مقالات المركز

أمريكا تدفع وإسرائيل تحقق أهدافها؟ الكلفة الاستراتيجية للحرب على إيران


  • 20 سبتمبر 2026

شارك الموضوع

كشفت الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران عن سؤال قد تجد واشنطن صعوبة متزايدة في تجنب الإجابة عنه: هل كانت هذه حربا أمريكية فعلا، أم أن الولايات المتحدة أصبحت القوة العسكرية والمالية الرئيسية وراء صراع تحركه، إلى حد كبير، الأجندة الاستراتيجية الإسرائيلية؟

منذ عام 1992، اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إيران الخصم الإقليمي الأكثر خطورة على إسرائيل. وقبل المواجهة الأخيرة بوقت طويل، حذر نتنياهو مرارا من البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران الصاروخية ونفوذها الإقليمي. وظلت مواجهة إيران وإضعافها عنصرا أساسيا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي.

هل دفعت واشنطن ثمنا غير متناسب؟

تشير الأرقام الصادرة عن التقييمات الحكومية الأمريكية إلى أن الثمن كان هائلا.

وفقا لمكتب الميزانية في الكونغرس الأمريكي (CBO)، بلغت تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران نحو 38.1 مليار دولار حتى الأول من أغسطس (آب) 2026. ويشمل هذا التقدير الأسلحة التي استهلكت، وساعات الطيران الإضافية، والوقود، وخسائر المعدات، وغيرها من النفقات التشغيلية.

وخلف هذا الرقم تكمن مشكلة تتعلق بالجاهزية العسكرية قد تستمر لسنوات. ويقدر مكتب الميزانية في الكونغرس أن إعادة تعويض الذخائر التي استهلكت خلال الصراع ستكلف نحو 21.7 مليار دولار.

وتستحوذ صواريخ الاعتراض المستخدمة في الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي على نحو 13.1 مليار دولار من هذا المبلغ، بينما تبلغ تكلفة صواريخ كروز الهجومية البرية نحو 7.3 مليار دولار. أما الذخائر الأخرى، فتبلغ تكلفتها نحو 1.2 مليار دولار.

وكانت تكلفة إبقاء الطائرات الأمريكية في الجو هائلة أيضا. فقد ولدت ساعات الطيران الإضافية تكاليف تقدر بنحو 10.4 مليار دولار، في حين أضافت نفقات الوقود نحو 2.7 مليار دولار.

وقدرت خسائر المعدات القتالية بنحو 1.9 مليار دولار، رغم أن استبدال تلك المعدات بأنظمة حديثة قد يرفع الرقم إلى نحو 3.3 مليار دولار.

ويكشف حجم الانتشار العسكري عن ضخامة العملية. ففي مرحلتها الأولى، استخدمت الولايات المتحدة نحو 250 طائرة تكتيكية، من بينها قرابة 90 طائرة مرتبطة بمجموعتي حاملات طائرات ضاربة. وشاركت كذلك القاذفات وطائرات التزود بالوقود وطائرات النقل والسفن البحرية ووحدات الدفاع الجوي وقوات أخرى في دعم الحملة.

مشكلة مخزونات الصواريخ

استخدمت الولايات المتحدة جزءا كبيرا من مخزوناتها من صواريخ باتريوت (Patriot) وثاد (THAAD) وSM-3 وSM-6 خلال الصراع مع إيران، وكذلك خلال القتال الذي استمر 12 يوما في عام 2025.

وفقا لتقييم مكتب الميزانية في الكونغرس، فإن إعادة بناء المخزونات المستنزفة قد تتطلب خمس سنوات على الأقل، حتى مع زيادة الإنتاج.

كل صاروخ اعتراض يطلق على صاروخ إيراني يعني أن صاروخ الاعتراض لم يعد متاحا لساحة معركة أخرى. وفي صراع مع قوة صاروخية كبرى، يمكن أن يصبح عمق المخزون عاملا لا يقل أهمية عن جودة الأسلحة الفردية.

وبالتالي، خلقت الحرب ما يسميه المخططون العسكريون “تكلفة الفرصة البديلة”؛ فقد استهلكت واشنطن اليوم أسلحة قد تكون في حاجة ماسة إليها غدا.

الميزة غير المتكافئة لإيران

لا تحتاج إيران إلى تدمير حاملة طائرات أمريكية من أجل فرض تكاليف على واشنطن؛ إذ يمكنها إجبار الولايات المتحدة على إنفاق ملايين الدولارات لاعتراض صواريخ وطائرات مسيرة قد لا تتجاوز تكلفة بعضها جزءا من تكلفة الأسلحة الدفاعية المستخدمة لاعتراضها.

وقد تصل تكلفة صاروخ اعتراض واحد من منظومة ثاد إلى ملايين الدولارات، بينما يمكن أن تكون تكلفة صواريخ الاعتراض المتطورة من سلسلة SM أعلى من ذلك.

وأظهرت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الإيرانية قدرة على تهديد المنشآت الأمريكية المنتشرة في أنحاء المنطقة.

وكان الضرر الذي لحق بمنشأة الدعم البحري الأمريكية في البحرين مهما بشكل خاص، نظرا إلى أن المنشأة تعد مركزا لوجستيا رئيسيا للأسطول الخامس الأمريكي.

وأفادت التقارير بأن الهجوم تسبب في أضرار واسعة طالت المنشآت البحرية والبنية التحتية للاتصالات والمساكن العسكرية. وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن إعادة بناء مقر الأسطول الخامس والمنشآت المرتبطة به قد تتجاوز 400 مليون دولار.

الكلفة البشرية والقانونية

في 17 سبتمبر (أيلول)، قالت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران إن لديها أسبابا معقولة للاعتقاد بأن القوات الأمريكية كانت مسؤولة عن ضربتين في إيران في فبراير (شباط)، وأنهما شكلتا جرائم حرب.

وتعلق أحد التحقيقات بمدرسة شاجاره طيبة الابتدائية في ميناب. وقالت بعثة الأمم المتحدة إن القوات الأمريكية اعتمدت على معلومات استخباراتية تشير إلى وجود قائد عسكري إيراني رفيع المستوى في الموقع، لكنها لم تتحقق من المعلومات بشكل كاف قبل تنفيذ الضربة.

وقال خبراء إن الجيش الأمريكي استخدم مصادر إسرائيلية لتحديد الأهداف. وفي السابق، كانت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) مسؤولة عن اختيار الأهداف.

حرب نتنياهو الطويلة ضد إيران

أمضى نتنياهو عقودا في التحذير من أن إيران تمثل تهديدا وجوديا لإسرائيل. وسعت حكوماته باستمرار إلى منع إيران من التحول إلى قوة عسكرية إقليمية أكثر قوة.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية يمكن أن يؤدي إلى تغيير جوهري في ميزان القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط.

أما بالنسبة إلى واشنطن، فالحسابات مختلفة. فالولايات المتحدة لا يتعين عليها أن تأخذ أمن إسرائيل في الاعتبار فحسب، بل عليها أيضا أن تضع في الحسبان جاهزيتها العسكرية، والتكاليف المالية، والتزاماتها العالمية، واحتمال نشوب مواجهات مستقبلية مع قوى كبرى أخرى.

وهذا يخلق المفارقة المركزية للحرب: فقد يؤدي صراع إلى تحقيق بعض الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه يفرض تكاليف كبيرة على القوة العسكرية الأمريكية.

فتدمير الأهداف أمر يمكن قياسه، أما إعادة بناء مخزونات الصواريخ المستنزفة، وترميم القواعد المتضررة، واستعادة الجاهزية العسكرية، فهي أمور قد تستغرق سنوات.

من انتصر فعليا؟

يقاس أثر الحرب الآن بثلاثة أنواع مختلفة من الكلفة: المال، والجاهزية العسكرية، والنفوذ الجيوسياسي.

وقد دفع العالم بأسره ثمنا نتيجة تصاعد عدم الاستقرار، والتهديدات التي تطال إمدادات الطاقة وحركة الملاحة، والاضطرابات الاقتصادية، وخطر المزيد من التصعيد.

وقال خبير في شؤون الشرق الأوسط، طلب عدم الكشف عن هويته، إن هناك ثلاثة أسئلة أساسية:

أولا، هل يستطيع الرئيس ترامب إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الطبيعية؟

ثانيا، هل يستطيع ترامب الإطاحة بالحكومة الإيرانية؟

ثالثا، هل يستطيع ترامب حماية حلفائه في الخليج من الهجمات؟

وفقا للخبير، إذا كانت الإجابة عن الأسئلة الثلاثة جميعها بالنفي، فإن الولايات المتحدة تكون قد خسرت الحرب على إيران.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن الفاتورة باتت واضحة بالفعل.

فقد جرى إنفاق نحو 38.1 مليار دولار حتى الأول من أغسطس (آب). وقد تحتاج الولايات المتحدة إلى استبدال ذخائر تتجاوز قيمتها 21 مليار دولار. كما استهلكت مليارات إضافية في ساعات الطيران والوقود وخسائر المعدات.

وإذا استغرقت إعادة بناء مخزونات الصواريخ الدفاعية الحيوية خمس سنوات أو أكثر، فإن تداعيات الحرب ستستمر لفترة طويلة بعد إطلاق آخر صاروخ.

هل حققت واشنطن نتيجة استراتيجية كبيرة بما يكفي لتبرير الموارد التي ضحت بها؟

بعد إنفاق عشرات المليارات من الدولارات، واستنزاف أسلحة دفاعية حيوية، وكشف نقاط ضعف في بنيتها التحتية العسكرية الإقليمية، ماذا حققت واشنطن تحديدا؟ وهل كان ذلك المكسب يستحق الثمن الاستراتيجي؟

سيحدد التاريخ في نهاية المطاف الإجابة، لكن الفاتورة وصلت بالفعل.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع