مقالات المركز

أوروبا والخيارات الناقصة!


  • 20 فبراير 2025

شارك الموضوع

شكّل فشل قادة دول الاتحاد الأوروبي في الاتفاق على رؤية موحدة تجاه التعامل مع مستقبل الأزمة الأوكرانية، لطمة جديدة للدول التي جمعها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 14 فبراير (شباط) الجاري في قصر فرساي التاريخي، وسبب اللطمة أن هذه القمة فشلت على كل المستويات؛ فلم تستطع أن ترد على رسالة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس أمام مؤتمر ميونخ للأمن، الذي اتهم فيه الحكومات الأوروبية بأنها “غير ديمقراطية”؛ لأنها لا تتشارك الحكم مع الأحزاب اليمينية والشعبوية، كما أن الولايات المتحدة تواصلت مع روسيا وعقدت معها الاجتماعات المباشرة في الرياض، دون دعوة الأوروبيين أو استشارتهم.

 لكن اللافت هو فشل القادة الأوروبيين في رسم معالم طريق أوروبية واضحة للتعامل مع الأزمة الأوكرانية، وكأن مشروعهم الوحيد هو تشجيع أوكرانيا على مواصلة الحرب، ففريق تتزعمه فرنسا ودول بحر البلطيق يسعى إلى إرسال قوات إلى أوكرانيا لتثبيت السلام المنشود بعد التوصل إلى اتفاق بين موسكو وكييف، لكنّ دولًا لها جيوش كبيرة، مثل بولندا، ترفض هذا الطرح؛ فالحكومة في وارسو تقول إنها لا تملك “فائضًا من القوة” بسبب تجاور حدودها مع حدود ملتهبة مع أوكرانيا، وبيلاروس، وجيب كالينينغراد الروسي، في حين اشترطت دولة مثل بريطانيا -وهي الآن خارج الاتحاد الأوروبي- لإرسال قواتها إلى أوكرانيا، أن تشارك الولايات المتحدة الأمريكية ضمن هذه القوات، وهو شرط مستحيل في ظل وجود دونالد ترمب في البيت الأبيض، وهو الرئيس الذي لا يمانع في إرسال قوات أوروبية لأوكرانيا، لكنه في الوقت نفسه يرفض إرسال أي قوات أمريكية إلى أوكرانيا، في حين رأى المستشار الألماني أولاف شولتز أن هذا الحديث عن إرسال قوات سابق لآوانه؛ لأن الحرب لم تنتهِ بعد.

وما يؤكد أن خيارات أوروبا غير واضحة، وملفاتها الأمنية والسياسية غير مكتملة، وفيها أوراق ناقصة، هو تمسك الأوروبيين “بالحسابات الصفرية” مع موسكو، التي تقوم على “هزيمة روسيا إستراتيجيًّا”، واستعادة أوكرانيا لكل أراضيها وحدودها التي كانت عليها عام 1991، وهو ما تراه الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترمب يتنافى مع الواقع الميداني، وتقدم الجيش الروسي في خيرسون، وزاباروجيا، ولوغانسك، ودونيتسك، فما أوراق أوروبا للعودة إلى الملف الأوكراني؟ وهل ستحضر مفاوضات السلام الروسية الأوكرانية؟ وما خيارات الأوروبيين للتعامل مع التجاهل الأمريكي وضرورة التفاعل مع الجار الروسي وحتميته؟

4 تحديات

لا تشكو أوروبا فقط تجاهل وازدراء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وأركان إدارته، خاصةً نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الدفاع ييت هيغست، اللذين أكدا ضرورة المساهمة الأوروبية الفعالة في الدفاع عن أوروبا التي لا تستطيع أن تدافع عن نفسها من جانب، ولا تملك الاستجابة الكاملة لشروط الرئيس الأمريكي من جانب آخر، لكن أوروبا تواجه سلسلة غير مسبوقة من التحديات نتيجة “للحسابات الخاطئة”، أو تبني القادة الأوروبيين “معادلات سياسية” قديمة؛ ولهذا تواجه أوروبا 4 تحديات رئيسة، هي:

أولًا- العلاقة مع روسيا

كشفت قمة فرساي عجز قادة الدول الأوروبية عن قراءة الواقع الميداني في أوكرانيا، أو عدم قدرتهم على ملاحقة المتغيرات الجديدة على الساحة الأوروبية والدولية، وفي مقدمة ذلك عدم إدراكهم فشل “سياسة العزل القصوى” التي أرادها وعمل عليها الأوروبيون مع الإدارة الأمريكية السابقة ضد روسيا؛ ولهذا أعلن الاتحاد الأوروبي حزمة العقوبات السادسة عشرة ضد روسيا في اليوم التالي لاجتماعات الرياض بين الوفدين الروسي والأمريكي، وهو ما يقول إن الأحزاب والائتلافات الحاكمة في أوروبا تغرد بمفردها بعيدًا عن قطاعات عريضة من الأوروبيين. كما أن هذه الائتلافات والحكومات بات يفصلها مساحات شاسعة عن الولايات المتحدة في فهم المواقف الروسية وتفهّمها، وتناسى الأوروبيون نصيحة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، التي قال فيها إن روسيا كانت ركيزة السلام والاستقرار في أوروبا 400 عام، وبدونها ما كان للغرب أن ينتصر على النازية، وهي مقاربة يحتاج الأوروبيون إلى التفكير فيها، والعمل عليها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب؛ من أجل وقف الحرب في أوكرانيا، ووضع أسس جديدة للسلام والاستقرار في أوروبا تقوم على التعاون مع الروس والأمريكيين، فالجميع يدركون أن استعادة أوكرانيا شبه جزيرة القرم بات مستحيلًا من الناحية السياسية والعسكرية، ومن هنا يجب تطوير الخطاب السياسي الأوروبي الذي يمهد لحل الصراع الأوكراني وفق منهج “الواقعية السياسية”، وليس انطلاقًا من حسابات تجاوزتها 3 سنوات من الحرب.

ثانيًا- الإنفاق الدفاعي

لأول مرة يقر القادة الأوروبيون في ختام قمة فرساي أن الإنفاق الأوروبي على الشؤون الدفاعية يحتاج إلى نظرة مختلفة، ومواقف جديدة، بعد أن كانوا يتهمون الرئيس ترمب في السابق بأنه يتهرب من التزامات الولايات المتحدة تجاه أوروبا؛ ولهذا قال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في اجتماع قاعدة رامشتاين الألمانية، الذي جمع الدول الأوروبية الأعضاء في حلف دول شمال الأطلسي (الناتو)، إن الولايات المتحدة لن تقبل بإنفاق أقل من 3% من الناتج القومي لشركائها الأوروبيين على الدفاع في المرحلة المقبلة، تمهيدًا للوصول إلى 5%، وشراء مزيد من الأسلحة والذخيرة الأمريكية، وهو أمر بات الأوروبيون يتحدثون عنه بوصفه “معادلة عادلة” للحفاظ على العلاقات التاريخية الدفاعية التي تجمع بين أوروبا والولايات المتحدة بعد أن تخلف الأوروبيون عن تحقيق الهدف الذي وضعته قمة حلف “الناتو” في ويلز عام 2014، التي كانت تدعو إلى وصول الإنفاق الدفاعي لدول حلف الناتو عام 2022 إلى 2% من الناتج القومي، فدول مثل إيطاليا، لم تصل حتى اليوم إلى نسبة إنفاق دفاعي يتجاوز 1.8%، ورغم زيادة الإنفاق لتحديث الجيوش الأوروبية وتطويرها منذ عام 2022 فإن الجيوش الأوروبية ما زالت في غالبيتها بعيدة تمامًا عن المعايير الأمريكية؛ إذ تنفق واشنطن منذ نحو 3 عقود 3.7% من الناتج القومي الذي وصل عام 2024 إلى نحو 28 تريليون دولار.

ثالثًا- منهج عسكري أوروبي

حديث الرئيس ترمب ووزرائه عن أوروبا، واستعداده لتنفيذ مشروع دفاعي خاص بالولايات المتحدة دون الأوروبيين (القبة الحديدية) يقول إن فكرة “الطلاق العسكري” بين أوروبا والولايات المتحدة ليست بعيدة؛ ولهذا تواجه أوروبا -لأول مرة منذ نهايات الحرب العالمية الثانية- معضلة “العبء العسكري والأمني” للدفاع عن حدودها ومصالحها، وبات القادة الأوروبيون يفكرون في عدد من المسارات التي ليس عليها اتفاق حتى الآن لتعزيز القوة العسكرية والأمنية الأوروبية، وهذه المسارات هي:

1- الاستقلال الإستراتيجي

وهو المصطلح الذي استخدمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أبريل (نيسان) 2024 في أثناء خطابه الشهير في جامعة السوربون، ودعا من خلاله دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إلى تحمل الأعباء العسكرية والأمنية بمفردها؛ لأنها تملك كثيرًا من المقدرات؛ إذ تبلغ مساحة الاتحاد الأوروبي نحو 4 ملايين كم، ويسكنه نحو 500 مليون شخص، وهذا يتوافق مع رؤية الرئيس ماكرون، الذي قال منذ عام 2019، إن “حلف الناتو” مات إكلينيكيًّا، داعيًا إلى تأسيس جيش أوروبي موحد، لكن كل هذه الدعوات والأفكار فشلت على مدار السنوات الست الماضية، فقد سبق لماكرون وغيره التحذير من “موت أوروبا”، وهو ما يستوجب صياغة إستراتيجية دفاعية أوروبية ذات مصداقية، وأنه ليس على أوروبا انتظار ما يصل إليها من أفكار ومصالح وتحالفات؛ بل عليها أن تقود العالم والآخرين نحو المقاربة التي تريدها هي وليس الآخرون، وفق رؤية ماكرون.

2- دفاع صاروخي

منذ فترة طويلة تفكر أوروبا في بناء نموذجها في الدفاع الصاروخي الذي يقوم على 3 طبقات ومديات رئيسة؛ هي الدفاع الجوي القصير والمتوسط والبعيد المدى، وسبق للمستشار الألماني أولاف شولتز أن طرح فكرة وضع نموذج “للدفاع الصاروخي الأوروبي الموحد”، أو ما أطلق عليها آنذاك “درع السماء”. ورغم انضمام نحو 20 دولة أوروبية إلى “درع السماء” من داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه فإنه لم يرَ النور حتى الآن.

3- توظيف السلاح النووي الفرنسي

مع أن هذه الفكرة رفضتها القوى السياسية الفرنسية من مختلف الاتجاهات، ومنها بعض أقطاب حزب الرئيس الفرنسي، فإن الرئيس ماكرون، وفي سبيل الإيحاء بالتوازن الإستراتيجي مع روسيا والولايات المتحدة، طرح فكرة أن يكون نحو 300 سلاح نووي فرنسي متاحة ضمن المقاربة الأوروبية لتحقيق نهج أوروبي خاص بالدفاع، بعيدًا عن الولايات المتحدة.

ثالثًا- السيادة الأوروبية

الرغبة في الابتعاد والطلاق ليس من واشنطن فقط؛ بل من جانب كثير من الدول الأوروبية؛ فنائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس التقى بزعيمة حزب “البديل من أجل ألمانيا”، أليس فايدل، في ميونخ، في 15 فبراير (شباط) الجاري، وهو ما يشير إلى سوء العلاقة مع المستشار الألماني أولاف شولتز، زعيم الحزب الاجتماعي الاشتراكي، والأحزاب التقليدية الألمانية؛ ولهذا تعالت الدعوات في أوروبا خلال الأيام الماضية من أجل العمل للوصول إلى “السيادة الأوروبية”، التي تعني قدرة أوروبا على “اختيار حلفائها”، وعدم الانصياع لمطالب واشنطن، أو بيجين.

رابعًا- المنافسة الاقتصادية

تقوم الرؤية الأوروبية على أن العقد المقبل سيكون “العقد الحاسم” في مسيرة العمل الأوروبي المشترك، وأن أوروبا الآن تتراجع إلى المرتبة الثالثة اقتصاديًّا خلف كل من الولايات المتحدة والصين، وبدون اقتصاد يقوم على الإبداع والابتكار لن تكون أوروبا في المرتبة الثالثة، بل يمكن أن تتحلل وتتفكك، وفق رؤية كثير من قادة وسط أوروبا وغربها، ومنهم المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل.

الواضح أن أوروبا تواجه تحديات ضخمة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأن أفضل فرصة لإعادة تجديد القارة العجوز هو العمل بإيجابية من أجل وقف الحرب في أوكرانيا، وليس تشجيع أوكرانيا على مواصلة الحرب، واستمرار النزيف الاقتصادي والعسكري الأوروبي دون أي نتيجة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.


شارك الموضوع