مجلة الشؤون العربية الأوراسية العدد الأول

العالم يحيي الذكرى المئتين لميلاد دوستويڤسكي

مفتاح الروح الروسية

بمناسبة حلول المئوية الثانية لميلاد فيودور (وليس فيدور) دوستويڤسكي، أعلنت منظمة اليونسكو أن عام 2021 سيكون عام الكاتب الروسي الكبير، وأن الاحتفال بتلك المئوية سيشمل مختلف بلدان العالم.

من جانبه، أصدر الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتين مرسومًا بضرورة الاحتفال “كما ينبغي” بهذه الذكرى، وعلى مستوى حكومي لائق، ولا سيما أن الاهتمام العالمي بنتاجات هذا العبقري الروسي يحفز روسيا على الاستلهام بأدبه الغني من جديد لتسليط الضوء على معالم الطريق الأوراسي، الذي اختطته لنفسها بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي.

يجب القول إن هذا التكريم العالمي لم يحظ به- ولن يحظى- أي من أعلام القرن التاسع عشر الروس “الليبراليين” غربيي الهوى، بمن فيهم الروائي إيڤان تورغينيڤ، الذي عاش مرفهًا في أوروبا، وكان يحسب نفسه ألمانيًّا أكثر منه روسيًّا، ولعله لذلك أعرب عن احتقاره لدوستويڤسكي بعد لقائهما في مدينة بادن- بادن الألمانية، قائلا: “من غير المعقول أن أتحدث عن قناعاتي الحميمة عن روسيا والشعب الروسي أمام السيد دوستويڤسكي؛ لسبب بسيط، هو أنني أعدُّه شخصًا مريضًا”.

وكذلك كان الكاتب والمفكر ألكسندر غيرتسين، الذي هاجر إلى أوروبا واستقر فيها، ثم توفي في باريس.

فقد كان هذان الأديبان المتأوربان، وغيرهما من التغريبيين الروس، نتاج مرحلة محلية حساسة من حياة روسيا تشكلت في خضم الصراع الذي احتدم فيها بين فكرتين متضادتين إزاء تطور هذا البلد، “إحداها تدعو إلى انتهاج طريق خاص بروسيا، وأخرى تتمسك بالتقليد الأعمى لأوروبا”.

بيد أن نتاجات روسية عالمية النطاق، ظهرت في هذه الأثناء على يد نيقولاي غوغول، وألكسندر بوشكين، وميخائيل ليرمنتوڤ، وفيودور دوستويڤسكي، وليڤ تولستوي وأنطون تشيخوڤ، وغيرهم من أعلام الأدب الروسي. هؤلاء كانوا ممثلي الأدب الروسي الحقيقي في عصره الفضي، غير أن مفتاح الروح الروسية كان موجودًا في أدب فيودور دوستويڤسكي وحده.

ولقد كان الروائي السوڤيتي-الروسي الراحل ڤالنتين راسپوتين محقًا حين أكد أن “البشر تمكنوا بفضل دوستويڤسكي من معرفة أشياء كثيرة عن أنفسهم”.

ومع أن كثيرين في مختلف أنحاء العالم يعترفون بصعوبة قراءة أعمال دوستويڤسكي، فإنهم يشددون على ضرورة ذلك لفهم روسيا، التي قال عنها الشاعر الروسي الشهير فيودور تيوتشيڤ (803- 1873): “لا يمكن فهم روسيا بالعقل وحده، أو قياسها بالمعايير؛ إذ إن لديها كينونة خاصة بها. يمكنك فقط أن تؤمن بروسيا”.

لقد كان دوستويڤسكي واحدًا من أعظم الكتاب الروس، الذين تركوا أثرًا عميقًا في الأدب العالمي. وسيبقى العالم يستنير بأعماله الخالدة، وخاصة رواياته “الجريمة والعقاب” (1866)، و”الأبله” (1868) و”الشياطين” (1872)، و”الإخوة كارامازوڤ” (1880)، التي نقلت إلى أكثر من 150 لغة، ليس لأنها تقدم تحليلًا ثاقبًا لحالة روسيا السياسية والاجتماعية والروحية في ذلك العصر الانتقالي الذي عاشته وحسب؛ بل لأنها تتميز أيضًا بفهم عميق للنفس البشرية في كل مكان وزمان.

وقد جعل الناقدون الأوروبيون منذ أمد بعيد رواية “الشياطين” الاجتماعية- السياسية في صف واحد مع رواية الأديب الإسباني ميغيل دي ثربانتس “دون كيخوته”، التي كان الأديب الروسي نفسه يعدُّها “أعظم كتاب بعد الكتاب المقدس”.

كما تخطت رواية “الجريمة والعقاب” الاجتماعية- النفسية حدود روسيا ليصبح دوستويڤسكي علامة فارقة في تاريخ التحليل النفسي.

وكان الكاتب الفرنسي أندريه جيد أحد المتأثرين الكبار بدوستويڤسكي. كذلك فإن الأديب النمساوي شتيفان تسفايغ (وليس ستيفان زفايغ) أفاض كثيرًا في الكتابة عنه.

كما أثرت أعمال دوستويڤسكي في فيلسوف الوجودية الفرنسي جان پول سارتر، بل يمكن القول إن الكاتب الروسي هو- على نحو ما- مؤسس مذهب الوجودية الأدبية، التي تعد رواية “رسائل من تحت الأرض” (1864) القصيرة، إحدى بواكيرها.

أما رواية الكاتب الروسي الأخيرة “الإخوة كارامازوڤ” فأصبحت تحفة الأدب العالمي، ونالت إعجاب الفيلسوفين الألمانيين مارتن هايدغر وفريدريخ نيتشه، وعبقري الفيزياء ألبرت أينشتاين، والفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين، وعالم النفس زيغموند فرويد النمساويين، وكذلك الكاتب التشيكي فرانتس كافكا، وغيرهم.

على أن الأمر كان مغايرًا تمامًا في روسيا إبان حياة دوستويڤسكي، حيث أثارت أعماله جدلًا واسعًا بين معاصريه، ولا سيما إزاء تحوله من الولع المفرط بالاشتراكية إلى المبادئ الكنسية.

فمن المعلوم أن الكاتب قطع دربًا حياتيًّا شائكًا ومتناقضًا، حيث تحول من اشتراكي طوباوي معادٍ للقيصرية إلى متدين محافظ مؤيد لها، فقد كان أحد أعضاء رابطة الاشتراكي الطوباوي الثوري ميخائيل بتراشيڤسكي، وهي حلقة أدبية ضمت مهندسين وأطباء وكتابًا ومعلمين وضباطًا في الجيش، كانوا يناقشون فيها القضايا الروسية الراهنة على نحو شبه سري، واتفقوا رغم اختلافاتهم على مناهضة “الاستبداد” القيصري. وقد قبض على الروائي الكبير وحكم عليه بالإعدام الذي خفف (في واقعة دراماتيكية شهيرة) إلى السجن بضع سنوات مع الأشغال الشاقة في صقيع سيبيريا. هنالك فقط غير دوستويڤسكي قناعاته، وأصبح ينظر بسلبية شديدة إلى الاشتراكية والليبرالية على حد سواء، ويرى أنهما تناهضان التعاليم المسيحية، عندما تحلمان ببناء فردوس على الأرض، معتمدتين فقط على المادية والعلم.

في غضون ذلك كان الجيل الجديد من المفكرين الروس يرزح تحت وطأة تأثير الفلاسفة الأوروبيين القوي، وانتشرت بينهم أيديولوجيا “العدمية النهيلستية”، التي ترفض جميع المبادئ الدينية والأخلاقية، وتؤكد عبثية الحياة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الليبراليين الروس في غالبهم اقتبسوا أفكارهم من أعلام الفكر الأوروبي، ومنهم الفيلسوف الفرنسي الاجتماعي جان جاك روسو، الذي أثرت أفكاره السياسية في الثورة الفرنسية، والمفكر السياسي الإنجليزي جون لوك، أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في عصر التنوير، وكذلك عالم الاقتصاد الإنجليزي جون ستيوارت ميل، الذي دافع عن العلاقات الاقتصادية الحرة، التي يجب وفقًا لها تقليص البرامج الاجتماعية إلى الحد الأدنى، وعدم إعارة الاهتمام للفقراء المعدمين من المواطنين، في حين أن كاتبنا خصص- على العكس من ذلك- كل أعماله تقريبًا لـ “حثالة المجتمع”. وقد سخر من الليبراليين الروس، لافتًا إلى أن الإنسان يشعر بالحرية فقط عندما يكون في جيبه مليون والحرية لا تعطي كل إنسان مليونًا حتى مع تطبيق مبدأ “تكافؤ الفرص” الخرافي، وقال: “هل تعطي حريتكم كل واحد مليونًا؟ لا! وما الإنسان من دون مليون؟ الإنسان من دون مليون ليس هو ذلك الذي يفعل ما يشاء، بل إنه الإنسان الذي يفعلون معه أي شيء كان” (مجموعة المؤلفات، المجلد الرابع).

وقد انتقد دوستويڤسكي في “مذكرات كاتب” (1873) هؤلاء “المستغربين الروس”، وهيامهم بالحضارة الأوروبية.

وكتب في مقالته “ملاحظات شتوية عن انطباعات صيفية” (1863) أن الإنسان الغربي هو فرداني خالص، ولا تستطيع أي فكرة “خارجية” تقييد حياته. ويضيف الكاتب أن “المثل الأعلى للغرب هو عزلة الفرد الاجتماعية، وادخاره أموالًا أكثر، واقتنائه أغراضًا أكبر، وتنعمه بذلك”.

على أن دوستويڤسكي، الذي يقف ضد الفردانية، التي تقوض التكافل الإنساني (رواية “رسائل من تحت الأرض” 1864)، يقف أيضًا ضد الجماعية العلمانية (الماركسية مثلا) التي تلغي الفرد (روايتا “الشياطين” و”الإخوة كارامازوڤ “).

وقد أعرب في “الشياطين” عن إنكاره المطلق “للأخوة البشرية القسرية الشاملة في الاشتراكية”. كما نبذ المادية في الأيديولوجيا الشيوعية، والرغبة في الاستبعاد التام للدين.

فالإنسان، حسب دوستويڤسكي، يجب أن يعيش بالمحبة، والتكافل الأخوي بين أفراد المجتمع وفقًا للمبادئ المسيحية.

ويؤكد ذلك بطل رواية “الإخوة كارامازوڤ”، المؤمن أليوشا، بقوله إن “كل إنسان لنفسه، والله للجميع”! ويقول أخوه الفيلسوف إيڤان: “إذا كان الله غير موجود، فكل شيء مباح”!

ودوستويڤسكي لم يكن مطلعًا على الإسلام على نحو كافٍ مثل ألكسندر بوشكين، وميخائيل ليرمنتوڤ، وليڤ تولستوي، ولعله لذلك طلب من أخيه ميخائيل أن يرسل إليه نسخة من القرآن الكريم، بيد أنه تكلم في “مذكرات من منزل الأموات” (1862) بإعجاب شديد عن صديقه الشيشاني المسلم، خاصة أنه “لا يسرق، أو يرتكب المعاصي، ويحافظ على صلواته الخمس ويصوم، ويقضى ليالي كاملة في العبادة”.

فالكراهية أيًّا ما كانت، لا مكان لها في “دين” دوستويڤسكي، ولا سيما إذا كانت موجهة إلى وطن الإنسان، الذي أبصر فيه النور وترعرع بين أهليه.

ولذا سخر دوستويڤسكي من الليبراليين الروس في شخصية ستيبان ڤيرخوڤينسكي في رواية “الشياطين”، التي نقرأ فيها أن لدى الليبرالي الروسي “كراهية حيوانية غريزية كراهية غير محدودة لروسيا متأصلة في جسده”، وأن هذا الليبرالي يدعو إلى “إبادة الروس؛ لما فيه خير البشرية؛ باعتبار أنهم طفيليات ضارة!”.

أما في “خطاب بوشكين” الشهير (1880)، فأورد دوستويڤسكي كلمات الليبراليين الروس “الذين يلعنون ماضيهم”، حيث يقولون إن “هذه هي- هذه هي صيغتنا، التي نضعها كاملة، عندما نشرع في الارتقاء بالشعب إلى مستوانا. فإذا تبين لنا أنه غير قادر على التعلم، فإننا نقصيه …”.

وجاء في رواية “الأبله”: “لقد ذهب الليبرالي عندنا إلى حد إنكار روسيا نفسها، أي إنه يكره أمه ويضربها”.

غير أن دوستويڤسكي لم يكن يرى موجبًا للتناحر بين التغريبيين وأنصار النزعة السلاڤية، وخاصة أن رسالة روسيا تتمثل في الأخوة الانسانية وتآخي الشعوب كافة. ولقد حاول دوستويڤسكي مقابلة المشروع الليبرالي بطابع الأرثوذكسية المجمِّع.

ومن هنا نقده تغريب روسيا إبان حكم القيصر بطرس الأكبر (1672- 1725) ومعارضته لإصلاحاته، حيث يقول:

“لا ريب في أن إصلاحات بطرس (الأكبر) فصلت جزءًا من الشعب عن جزئه الآخر. فالإصلاحات جاءت من الأعلى إلى الأسفل، وليس من الأسفل إلى الأعلى. ولم تنجح هذه الإصلاحات في الوصول إلى فئات الشعب الدنيا” (مجموعة المؤلفات، المجلد 26).

وقد سبقت انتقادات دوستويڤسكي هذه- بوقت طويل- الانتقادات التي وجهها إلى هذه الإصلاحات معتنقو نظرية الأوراسية الروس، الذين كانوا يرون بلدهم دولة أوروبية آسيوية. وهو مثلهم انتقد بطرس الأكبر من منطلق أوراسي جيوسياسي-ثقافي، وليس من منطلق النزعة السلاڤية، وتفضيل السلاڤيين على غيرهم.

لقد لفت دوستويڤسكي قبل الأوراسيين بكثير إلى انفصام المجتمع الروسي، حيث بنتيجة إصلاحات بطرس الأكبر ظهرت فئتان، إحداها فئة الروس “الأوروبيين”، الذين كانوا يجيدون اللغات الأجنبية أفضل من لغتهم الأم، ويسافرون بانتظام إلى أوروبا (مثل النخب العربية المعاصرة)، والأخرى فئة الروس من “السكان الأصليين”، القابعون في بلدهم الذين لا يجيدون لغة أخرى غير الروسية.

وهو في انتقاده النظرية اللبرالية الروسية اقترب كثيرًا من المعالجة الأوراسية لهذه الأيديولوجيا السياسية، التي تذكر بأن 75% من أراضي روسيا تقع في آسيا، و25% منها فقط تقع في أوروبا.

ويمكن القول- بكل ثقة- إن مؤلفات دوستويڤسكي وكتاباته السياسية والاجتماعية وأقواله تركت تأثيرها في ممثلين كثيرين للنظرية الأوراسية. وبالطبع، فإن هذا لا ينفي تأثير أعمال مفكرين آخرين مثل نيقولاي غوغول، وكذلك أعمال أنصار النزعة السلاڤية، بيد أن تأثير دوستويڤسكي، كما يرى كثير من الباحثين الروس المعاصرين، من بينهم زابيت أكاڤوڤ، وأليكسي ليسيڤيتسكي، وڤياتشيسلاڤ شولجينكو، كان واحدًا من أقواها.

وانطلاقًا من ذلك، ومن كثير من الحقائق الأخرى، يمكن اعتبار دوستويڤسكي واحدًا من مؤسسي الأوراسية الأوائل. ولعل اهتمام روسيا الرسمي بالذكرى المئتين لولادة هذا الشخصية الكبيرة يكمن في هذه الخصوصية بالذات.

فمن المعلوم أن روسيا عاشت تجربة قاسية في أواخر القرن العشرين، حين تفكك الاتحاد السوڤيتي، إحدى الدولتين العظميين في العالم. كذلك فإن مسار انهيار “الإمبراطورية الحمراء” أحدث تشوهًا جذريًّا في الفضاء الجيوسياسي العالمي.

ومن الجدير بالذكر أن تقييم تفكك الاتحاد السوڤيتي جرى ولا يزال يجري بصور متناقضة؛ فقد بدا هذا المسار لفريق من المواطنين الروس تحررًا طال انتظاره من “الاستبداد الشيوعي الذي استمر على مدى 70 عامًا”، وآفاقًا واعدة بأن بلدهم سيصبح- في نهاية الأمر- شريكًا نديًّا للغرب، وبأن المواجهة الجيوسياسية للنظامين ستصبح في خبر كان إضافةً إلى الأمل بالارتفاع السريع لمستوى المعيشة في روسيا. أما الفريق المقابل، ومنهم الرئيس الروسي، فرأى في تفكك الاتحاد السوڤيتي “أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين”، ولا سيما أن روسيا، إبان هذا المسار، فقدت فضاءً ضخمًا تمثل في الجمهوريات السوڤيتية السابقة، وفقدت معه جزءًا كبيرًا من قدراتها الاقتصادية. وفضلا عن ذلك، فقدت موسكو مواقعها الجيوسياسية الثابتة في العالم.

غير أنه، وبصرف النظر عن أزمة الأيديولوجيا الماركسية- اللينينية “القديمة”، التي تخلى الروس عنها في معظمهم، فإن الطراز الليبرالي- الديمقراطي “الجديد”، الذي حل محلها بدا عاجزًا عن حل أي من مشكلات روسيا المعاصرة المعقدة.

ومن هنا عاد الاهتمام بحركة الأوراسية الأيديولوجية والاجتماعية- السياسية، التي كانت قد ظهرت بين الروس، الذين غادروا بلادهم بعد انتصار الشيوعيين سنة 1917، حين نشر أربعة مؤلفين، أبرزهم الأمير نيقولاي تروبيتسكوي، مجموعة مقالات شهيرة عام 1921، في العاصمة البلغارية صوفيا، بعنوان “الخروج إلى الشرق”، ثم انضم إليهم فيما بعد علماء شباب وكتاب وصحفيون وطلاب وضباط سابقون. وقد ظهرت الجماعات الأوراسية في براغ، وبرلين، وباريس، وبروكسل، والمدن الأوروبية الأخرى. وفي سنة 1927 تشكلت منظمة الأوراسيين السياسية.

لقد كانت هذه النظرية رد فعل إبداعيًّا للوعي القومي الروسي على “الكارثة”، التي تمثلت- في رأيهم- في انتصار الشيوعية، التي رأوا فيها نتاجًا للثقافة الأوروبية العلمانية وتعبيرًا متطرفًا عن النزعة التغريبية على الأرض الروسية. وأكد الأوراسيون أن “انتصار الشيوعية السياسي كشَف فقط عن الفقر الروحي للمجتمع الروسي”، وأنه “يبشِّر بالعودة الحتمية لعصر الإيمان”.

وقد ظهرت صحيفة “أوراسيا” (1928-1929) في باريس، وكانت منبرًا للأوراسيين من أنحاء العالم كافة قبل أن يتفرق شملهم بعد بضع سنين.

أما في الاتحاد السوڤيتي فبقيت الأوراسية، ككل الحركات السياسية الأخرى، محظورة، وفي ضوء ذلك نقل عن المؤرخ السوڤيتي- الروسي ليڤ غوميليوڤ (1912- 1992)، أحد مؤسسي الأوراسية الجديدة، الذي أعدم البلاشفة والده الشاعر نيقولاي غوميليوڤ سنة 1921، قوله: “أنا آخر الأوراسيين”.

وليس في الأمر غرابة؛ إذ إن أعمال دوستويڤسكي نفسه لم تحظَ باهتمام رسمي ملحوظ في الحقبة السوڤيتية.

وقد أدت مقاربته في رواية “الشياطين” لما جرى في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر إلى الحذر، الذي قوبلت به من البلاشفة.

فڤلاديمير لينين لم يحب دوستويڤسكي “البالغ الرداءة” (حسب وصفه)، وأعماله، وبخاصة رواية “الشياطين”، التي قال عنها إن “من الواضح أنها رجعية مقززة (…)”. وأضاف: “ليس لديَّ أي رغبة على الإطلاق في هدر الوقت عليها …”، وأضاف: “لقد تصفحت هذا الكتاب ورميته جانبًا. أنا لست بحاجة إلى أدبيات كهذه، فما الذي تستطيع أن تعطيني إياه؟ لا وقت فراغ لديَّ من أجل هذه القمامة”.

أما موقف الزعيم السوڤيتي يوسِف (وليس جوزيف) ستالين من الأديب الروسي، فلم يختلف كثيرًا.

فقد ذكر السياسي الشيوعي اليوغوسلاڤي الراحل ميلوڤان ديلاس أنه سأل ستالين خلال إحدى زياراته إلى موسكو، عن دوستويڤسكي، الذي كان ديلاس من أشد المعجبين به وقد أذهله جواب ستالين القارئ النهم، الذي قرأ رواية “الإخوة كارامازوڤ” عدة مرات، كما يؤكد المؤرخ السوڤيتي- الروسي بوريس إليزاروڤ في كتابه “حياة ستالين السرية” (2012). لقد قال الزعيم السوڤيتي للسياسي اليوغوسلاڤي عن الروائي الروسي إنه “كاتب عظيم ورجعي عظيم. ونحن لا نروج له؛ لأنه يؤثر في الشباب بصورة سيئة… لكنه كاتب عظيم”.

ولعله لذلك لم تظهر طبعات شعبية لكتب دوستويڤسكي إلا بعد سنة 1953.

ولم تتغير الأمور جذريًّا إلا بعد سنين طويلة، إثر تفكك الاتحاد السوڤيتي سنة 1991 وأفول الفكرة الشيوعية، ثم اعتلاء ڤلاديمير پوتين فيما بعد سدة الحكم سنة 2000، حين أصبحت الحاجة ملحة إلى “فكرة روسية” يلتف حولها مواطنو الاتحاد الروسي.

ومن هنا كان اهتمام پوتين بأعمال دوستويڤسكي، التي تدعو- في رأيه- إلى انتهاج طريق أوراسي حضاري لا إلحاد فيه، ولا انفلات، ولا تعصب.

وكان أن عادت الحياة مجددًا إلى النظرية الأوراسية على يد الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين، الذي سمته مجلة “أكتويل” الفرنسية في سنة 1994 “المفكر الأكثر تأثيرًا في مرحلة ما بعد الشيوعية”. ودوغين كان مستشارا لرئيس مجلس النواب الروسي (الدوما) (1998- 2003) وكان يؤكد دومًا، بما في ذلك في كتاب “الجغرافيا السياسية ما بعد الحداثة” (2007)، أن “… النظرية الأوراسية تمنح روسيا إمكانية تقديم نفسها، ليس كحصن لمكافحة العولمة والأحادية القطبية في العالم وحسب (…)؛ بل كصاحبة رسالة شاملة، قارية، وثقافة خاصة، تجمع بين الخصائص الشرقية والغربية …”. أما في كتاب “النظرية السياسية الرابعة” (2009)، وغيره من أعماله، فأكد انهيار الأيديولوجيات الثلاث الأخرى، التي كانت قائمة في القرن العشرين، وهي: الليبرالية، والشيوعية، والفاشية.

ودوغين- كما هو معلوم- “دماغ پوتين”، والعقل الجيوسياسي الأكبر لروسيا المعاصرة، وانبهاره بدوستويڤسكي ليس سرًّا. وقد أكد ذلك من جديد في مقال مطول له نشرته صحيفة “غيوبوليتيكا” الروسية (22/04/2019) ردًا على مقال في “الواشنطن بوست” (16/04/2019) اتهمه بالفاشية، وقال: “نعم، أنا عاشق لدوستويڤسكي!”. ويبدو أن روسيا الپوتينية لن تفوت هذه الفرصة، وستحتفل “كما ينبغي” بذكرى الكاتب الكبير، الذي ولد في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1821، (وهي بدأت بذلك في بعض المناطق) وستتاح الفرصة في روسيا وفي مختلف أنحاء العالم للنهل مجددًا من معين أدب العبقري الأوراسي فيودور (وليس فيدور) دوستويڤسكي.

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.