها عن هذه الملفات والتوصل إلى تفاهمات تضمن أمن المنطقة واستقرار التجارة العالمية؟
بالتأكيد، لا يمكن فصل القضية اليمنية عن السياق الأوسع للأمن الإقليمي والملاحة البحرية الدولية. فما يجري في اليمن اليوم لم يعد شأنا محليا محصورا بين الفصائل اليمنية المتنافسة، بل تحول إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تتقاطع عندها خطوط المواجهة بين القوى الإقليمية والدولية.
فالموقع الجغرافي الفريد لليمن، المطل على مضيق باب المندب، يجعله بوابة أساسية للتجارة العالمية وأمن الطاقة. ولذلك، فإن أي محاولة لمعالجة الأزمة اليمنية بمعزل عن طرق الإمداد البحري وحرية الملاحة ستكون قراءة قاصرة لا تأخذ في الحسبان الحقائق الجيوسياسية القائمة على الأرض.
ويجعل استمرار ارتباط الجبهة اليمنية بالصراعات الإقليمية الأوسع التوصل إلى تسوية منفصلة أمرا بالغ الصعوبة، بعدما أصبحت الورقة اليمنية أداة ضغط رئيسية تستخدمها أطراف متعددة لتعزيز مواقعها التفاوضية في ملفات أخرى، بما فيها الملف النووي الإيراني وتوازن القوى في الشرق الأوسط.
ومن ثم، فإن أي تفاهمات مستقبلية تهدف إلى حماية التجارة العالمية وتعزيز الاستقرار الإقليمي يجب أن تعالج الأسباب الجذرية للأزمة، وأن توفر ضمانات أمنية واقتصادية شاملة.
وينبغي لهذه الترتيبات أن تعيد الاستقرار ليس إلى اليمن وحده، بل إلى المنظومة البحرية بأكملها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
هل يمكن القول إن مفتاح إنهاء الحرب في اليمن لا يكمن في صنعاء أو الرياض وحدهما، بل في طبيعة التفاهمات الإقليمية بين الرياض وطهران، إلى جانب الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب؟
نعم، بالتأكيد. فمفتاح إنهاء الحرب في اليمن لا يوجد حصرا في أيدي صنعاء أو الرياض، بل يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية الداخلية لليمن، حيث تتأثر نتائج الصراع إلى حد كبير بالتفاعلات بين القوى الإقليمية والفاعلين الدوليين الرئيسيين.
وتشكل طبيعة التفاهمات الإقليمية الأوسع بين الرياض وطهران الأساس السياسي والدبلوماسي لأي استقرار محتمل. فخفض التصعيد بين هاتين القوتين الإقليميتين، أو ارتفاع مستوى التوتر بينهما، ينعكس بصورة مباشرة على التطورات الميدانية في اليمن.
وتؤدي الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب دورا حاسما في تحديد حدود العمليات العسكرية ومسار المفاوضات، بالنظر إلى الترابط بين الأمن الإسرائيلي وحرية الملاحة في البحر الأحمر والرؤية الأمريكية الأوسع للشرق الأوسط.
وعليه، فإن أي حل حقيقي ومستدام يجب أن يستند إلى تفاهمات إقليمية ودولية تجمع بين الردع العسكري والتسوية الدبلوماسية، بهدف منع تحول اليمن إلى ساحة دائمة للحروب بالوكالة، تحركها حسابات القوى الكبرى.
وبدلا من ذلك، ينبغي توجيه جميع الأطراف نحو تسوية سياسية شاملة تعيد بناء الدولة اليمنية، وتستعيد الاستقرار، وتمنع استخدام الممرات البحرية الحيوية أوراقا للمساومة بما يهدد اقتصادات المنطقة والعالم.
العميد الركن منير شحادة: الاتفاق السعودي الإيراني ضروري لكنه غير كاف لإنهاء حرب اليمن
في ظل تشابك الملفات اليمنية والسعودية والإيرانية، والتوترات المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل، ما السيناريوهات المطروحة أمام المنطقة؟ وهل يمكن أن يشكل اتفاق سعودي إيراني بوابة لإنهاء الصراع في اليمن؟
إن الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو التعامل مع اليمن بوصفه قضية معزولة. فالتطورات الميدانية منذ عام 2023 تشير إلى أن أربعة ملفات كانت منفصلة أصبحت عمليا ملفا واحدا، وهي الصراع الداخلي اليمني، والعلاقات السعودية الإيرانية، والمواجهة الأمريكية الإيرانية، والصراع الإسرائيلي مع محور المقاومة.
وأصبح أي تطور في أحد هذه الملفات يؤثر تلقائيا في الملفات الثلاثة الأخرى.
وفي ضوء هذا الترابط، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الصراع.
السيناريو الأول: التسوية عبر القناة السعودية الإيرانية
يعد هذا السيناريو المفضل لدى الرياض وبكين.
فالاتفاق الذي توصلت إليه السعودية وإيران في بكين، في مارس/آذار 2023، كان يهدف، وفقا لما أعلن، إلى خفض التوترات بين البلدين. لكن هدفه غير المعلن، بحسب تقديري، كان فصل المسار اليمني عن المفاوضات النووية.
وكانت الحسابات الاستراتيجية السعودية واضحة: إذا تمكنت طهران من ضمان عدم استهداف العمق السعودي، فستكون الرياض مستعدة لقبول حكومة يمنية يتمتع فيها الحوثيون بنفوذ كبير.
ويمكن لهذا الاتفاق أن يسهم في إنهاء الحرب، لكن بشروط محددة.
أولها أن تنتقل إيران من دور الداعم للحوثيين إلى دور الضامن لالتزاماتهم، من خلال استخدام نفوذها لدفعهم نحو قبول خارطة طريق لا تمنحهم نصرا كاملا.
وثانيها أن تقبل الرياض بأن اليمن لا يمكن أن يعود إلى الوضع الذي كان قائما قبل عام 2014.
أما الشرط الثالث، فيتمثل في وضع إطار اقتصادي تتولى السعودية بموجبه تمويل إعادة الإعمار، فيما تساعد إيران في الحفاظ على مكانة حليفها ومصداقيته.
لكن هذا السيناريو تعثر عقب الهجوم الأخير على مطار الملك خالد الدولي. وتؤكد طهران أنها لا تتحكم في قرارات الحوثيين، في حين ترى الرياض أن هذا النفي غير مقنع.
السيناريو الثاني: إدارة الصراع وخفض التصعيد المسلح
هذا هو السيناريو القائم حاليا، ولا يعني اندلاع حرب شاملة أو التوصل إلى سلام شامل، بل استمرار خطوط المواجهة في تعز ومأرب ومضيق باب المندب، مع تبادل الضربات التي تستهدف المطارات، دون شن هجوم بري واسع النطاق.
وأرى أن واشنطن تفضل هذا السيناريو في الوقت الراهن، لأنه يتيح إبقاء الحوثيين منشغلين بالقتال داخل اليمن، مع استمرار المخاوف الأمنية السعودية، بما يبرر صفقات الأسلحة ومواصلة الوجود العسكري الأمريكي.
السيناريو الثالث: التصعيد الإقليمي
يمكن أن ينهار أي اتفاق سعودي إيراني إذا صعدت إسرائيل بصورة مباشرة ضرباتها ضد أهداف حوثية، كما حدث في الحديدة وصنعاء.
وقد تعتبر طهران مثل هذه الهجمات اعتداء على محور نفوذها الإقليمي، فترد عبر الساحة اليمنية.
وبالتالي، فإن الاتفاق السعودي الإيراني ضروري، لكنه غير كاف لإنهاء الحرب في اليمن. فهو يفتح الباب أمام الحل، لكنه لا يدخل الأطراف إلى غرفة التسوية بمفرده.
ولا يزال المشهد السياسي اليمني منقسما بين الحكومة المعترف بها دوليا، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والحوثيين. ومن دون توافق يمني داخلي برعاية عمانية، ستظل أي تسوية يتم التوصل إليها بوساطة خارجية هشة وقابلة للانهيار.
هل يمكن أن يؤدي تصعيد المواجهة بين واشنطن وطهران إلى إشعال الجبهة اليمنية مجددا وتوسيع نطاق المواجهة في المنطقة، أم أن المصالح الاقتصادية والأمنية ستدفع الأطراف إلى تجنب التصعيد؟
يجب هنا التمييز بين نوعين من التصعيد، لكل منهما انعكاسات مختلفة على الجبهة اليمنية.
أولا: التصعيد البحري والنووي المحدود
إذا بقي التصعيد محصورا في التوترات البحرية والملف النووي، على غرار ما يجري حاليا حول مضيق هرمز والبحر الأحمر، فستستخدم اليمن ورقة ضغط إيرانية محسوبة.
وقد يكثف الحوثيون هجماتهم على المطارات السعودية والإماراتية والسفن التجارية، لإيصال رسالة إلى واشنطن مفادها أن تضييق الخناق على طهران ستكون تكلفته اضطراب التجارة وإمدادات النفط.
وهذا ما شهدناه في هجوم العاشر من أكتوبر/تشرين الأول.
ثانيا: توجيه ضربة عسكرية أمريكية مباشرة إلى إيران
تشير المؤشرات، من وجهة نظري، إلى أن الجبهة اليمنية ستشهد تصعيدا شديدا وغير مسبوق إذا وقع هجوم عسكري أمريكي مباشر على إيران.
وقد أعلن الحوثيون صراحة أن أي هجوم على إيران سيؤدي إلى إغلاق مضيق باب المندب وشن ضربات على جميع القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج.
ومع ذلك، توجد اعتبارات اقتصادية وأمنية قد تدفع الأطراف إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة.
أول هذه الاعتبارات يتعلق بسوق النفط. فقد تؤدي حرب شاملة إلى ارتفاع أسعار النفط فوق مستوى 150 دولارا للبرميل، وهو ما سيضر بالاقتصاد الأمريكي قبيل انتخابات التجديد النصفي، وكذلك بالصين، التي تعد من كبار مستوردي النفط من دول الخليج وإيران.
أما الاعتبار الثاني، فيتعلق بالتجارة البحرية. إذ يمر نحو 12% من التجارة العالمية عبر مضيق باب المندب، ولا ترغب الولايات المتحدة أو الصين أو الاتحاد الأوروبي في إغلاق هذا الممر البحري الحيوي.
ويتمثل الاعتبار الثالث في تكلفة الصراع المطول. فإيران تدرك أن تفعيل الجبهة اليمنية بصورة كاملة قد يمنح واشنطن ذريعة لضربها مباشرة.
وفي المقابل، تعلم السعودية أن اندلاع حرب جديدة في اليمن سيفرض تكاليف باهظة على برنامج التحول الاقتصادي «رؤية السعودية 2030».
ولذلك، فإن النتيجة الاستراتيجية الأكثر ترجيحا، في تقديري، تتمثل في استمرار التصعيد المحسوب، الذي يشمل الضربات المتبادلة والتهديدات والهجمات على المطارات والسفن، مع الالتزام بخطوط حمراء ضمنية تهدف إلى منع انزلاق الأوضاع نحو حرب إقليمية شاملة.
فكل طرف يريد إلحاق الضرر بخصمه دون تدميره، لأن تجاوز هذه الحدود قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية جماعية يصعب تحملها.
ولن يتحدد مستقبل المنطقة بالمفاوضات في مسقط أو بكين وحدها، بل سيعتمد على قدرة الرياض وطهران على فصل الصراع اليمني عن التنافس الجيوسياسي الأوسع بين القوى الكبرى.
وربما يمثل تحقيق هذا الفصل أصعب تحد استراتيجي يواجه الشرق الأوسط اليوم.
ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير