
تُعد الطقوس و”الشعائر السياسية” المتبعة في الهند قبيل استعراض الموازنة العامة من أبرز التقاليد المؤسسية التي استلهمتها النخبة السياسية الهندية من نموذج ويستمنستر البريطاني. ففي أروقة البرلمان الهندي، أو كما يسمى اللوك- سابها، وعلى غرار ما يحدث في مجلس العموم البريطاني، يمثل وزراء المالية أمام الهيئة التشريعية حاملين مسودة الموازنة في الحقيبة الجلدية الحمراء الشهيرة، المعروفة بـ “صندوق غلادستون”. وهو تقليدٌ تكتنفه أساطير مؤسِّسة شتى؛ ترجع أولاها استخدام هذه الحقيبة للمراسلات إلى حقبة الملكة إليزابيث الأولى، حين أرسل ممثلها، فرانسيس ثوركمورتون، حقيبةً محشوة بـالسجق الأسود إلى سفير إسبانيا، بيرناندينو دي ميندوسا، في إشارة رمزية إلى الصراع المحموم على النفوذ البحري بين الإمبراطوريتين في القرن السادس عشر. وتذهب رواية أخرى إلى أن اختيار اللون الأحمر كان “نزعة ابتكارية” من الأمير ألبرت، زوج الملكة فيكتوريا، لمطابقة لون الحقيبة مع الشعار الرسمي لأسرته، بيت ساكس- كوبيرغ وغوته. بيد أن الرواية الأكثر رصانة هي التي تنسب التقليد إلى اللورد غلادستون، مستشار المالية الأطول خدمة في التاريخ البريطاني، الذي كرس استخدام الحقيبة لحفظ المراسلات ومسودات الموازنة العامة.
وقد انتقل هذا الموروث البريطاني إلى الهند في أعقاب الاستقلال، حيث استنسخت الدولة الوليدة نموذج “ويستمنستر” بجل تفاصيله ورمزياته الطقوسية؛ فكان ر. ك. شنموكام شيتي، وزير المالية في حكومة نهرو الأولى، أول من أرسى هذه “الطقوس الموازنية”، في نوفمبر (تشرين الثاني) 1947. ومع مرور العقود، اكتسبت هذه الممارسات “خصائص هندية” فريدة؛ فقبيل استعراض الموازنة، تُقام “حفلة حلوى” تقليدية احتفاءً بوزير المالية في قبو الوزارة، حيث تشرع المطابع في عملها تحت ستار من السرية المطلقة. ورغم تحول الموازنة إلى الصيغة الرقمية بالكامل منذ عام 2020، فإن هذا التقليد لا يزال صامدًا منذ أربعة عقود. وفي عهد الوزيرة الحالية، نيرمالا سيتارامان، وتحديدًا منذ عام 2019، استُبدل بالحقيبة الغربية ظرف أحمر تقليدي يُعرف بـ “باهي- كاتا”، في دلالة رمزية على الأصالة والتحرر من القيود الاستعمارية.
بيد أن أهمية هذه الحقيبة، أو الظرف، لا تكمن في قيمتها المادية أو شكلها الطقوسي فحسب، بل في كونها الوعاء الذي يحمل “المنعطفات الكبرى” في تاريخ الأمة الهندية؛ فخلف هذه المظاهر تكمن قرارات مصيرية أعادت رسم خريطة الاقتصاد والمجتمع. ومن هذا المنطلق، يسعى هذا المبحث إلى سبر أغوار التحولات الجوهرية التي حملتها أهم مشروعات الموازنة في التاريخ الهندي؛ بدءًا من التأسيس الاشتراكي في عهد نهرو، مرورًا بزلزال اللبرلة الاقتصادية في التسعينيات، وصولًا إلى الطموحات الرقمية الراهنة، لاستجلاء كيف أسهمت هذه الموازنات في صياغة الهوية الاقتصادية للهند المعاصرة.
بعد نيل الاستقلال، أُديرت المؤسسات السياسية والبيروقراطية في الهند وفقًا لما عُرف بـ”إجماع نهرو”، وهو القالب الذي تشكلت أسسه من رؤى “جواهر لال نهرو” المتمحورة حول: الديمقراطية الاشتراكية الفابية، وعلمنة المجتمع الهندي، والاستصلاح الزراعي وإعادة توزيع الأراضي، فضلًا عن تبني اقتصاد مخطط مركزيًّا، والتسريع من وتيرة التحول الصناعي، مع الالتزام بنهج “عدم الانحياز” في السياسة الخارجية تجاه القطبين الشرقي والغربي.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد انتهجت الهند سياسة التخطيط المركزي استنادًا إلى خطط خماسية موضوعة، حيث كانت الموازنة العامة تُكيف دومًا لتلبية متطلبات تلك الخطط. وفي عام 1956، سُنَّت الخطة الخماسية الثانية التي استهدفت تحقيق نمو صناعي متسارع، متبعةً في ذلك النموذج الذي طوره عالم الإحصاء الهندي البارز، براسانتا تشاندرا ماهالانوبيس؛ إذ تركزت رؤيته حول إعادة توجيه الاستثمارات الصناعية بغرض تأسيس قاعدة صلبة لإنتاج السلع الاستهلاكية محليًّا. وتفترض هذه المقاربة أن الرفاه الاستهلاكي المستدام لا يمكن تحقيقه إلا بالبدء بتعزيز قطاع “السلع الرأسمالية”، مثل الآلات والمعدات الثقيلة، حيث يُعد هذا الاستثمار الأساسي هو المحرك الفعلي لزيادة وتيرة إنتاج السلع الاستهلاكية وتوسيع نطاقها في الأمد البعيد. كما اعتمدت الخطة الخمسية على استمرار نهج “الاقتصاد المغلق”، مع حصر النشاط التجاري في استيراد السلع الرأسمالية فقط. وقد استعانت حكومة نهرو آنذاك بالخبرات والمعونات السوفيتية، والبريطانية، والألمانية للتوسع في بناء السدود، وتشييد خمسة معامل للحديد والصلب، إضافة إلى مد خطوط السكك الحديدية نحو مناطق شمال شرقي البلاد التي كانت تشهد اضطرابات في تلك الحقبة.
وفي العام الثاني من تنفيذ الخطة الخماسية الثانية، قَدَّم وزير المالية، ت. ت. كريشناماتشاري، موازنةً اعتُبرت الأولى من نوعها في مجال الإصلاحات الضريبية المباشرة؛ إذ أقرَّت -أول مرة- “ضريبة الثروة” في الهند بغرض توسيع القاعدة الضريبية اللازمة لتمويل القطاعات الصناعية بأكثر من 48 مليار روبية. كما استهدفت الموازنة تحقيق معدل نمو بنسبة 4.5%، في وقتٍ كان على حكومة نهرو فيه مواجهة أزمة حادة في ميزان المدفوعات، وشحٍ في النقد الأجنبي الضروري لتمويل الواردات، حيث تآكلت احتياطيات الهند من العملة الصعبة لتصل إلى ما يعادل 25 مليار روبية.
وضعت الخطة الخماسية أيضًا اللبنات الأولى لنظام الترخيص الحكومي المفرط في بيروقراطيته، الذي أطلق عليه السياسي، راجاغوبال أتشاري، اسم “راج التراخيص”. ولفهم ماهية هذا النظام، يتعين العودة إلى تصنيف الخطة الخماسية للقطاعات الصناعية والإنتاجية ضمن ثلاثة مستويات: الأول يشمل القطاعات الإستراتيجية والحيوية التي تحتكرها الدولة، والثاني يضم القطاعات الصناعية غير المؤممة التي ستنتقل ملكيتها إلى الدولة تدريجيًّا، أما المستوى الثالث فيشمل قطاع السلع الاستهلاكية الذي تُرِك للقطاع الخاص، ولكن تحت تنظيم حكومي صارم، ومن خلال نظم ترخيص بالغة التعقيد. وقد أثار هذا التصنيف الأخير حفيظة كثير من ساسة حزب المؤتمر الوطني الهندي الحاكم ممن كانوا يميلون إلى لبرلة الاقتصاد، وعلى رأسهم راجاغوبال أتشاري، الذي أسس لاحقًا أول حزب منشق عن “إجماع نهرو”، وهو “الحزب الحر”، حزب سفاتانترا.
وبالفعل، وكما تنبأ منتقدو نظام “الراج”، استُغِل نظام الترخيص الحكومي كمدخل للمقربين من السلطة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، كما كان اختبارًا حقيقيًّا لمستوى الرقابة الإدارية والمالية في العهد النهروي، لكن الحكومة أخفقت في هذا الاختبار بسبب ما عُرف بـ “فضيحة موندرا”. وتُعد قضية موندرا نقطة تحول جوهرية في تاريخ الرقابة المالية في الهند المستقلة، إذ كشفت عن شبكة معقدة من الفساد، ضمت مسؤولين حكوميين ومضاربين في البورصة. بدأت خيوط القضية عندما أثبت عضو البرلمان، فيروز غاندي، استثمار مؤسسة التأمين الوطنية مبالغ ضخمة في أصول مشبوهة لصالح رجل الأعمال، هاريداس موندرا، متجاوزةً بذلك جميع الضوابط الإدارية والقانونية. وقد وصفت هذه العملية بأنها أول عملية احتيال مالي كبرى في البلاد، وكانت سببًا مباشرًا في الإطاحة بوزير المالية، كريشناماتشاري، وتوجيه أنظار الرأي العام نحو الحتمية القصوى لحوكمة استثمارات القطاع العام.
مثلت السنة المالية 1991-1992 حقبة “التحول العظيم” في تاريخ الهند المعاصر. فعلى الصعيد الجيوسياسي، وجدت الهند نفسها مضطرة إلى التعامل مع التداعيات العميقة لانهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي؛ القطب الذي طالما ارتبطت به بعلاقات إستراتيجية. كما ألقت حرب الخليج بظلال قاتمة على الاقتصاد الوطني؛ فمن جهة، تدفق المغتربون الهنود العائدون من مناطق الصراع، ومن جهة أخرى، فقدت الخزانة العامة موردًا حيويًّا بانقطاع تحويلات النقد الأجنبي من الجاليات الهندية في الخليج، بالتزامن مع الارتفاع القياسي في أسعار النفط العالمية. أما سياسيًّا ومجتمعيًّا، فقد عانت الدولة اضطرابًا حادًّا في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء، راجيف غاندي، وتولي حكومة تشاندرا شيكار مقاليد الأمور وسط مناخ مشحون؛ إذ كان على الإدارة الجديدة الاستجابة للاحتجاجات التي فجرها قرار حكومة ف. ب. سينغ السابقة بتطبيق توصيات “مفوضية ماندال”، بالإضافة إلى تصاعد حدة التوترات الطائفية التي أججها الخلاف حول المسجد البابري، في مدينة أيوديا، في ولاية أوتار براديش.
أما اقتصاديًّا، فقد واجهت حكومة تشاندرا شيكار معضلةً مستعصية في توفير السيولة الأجنبية وتفاقم عجز ميزان المدفوعات. وتفاقمت الأزمة حين خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني للهند في فبراير (شباط) من العام نفسه، تلاه إخفاق البرلمان في تمرير مشروع الموازنة، مما أدى إلى تآكل احتياطيات النقد الأجنبي لتصل إلى مستوى حرج دون ملياري دولار؛ وهو ما يعني عجز الدولة عن تمويل وارداتها الأساسية لفترة تتجاوز الثلاثة أسابيع. وكإجراء اضطراري لتأمين قرض بقيمة 7 مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، اضطرت الحكومة الهندية إلى رهن 70 طنًّا من احتياطياتها من الذهب، وإيداعها في مصارف سويسرا وإنجلترا، لتتسلم بموجب ذلك دفعةً أولى قدرها 600 مليون دولار. وفي صيف عام 1991، انهارت حكومة شيكار، لتخلفها حكومة ف. ب. ناراسيمها راو، الذي استعان بالدكتور مانموهان سينغ وزيرًا للمالية.
وعلى الفور، شرع مانموهان سينغ في تنفيذ حزمةٍ من إجراءات اللبرلة الاقتصادية، بالتوازي مع التوصل إلى تسوية نهائية مع صندوق النقد الدولي. استهلت الوزارة خطواتها بخفضٍ تدريجي لقيمة الروبية الهندية، بدأ بمعدلٍ تجاوز 9%، أعقبه تحريكٌ ثانٍ بنسبة 11%. كما استهدفت موازنته تقليص العجز المالي من 8.4% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 6.5%. ولم تخلُ الموازنة من تدابير تقشفية صارمة؛ حيث قُلص الدعم الحكومي للأسمدة الزراعية، وأُلغي دعم السكر، فضلًا عن وقف الدعم المالي المباشر الذي كان يستهدف سياسات إحلال الواردات، ودعم الصادرات بصورتها القديمة.
وتجلت القيمة التاريخية لهذا التحول في خطاب مانموهان سينغ أمام البرلمان الهندي، حيث انتصر لمبادئ الانفتاح والتحرر الاقتصادي، وضرورة تعريض القطاعات الإنتاجية المحلية للمنافسة العالمية. وفي خطوةٍ غير مسبوقة، أعلن إلغاء نظام التراخيص البيروقراطي المعروف بـ”الراج”، مع استثناء ثمانية عشر قطاعًا إستراتيجيًّا فقط، وسمح برفع نسبة التملك والاستثمار الأجنبي إلى 51% بغرض استقطاب التكنولوجيا المتقدمة والخبرات الدولية. كما رمت السياسة المقترحة إلى كبح التمدد العشوائي للقطاع العام، واضعةً ضوابط تحصر دوره في المجالات الحيوية التي يعجز القطاع الخاص عن النهوض بها بمفرده. ومن خلال طرح حصصٍ من الشركات الحكومية للتداول، هدفت هذه الرؤية إلى كسر حدة الاحتكارات العامة، مع إعادة توجيه موارد الدولة نحو قطاعات الإنتاج الدفاعي والتعدين والبنية التحتية بوصفها أولويات وطنية قصوى. إن الهند في صورتها المعاصرة، هي وليدة تلك القرارات الجريئة التي اتخذها مانموهان سينغ.
قادت حكومة ديفي غودا الائتلاف البرلماني الذي عُرِف بالجبهة التقدمية المتحدة، والمساند لكتلة المؤتمر الوطني الهندي النيابية، حيث أُوكِلت حقيبة المالية إلى ب. تشيدامبرام، الذي مرر ما اصطُلح على تسميته تاريخيًّا بـ”موازنة الأحلام”. ارتكزت موازنة العام المالي 1997- 1998 على رؤية تحررية طموحة، رمت في جوهرها إلى خفض العبء الضريبي لتحفيز تدفق الاستثمارات؛ إذ قُلص الحد الأقصى لضريبة الدخل الشخصي من 40% إلى 30%، كما خُفضت ضريبة الشركات المحلية لتستقر عند 35%. ولم تقتصر هذه الإصلاحات على الداخل فحسب؛ بل امتدت لتشمل المنظومة الجمركية عن طريق خفض سقف الرسوم من 50% إلى 40%، وتقليل الرسوم المفروضة على السلع الرأسمالية إلى 20%؛ بغية تعزيز القدرة التنافسية للصناعة الوطنية في الأسواق العالمية. ومن الناحية الإستراتيجية، سعى صانع القرار المالي إلى توسيع القاعدة الضريبية من خلال إطلاق مبادرة “نظام الإفصاح الطوعي عن الدخل” لتشجيع المكلفين على التصريح عن أصولهم غير المعلنة.
وعلى الرغم من هذا الزخم الإصلاحي، اصطدمت الموازنة بتحديات هيكلية جسيمة أدت إلى انحراف العجز المالي عن مستهدفه الأولي البالغ 4.5%، ليتفاقم ويصل إلى 6.1% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي. ويُعزى هذا التدهور -في المقام الأول- إلى العجز الحاد في الإيرادات الضريبية المركزية، التي سجلت 991.58 مليار روبية، وهو رقم يقل بنحو 142.36 مليار روبية، أي ما يعادل 12.6% عن التقديرات التي وُضعت سلفًا. وقد تعمقت هذه الفجوة المالية نتيجة التباطؤ الملحوظ في النمو الصناعي وتراجع معدلات الاستيراد، مما أثر سلبًا في عوائد الرسوم الجمركية، فضلًا عن الإخفاق في تحقيق العوائد المرجوة من برنامج الخصخصة؛ وهو ما وضع استدامة “موازنة الأحلام” تحت ضغوط مالية خانقة، وكشف عن الفجوة بين الطموح النظري والواقع المالي المعقد.
بحلول عام 2016، تغيرت ملامح الدولة الهندية جذريًّا؛ إذ كانت حكومة حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة، ناريندرا مودي، تخوض عامها الثاني بعد انتخابات 2014، التي دشنت حقبة جديدة من حكم اليمين القومي. واقتصاديًّا، واصلت الحكومة الالتزام بنهج اللبرلة والتحرر الاقتصادي، مع الحفاظ المتوازي على ركائز “دولة الرفاه”، وهو ما تَعُدُّه النخبة الحاكمة نموذجًا للاقتصاد المختلط الذي استقرت عليه الهند منذ إصلاحات مانموهان سينغ في مطلع التسعينيات.
وفي خضم أزمات اقتصادية عالمية عاصفة، استعرض وزير المالية، آرون جايتلي، ذو الخلفية القانونية، صمود الاقتصاد الهندي الذي سجل تسارعًا في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ 7.6%، مقارنةً بـ 6.3% في سنوات سابقة. كما نجحت الإدارة المالية في كبح جماح التضخم، والمقاس بمؤشر أسعار المستهلك، حيث انخفض من 9.4% إلى 5.4%، مما أرسى حالة من الاستقرار النسبي في القوة الشرائية للمواطنين. وعلى الصعيد المالي، وضعت الوزارة هدفًا طموحًا لتقليص العجز المالي ليصل إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي للسنة المالية القادمة، مدعومةً باحتياطيات أجنبية بلغت ذروة تاريخية غير مسبوقة عند قرابة الـ350 مليار دولار.
وقد سجل “جايتلي” سبقًا تاريخيًّا بوصفه الوزير الذي أتمَّ “توحيد الموازنة”؛ حيث شهدت ميزانية عام 2017 تحولًا جذريًّا تمثل في إنهاء تقليدٍ مالي استمر اثنين وتسعين عامًا، وذلك بدمج موازنة السكك الحديدية ضمن “الموازنة العامة للدولة”. ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء تنظيمي؛ بل استهدف صياغة رؤية استثمارية شاملة تتيح تخصيص الموارد بكفاءة أعلى، وتُسهل تمويل المشروعات الكبرى في البنية التحتية. وبموجب هذا الاندماج، خُصصت استثمارات ضخمة لقطاعي الطرق والسكك الحديدية معًا بلغت قيمتها 2.1 تريليون روبية؛ مما عزز تكامل وسائط النقل الوطنية، وقلص وطأة الترهل البيروقراطي في توزيع المخصصات المالية.
وفي خطابه الذي ألقاه لتقديم الموازنة أمام البرلمان، اللوك- سابها، ركز جايتلي على إستراتيجية “أمن الدخل” للمزارعين بوصفها بديلًا لمفهوم الاكتفاء بالأمن الغذائي، مستهدفًا مضاعفة دخلهم بحلول عام 2022؛ ولهذا الغرض، رصدت الموازنة نحو 359.84 مليار روبية لقطاع الزراعة، مع رفع سقف الائتمان الزراعي إلى مستوى قياسي بلغ 9 تريليونات روبية. كما اشتملت الخطة على استثمارات ضخمة في أنظمة الري وتطوير البنية التحتية الريفية من خلال برنامج “طرق القرى”، بتكلفة إجمالية بلغت 270 مليار روبية، بالتعاون مع الولايات، لربط 65,000 تجمع سكني بشبكة الطرق الوطنية بحلول عام 2019. كما تبنت الموازنة أجندة منحازة إلى الفئات الأكثر احتياجًا؛ حيث خُصص 20 مليار روبية لتوفير وصلات غاز الطهي للأسر الفقيرة حمايةً لصحة المرأة. وفي سياق مبادرة “الهند الرقمية”، استهدفت الموازنة محو الأمية الرقمية لنحو ستين مليون أسرة ريفية إضافية خلال ثلاث سنوات. أما على صعيد الرعاية الصحية، فقد أُعلن نظام جديد للحماية الصحية يوفر تغطية تصل إلى 100 ألف روبية لكل أسرة، مع مخصصات إضافية لكبار السن؛ لمواجهة الكلف المرتفعة للاستشفاء، التي تدفع بملايين الأسر نحو دائرة الفقر.
بمجلد “الباهي- كاتا” التقليدي، استعرضت وزيرة المالية، نيرمالا سيتارامان، تفاصيل “الموازنة الإلكترونية”، التي تُصنف واحدةً من أكثر الموازنات محوريةً بالنظر إلى الظروف الجيوسياسية الراهنة التي تخوضها الهند. ارتكزت الموازنة على دفع عجلة النمو الاقتصادي من خلال أربعة محركات إستراتيجية، مع تبني سياسات مالية منضبطة تستهدف خفض العجز المالي ليصل إلى 4.4% من الناتج المحلي الإجمالي. وتطمح الموازنة إلى تحقيق إجمالي إيرادات غير مقترضة تبلغ 34.9 تريليون روبية، مقابل إنفاق إجمالي ضخم يُقدر بنحو 50.6 تريليون روبية. ويبرز الإنفاق الرأسمالي بوصفه ركيزة أساسية في هذه الموازنة بقيمة 11.2 تريليون روبية، ما يعادل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي؛ وهو ما يجسد استمرار نهج الدولة في الاستثمار في البنية التحتية الصلبة بغرض توليد فرص العمل، وتحفيز النمو المستدام طويل الأمد، كما قُدرت صافي المتحصلات الضريبية بـ28 تريليون روبية.
شهدت هذه الموازنة تحولًا جوهريًّا لصالح الطبقة الوسطى من خلال إعادة هيكلة شاملة للشرائح الضريبية ضمن النظام الجديد؛ حيث أصبحت الدخول التي لا تتجاوز 1.2 مليون روبية سنويًّا، أي بواقع 100 ألف روبية شهريًّا، معفاةً تمامًا من الضريبة. أما الموظفون المستفيدون من الخصم المعياري، فقد ارتفع حد الإعفاء لهم ليصل إلى 1.275 مليون روبية. وتهدف هذه الخطوة، التي ستكبد الخزانة العامة إيرادات مفقودة تقدر بنحو تريليون روبية، إلى ضخ سيولة إضافية في القوة الشرائية للمواطنين؛ مما يسهم في تعزيز الاستهلاك المنزلي، والادخار، والاستثمار الخاص.
كما وضعت الموازنة قطاعي الزراعة والمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر على رأس الأولويات الوطنية؛ إذ أُطلق برنامج “برادان مانتري دهان- دهانيا” لتطوير مئة منطقة زراعية منخفضة الإنتاجية لفائدة سبعة عشر مليون مزارع، مع رفع سقف القروض الميسرة من 300 ألف إلى 500 ألف روبية. وفي قطاع المشروعات الصغيرة، رُفع سقف الاستثمار وتدوير رأس المال لتوسيع نطاق المنشآت المشمولة، مع إصدار مليون بطاقة ائتمان مخصصة للمشروعات المتناهية الصغر بحد ائتماني يبلغ 500 ألف روبية للبطاقة الواحدة، فضلًا عن دعم رائدات الأعمال والفئات المهمشة بقروض تصل قيمتها إلى 20 مليون روبية.
وفي إطار تعزيز اللا مركزية التنموية، خصصت الحكومة 1.5 تريليون روبية قروضًا بدون فائدة للولايات لمدة خمسين عامًا لدعم مشروعات البنية التحتية، مع إطلاق “صندوق التحدي الحضري” بقيمة تريليون روبية لتحويل الحواضر إلى مراكز نمو اقتصادي. وعلى صعيد الابتكار، خُصص 200 مليار روبية للبحث والتطوير بقيادة القطاع الخاص، بالإضافة إلى تدشين “مهمة الطاقة النووية” لتطوير المفاعلات النمطية الصغيرة بميزانية بلغت 200 مليار روبية؛ وهو ما يؤكد توجه الهند الراسخ نحو مصادر الطاقة النظيفة والمستدامة تحقيقًا لرؤية “الهند المتقدمة”.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير