مقالات المركز

إسرائيل تغتال قادة حماس الميدانيين واحداً تلو الآخر… اختراق بشري أم تفوق استخباراتي؟


  • 1 يونيو 2026

شارك الموضوع

شيّع الفلسطينيون في مدينة غزة، يوم الأربعاء، جثامين القيادي العسكري البارز في حركة حماس محمد عودة، وزوجته واثنين من أطفاله، بعد أن استهدفت غارة جوية إسرائيلية شقة سكنية في حي الرمال مساء الثلاثاء.

وأكد الجيش الإسرائيلي، يوم الأربعاء، أنه قتل عودة في ما وصفه بعملية منسقة بعناية في شمال غزة. ووفقاً لبيان الجيش الإسرائيلي، كان عودة قد تولى مؤخراً قيادة الجناح العسكري لحماس، كتائب عز الدين القسام، عقب مقتل سلفه عز الدين الحداد في وقت سابق من هذا الشهر.

وزعم مسؤولون إسرائيليون أن عودة كان يرأس أيضاً جهاز الاستخبارات التابع لحماس، وكان من بين آخر القادة الكبار الذين يُعتقد أنهم شاركوا في التخطيط لهجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 على إسرائيل. وأضاف الجيش أن الغارة جاءت بعد “أشهر من المراقبة الاستخباراتية”، واستهدفت مباني في مدينة غزة قال إنها تُستخدم كمخابئ عملياتية.

غارة دامية في منطقة سوق مكتظة

قال شهود عيان ومصادر طبية إن الغارة الإسرائيلية استهدفت الطوابق الثلاثة العليا من مبنى الكيالي السكني في وسط مدينة غزة، وهي واحدة من أكثر المناطق التجارية ازدحاماً في القطاع. ووقع الهجوم بينما كانت الشوارع مكتظة بالمتسوقين الذين يستعدون لعيد الأضحى.

وقُتل ما لا يقل عن ثلاثة فلسطينيين على الفور، فيما أُصيب العشرات بجروح. وأفاد سكان محليون بأن ما لا يقل عن خمسة صواريخ أصابت المبنى بشكل شبه متزامن. كما استُهدفت شقة مجاورة يُقال إنها مرتبطة بعامل آخر في حماس في غارة ثانية.

إسرائيل تنشر قائمة بقادة حماس الذين تم اغتيالهم

نشر الجيش الإسرائيلي، يوم الأربعاء، قائمة بقادة حماس الذين قال إنه تم اغتيالهم منذ بداية حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وضمت القائمة شخصيات بارزة مثل محمد الضيف، ويحيى السنوار، ومروان عيسى، وأحمد الغندور، ومحمد السنوار، وعدداً من القادة العسكريين الكبار الآخرين. ومن بين 16 اسماً نُشرت، قالت السلطات الإسرائيلية إن 15 منهم قُتلوا.

أما الشخصية الوحيدة التي قيل إنها لا تزال على قيد الحياة فهي عماد عقل.

استمرار العنف رغم وقف إطلاق النار

على الرغم من دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ رسمياً في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، فإن العنف في غزة استمر بشكل شبه يومي. ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل أكثر من 910 فلسطينيين في غارات إسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار.

وتسيطر إسرائيل حالياً على نحو 60 بالمئة من غزة، بما في ذلك جميع المعابر الحدودية الرئيسية ونقاط الوصول، بينما يظل معظم السكان متركزين على شريط ساحلي ضيق.

وأكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، يوم الأربعاء، أن إسرائيل ما تزال ملتزمة بمنع حماس من حكم غزة “عسكرياً أو مدنياً”.

مجلس السلام” المدعوم أمريكياً يستعد لزيارة غزة

في غضون ذلك، أفادت هيئة البث الإسرائيلية، مساء الأربعاء، بأن ممثلين عن “مجلس السلام” الدولي الذي أُنشئ حديثاً، ويُقال إنه تأسس تحت قيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، يستعدون لدخول غزة خلال الأيام المقبلة.

ووفقاً للتقرير، طلب مساعدو المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، الذي عينه ترمب لقيادة المجلس، رسمياً من الجيش الإسرائيلي السماح لهم بدخول القطاع.

وستمثل الزيارة المرتقبة أول دخول لممثلي المجلس إلى غزة منذ تأسيسه في وقت سابق من هذا العام.

كما يُقال إن ملادينوف قدم خطة من 15 نقطة تتعلق بتنفيذ استراتيجية ترمب الخاصة بغزة، بما في ذلك نشر قوة استقرار متعددة الجنسيات داخل القطاع.

ومن المتوقع أيضاً أن يقوم ممثلو القوة الدولية المقترحة بزيارة منفصلة الشهر المقبل.

الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر بشأن عمليات القتل قرب “الخط الأصفر

حذر مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، يوم الأربعاء، من أن نحو ثلث الفلسطينيين الذين قُتلوا منذ وقف إطلاق النار لقوا حتفهم قرب مناطق تُعرف باسم “الخط الأصفر”، وهي منطقة عسكرية فاصلة أقامتها القوات الإسرائيلية داخل غزة.

وقال أجيث سونغهاي، رئيس مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن الأدلة المتوافرة تثير “مخاوف جدية” من أن القوات الإسرائيلية تطلق النار على المدنيين لمجرد اقترابهم من المنطقة.

وأضاف أن مثل هذه الأفعال “قد ترقى إلى عمليات قتل غير قانونية، وبالتالي إلى جرائم حرب”.

وأشارت الأمم المتحدة إلى أن الحدود المتغيرة باستمرار للمنطقة العسكرية الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية تركت الفلسطينيين غير متأكدين من الأماكن المسموح لهم بدخولها. وتفيد التقارير بأن القوات الإسرائيلية وسّعت تدريجياً مساحة سيطرتها داخل غزة، ما أدى إلى تضييق المساحات المحدودة أصلاً المتاحة للمدنيين النازحين.

غزة تواجه كارثة صحية عامة وشيكة

قال الدكتور محمد أبو عفش، مدير جمعية الإغاثة الطبية في غزة، إن القطاع يواجه أوضاعاً صحية “بالغة الخطورة” مع بداية فصل الصيف.

ووفقاً لأبو عفش، تم تدمير 82 بئر مياه خلال الحرب، ولم يتبق سوى 12 بئراً تعمل لتزويد أعداد كبيرة من النازحين بالمياه. وقد أدى هذا النقص الحاد إلى تصاعد المخاوف من تفشي الأمراض مع ارتفاع درجات الحرارة.

كما تعمل المختبرات الطبية في غزة بعجز يصل إلى 86 بالمئة في الإمدادات، ما يحد بشدة من قدرة المستشفيات والعيادات على تشخيص الأمراض.

وقال أبو عفش: “بعد وقف إطلاق النار، كنا نأمل أن تدخل الإمدادات الطبية بكميات أكبر، لكن النظام الصحي لا يزال يعاني بشدة من النقص”.

ويقدر المسؤولون الطبيون أن نحو 300 ألف شخص يعانون من أمراض مزمنة، بما في ذلك السكري وارتفاع ضغط الدم، يحتاجون بشكل عاجل إلى الأدوية والمتابعة الطبية المستمرة، بينما لا تدخل إلى القطاع سوى كميات محدودة من الإمدادات.

استمرار تصاعد التوترات الإقليمية

يأتي التصعيد الأخير في غزة وسط حالة أوسع من عدم الاستقرار الإقليمي. وقد أسفرت الغارات الإسرائيلية في لبنان، بحسب التقارير، عن مقتل 31 شخصاً في وقت سابق من هذا الأسبوع، بينما تعهد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بتكثيف العمليات العسكرية ضد حزب الله.

وتقول إسرائيل إن هجماتها في لبنان تستهدف مقاتلي حزب الله وبنيته التحتية، في حين تتزايد المخاوف الدولية بشأن اتساع نطاق الصراع في المنطقة، بما في ذلك الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

ووفقاً لوزارة الصحة في غزة، قُتل أكثر من 72,800 فلسطيني منذ بدء الحرب. وقد وصفت الأمم المتحدة مراراً أرقام الضحايا الصادرة عن الوزارة بأنها ذات مصداقية عامة.

أجرى الصحفي ستيفن صهيوني مقابلة مع الكاتب والباحث الفلسطيني شرحبيل الغريب بشأن الوضع المستمر في غزة، والعمليات العسكرية الإسرائيلية، والمشهد السياسي الأوسع المحيط بالصراع.

ستيفن صهيوني: تواصل إسرائيل تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية على قطاع غزة، ما يؤدي إلى مقتل مدنيين عزل واغتيال قيادات من الفصائل الفلسطينية. برأيك، لماذا يوجد صمت عربي ودولي تجاه انتهاكات وقف إطلاق النار؟

شرحبيل الغريب: لا يمكن فصل الصمت العربي والدولي تجاه انتهاكات وقف إطلاق النار في غزة عن ازدواجية المعايير التي تحكم المشهد السياسي الدولي، حيث غالباً ما تتقدم المصالح والتحالفات الكبرى على اعتبارات القانون الدولي وحقوق الإنسان.

إن غياب الضغط الحقيقي على إسرائيل، سواء عبر قرارات ملزمة أو إجراءات سياسية ودبلوماسية فعالة، منحها مساحة واسعة لمواصلة سياسة الاغتيالات والتصعيد العسكري، وسط عجز واضح من المجتمع الدولي عن فرض احترام اتفاقات وقف إطلاق النار أو حماية المدنيين.

وعلى المستوى العربي، وخصوصاً لدى الدول التي تلعب أدوار الوساطة، يبدو أن الموقف تحكمه حسابات سياسية وأمنية معقدة. فهذه الدول تحاول الحفاظ على قنوات التواصل مع جميع الأطراف من أجل المحافظة على دورها التفاوضي، ما يدفعها إلى اعتماد خطاب حذر وتجنب التصعيد العلني ضد إسرائيل، خشية انهيار جهود الوساطة أو فقدان النفوذ في الترتيبات السياسية والأمنية المستقبلية.

إضافة إلى ذلك، تدرك بعض الدول العربية أن أي مواجهة سياسية مباشرة مع إسرائيل قد تضعها في صدام مع القوى الدولية الكبرى الداعمة لها، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولذلك تبقى المواقف الرسمية غالباً محصورة في بيانات الإدانة والدعوة إلى ضبط النفس، من دون ترجمة هذه المواقف إلى إجراءات ضغط حقيقية.

لكن هذا الحذر السياسي العربي، إلى جانب الصمت الدولي، أصبح فعلياً يُنظر إليه من قبل الفلسطينيين والرأي العام العربي باعتباره عجزاً عن ردع الانتهاكات أو فرض الالتزام بوقف إطلاق النار.

وأصبحت إسرائيل تدرك أن ردود الفعل لن تتجاوز حدود الإدانات الإعلامية، ما يشجعها على مواصلة العمليات العسكرية من دون خوف من عواقب سياسية أو دبلوماسية حقيقية.

وبالتالي، فإن الأزمة اليوم لا تتعلق فقط بانتهاك الاتفاقات، بل أيضاً بغياب إرادة عربية ودولية قادرة على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى التزام حقيقي قابل للتنفيذ ومدعوم بضمانات وآليات مساءلة واضحة.

ستيفن صهيوني: شهدنا في الأيام الأخيرة اغتيال عدد من القادة الميدانيين للفصائل الفلسطينية في غزة. كيف تفسر نجاح إسرائيل في اغتيال هذا العدد من القادة؟ هل هو نجاح استخباراتي أم نتيجة اختراق بشري؟

شرحبيل الغريب: لا يمكن تفسير نجاح إسرائيل في اغتيال عدد من القادة الميدانيين في غزة خلال الأيام الأخيرة بعامل واحد فقط، بل هو نتيجة تداخل بين التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي الإسرائيلي من جهة، والواقع الميداني شديد التعقيد داخل قطاع غزة من جهة أخرى.

لقد أصبحت غزة اليوم مساحة جغرافية ضيقة ومكتظة بالسكان، حيث يُحاصر قرابة مليوني فلسطيني داخل نحو 35 بالمئة من مساحة القطاع الإجمالية. وهذا يجعل حركة الأفراد وعمليات الإخفاء والمناورة أكثر صعوبة، ويمنح إسرائيل قدرات أكبر على المراقبة والمتابعة.

كما خصصت إسرائيل موارد استخباراتية هائلة لغزة، معتمدة على مزيج من التكنولوجيا المتقدمة والطائرات المسيّرة واعتراض الاتصالات وتحليل البيانات والمراقبة المستمرة، إضافة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتتبع التحركات وتحديد الأهداف.

ويزيد هذا الجهد الاستخباراتي المكثف من احتمالات تحديد مواقع القادة الميدانيين حتى داخل البيئات المكتظة والمعقدة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن استبعاد احتمال وجود اختراقات بشرية أو تسريبات معلومات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، خاصة في ظل الضغوط الهائلة التي يتعرض لها السكان نتيجة الحرب والنزوح والانهيار الإنساني. لكن اختزال كل ما يحدث في مسألة الاختراق البشري فقط سيكون تبسيطاً مخلاً.

فما يجري هو نتيجة بيئة أصبحت مكشوفة أمنياً إلى حد كبير بسبب الحصار والمراقبة التكنولوجية والاستطلاع الجوي المستمر، إلى جانب استثمار إسرائيل طويل الأمد في العمليات الاستخباراتية داخل غزة، والذي ازداد بشكل ملحوظ خلال العامين الماضيين من الحرب المتواصلة.

ستيفن صهيوني: يبدو واضحاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواصل تنفيذ خططه في جنوب لبنان وقطاع غزة من دون رادع. برأيك، ما مستقبل غزة في ظل نتنياهو وترمب؟

شرحبيل الغريب: أعتقد أنه في ظل قيادة بنيامين نتنياهو للحكومة الإسرائيلية، وبالتزامن مع حضور دونالد ترمب في المشهد السياسي الأمريكي، يبدو أن قطاع غزة يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة. فكلا الشخصيتين تتبنيان نهجاً يمنح إسرائيل حرية واسعة للتحرك عسكرياً وأمنياً من دون ضغوط حقيقية لفرض تسوية سياسية شاملة.

يرى نتنياهو في استمرار الحرب والتصعيد وسيلة للحفاظ على تماسك ائتلافه الحاكم والهروب من أزماته السياسية والقانونية، بينما يُنظر إلى ترمب على نطاق واسع باعتباره أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين دعماً للرؤية الإسرائيلية في المنطقة، سواء من حيث السياسات الأمنية أو تقليص الضغوط المرتبطة بالقضية الفلسطينية.

وفي الوقت نفسه، ورغم هذا الدعم، فإن الواقع الميداني في غزة يفرض تحديات معقدة على إسرائيل نفسها. فبعد أشهر طويلة من الحرب والدمار، لم تتمكن إسرائيل من حسم الوضع بالكامل أو فرض نموذج سياسي مستقر داخل القطاع. وهذا يعني أن استمرار العمليات العسكرية قد يقود إلى حرب استنزاف طويلة بدلاً من حسم نهائي.

لذلك تبدو غزة أمام سيناريو مفتوح: إما استمرار الحرب بمستويات متفاوتة من التصعيد والاغتيالات والضغط العسكري، أو الانتقال مستقبلاً إلى ترتيبات سياسية وأمنية تُفرض تحت ضغط الواقع الإنساني والإقليمي والدولي، لا سيما مع الحديث عن زيارة مرتقبة لأعضاء مجلس السلام التابع لترمب أو لجنة إدارية تكنوقراطية برئاسة علي شعت.

القضية الأساسية هي أن غزة اليوم لا تواجه فقط معركة عسكرية، بل أيضاً صراعاً حول شكل المستقبل السياسي للقطاع: من سيحكم غزة؟ كيف سيكون الوضع الأمني؟ وهل ستُفرض ترتيبات إقليمية ودولية جديدة؟

كل هذه الأسئلة ما تزال بلا إجابات، ما يترك الوضع مفتوحاً أمام مزيد من التوتر وعدم الاستقرار، ما دامت الحكومة الإسرائيلية الحالية تواصل اعتماد الخيار العسكري أداة رئيسية لإدارة الصراع.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع