مجلة الشؤون العربية الأوراسية العدد الأول

ما بين التقارب والتحالف

كيف يمكن فهم العلاقة بين موسكو وبكين؟

يصادف يوم 16 يوليو (تموز) 2021 الذكرى العشرين لمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الروسية الصينية، التي شكلت تطورًا طبيعيًّا لاتفاقية الحدود السوڤيتية الصينية الموقعة من رئيس جمهورية الصين الشعبية جيانغ زيمين، ورئيس اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوڤيتية غورباتشوف في ١٦ مايو (أيار) 1991.

وقد أضفت اتفاقية عام 1991، ومعاهدة 2001، طابعًا رسميًّا على سياسة روسيا والصين التي وضعت حدًا للمواجهة التي استمرت 20 عامًا، وتشكلت بسبب النزاعات الحدودية بين البلدين في جزيرة دامانسكي، وبحيرة زالانشكول عام 1969. ومن الجدير بالذكر أنه تم إقرار إنهاء المواجهة، والتنازل عن أي مطالبات إقليمية في فترة مر خلالها البلدان بأزمة سياسية داخلية حادة؛ حيث مرحلة البيريسترويكا المأساوية في الاتحاد السوڤيتي التي انتهت بانهيار البلاد، وانقسام النخب في الصين ووجودها على حافة حرب أهلية جديدة خلال أحداث تيانانمين.

واليوم، عندما تصف قيادات البلدين العلاقات بأنها “أكثر من مجرد تحالف”، فهذا ينم عن حدوث تغيير نوعي في جوهر الاتصالات الثنائية؛ حيث إن تلك المرحلة الجديدة من العلاقات تحدد مسارًا نحو الانتقال من الحياد- فيما يخص علاقات كل من البلدين مع الولايات المتحدة- إلى تشكيل تحالف دفاعي كامل. وتعتمد طبيعة هذا التحالف، وعمق التكامل بين البلدين، والتزامات الحلفاء المحتملين، على شرطين رئيسين؛ وهما – أولًا وقبل كل شيء – زيادة إضعاف الولايات المتحدة؛ ومن ثم مواجهة إستراتيجية الاحتواء المباشر لروسيا والصين، فضلًا عن استمرار السياسة الحالية لڤلاديمير پوتين وشي جين بينغ التي تعمل على زيادة التقارب بين البلدين. يسمح الشكل الجديد للعلاقات لبكين باتباع سياسة أكثر نشاطًا في شرق آسيا، التي تعد منطقة اهتمام تقليدية للصين منذ القدم، في حين تُمكِّن روسيا من استعادة مواقعها في أوروبا الشرقية. والمستفيد غير المباشر من إضعاف الولايات المتحدة، هو الاتحاد الأوروبي، الذي يحاول تكوين علاقات مستقلة مع روسيا والصين، دون أي اعتبار للهيمنة الأمريكية.

ولا عجب في أن هذا التقارب يعد بالنسبة إلى واشنطن على مستوى مراكزها الفكرية، والسياسية، والعسكرية، والإعلامية، أخطر تطور للأجندة الجيوسياسية العالمية؛ لأنه لن يضمن خسارة الولايات المتحدة للهيمنة على العالم فحسب؛ بل سيشكل تلقائيًّا أزمة اقتصادية وسياسية داخلية حادة سينجم عنها تقليص تلقائي لمواقع الولايات المتحدة، كما هي الحال في البرازيل أو الهند اليوم؛ حيث إنها ستفقد سيطرتها على النظام التجاري والمالي العالمي.

اليوم أقرت جميع مراكز صنع القرار في واشنطن- دون استثناء- بأن الصين هي العدو الرئيسي والممنهج في تفكير الولايات المتحدة الأمريكية على مدار العشرين عامًا القادمة وهو ما يتضح من إصدار كتاب للأدميرال جيمس جورج ستافريديس (James G. Stavridis)، والكاتب أليوت أكيرمان (Elliot Ackerman)، في الولايات المتحدة، بعنوان “رواية من الحرب العالمية القادمة 2034” (A Novel of the Next World War 2034)، يرجع ذلك إلى النمو المتسارع جدًّا لتأثير بكين في الاتحاد الأوروبي، الذي يوجد على هامش الاقتصاد الأمريكي العالمي، والذي أصبحت الصين بالنسبة إليه – بالرغم من ظروف جائحة كوفيد 19- أكبر شريك تجاري في عام 2020، ومنافسًا قويًّا للولايات المتحدة.

إن المهمة الرئيسية لواشنطن في الاستعداد لهذا السيناريو المتمثل في الصدام المباشر مع الصين في الصراع على القيادة العالمية، تكمن في تحقيق أقصى عزلة للصين على الصعيدين السياسي والاقتصادي، بما في ذلك السيطرة- في المقام الأول- على إمدادات النفط الخارجية إلى الصين (حيث تشكل الواردات 65-70٪ من استهلاك النفط في الصين)، وكذلك فرض الحصار التكنولوجي على الصين على المستوى الدولي. ويصبح السلاح الطبيعي لواشنطن في العزل المرحلي للصين هو استخدام ذلك الجزء من الطبقة الحاكمة الصينية التي تشكلت على مدى 40 عامًا من التقارب بين الصين والولايات المتحدة، والتي تنهار اليوم مصالحها الاقتصادية بسبب السياسة الجديدة لشي جين بينغ.

العزلة السياسية

تحدد الولايات المتحدة عدة خطوط رئيسية لعزلة السياسة الخارجية للصين، أولاً: محاولة إيقاف نمو نفوذ الصين نحو باريس وبرلين، وإجبار البلدين على المشاركة بنشاط في الأجندة المناهضة للصين بشأن قضايا حقوق الإنسان في هونغ كونغ، وشينجيانغ، والتبت، وغيرها، وكذلك منع إبرام اتفاقية استثمار بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية الصين الشعبية. تحاول الولايات المتحدة تعزيز دور الناتو في المنطقة، ولكنها في المقابل تصطدم بنشاط الصين. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك زيارة وزير الدفاع الصيني وي فنغي في أبريل (نيسان) 2021 إلى المجر، وصربيا، ومقدونيا الشمالية، حيث عقد اجتماعات ليس فقط مع زملائه في وزارة الدفاع، ولكن أيضًا مع رؤساء تلك الدول. ومما يسترعى انتباهًا خاصًا في إستراتيجية الناتو المناهضة للصين هو تورط تركيا في الخط المناهض للصين بوصفها شريكًا أصغر في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما في ذلك أفغانستان.

الخط الثاني هو كبح محاولات الصين في إقامة نفوذ اقتصادي وسياسي على حلفاء الولايات المتحدة في شرق آسيا، حيث أصبحت الصين اليوم أكبر شريك تجاري بالنسبة إلى جميع هذه الدول تقريبًا، في حين تحتفظ الولايات المتحدة بهيمنتها الاقتصادية فقط بسبب العجز في التجارة مع اليابان، وجمهورية كوريا، وفيتنام، ودول أخرى، وفي حالة حدوث أزمة اقتصادية حادة هناك خطر فقدان ولاء هذه البلدان التي في الواقع يمكن أن “تشتريها” الصين. ولكبح جماح الصين، تنشئ الولايات المتحدة ما يسمى “الحوار الأمني الرباعي” (QUAD)، الذي يضم، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، اليابان والهند وأستراليا.

ويتمثل الخط الثالث في محاولة منع روسيا من الانخراط في تحالف دفاعي مع الصين يضمن للأخيرة الحد الأدنى من القدرة على القيام بأعمال عدائية نشطة في شرق آسيا فضلًا عن تبني مواقف ثابتة على الساحة الدولية. يضمن موقف روسيا الإيجابي تجاه النشاط الصيني في العالم استحالة وقوع الصين تحت ضغط الغرب في عزلة تامة على صعيد السياسة الخارجية، كما يتيح الفرصة لإنشاء ممر بري للتصدير إلى أوروبا، ومسار تصدير إضافي يمتد عبر القطب الشمالي، كما يضمن إمداد الصين بنحو 15 إلى 20 ٪ من استهلاك النفط في حال فرض تحالف (QUAD) حصارًا بحريًّا كاملًا عليها لمنع وصول المنتجات الهيدروكربونية إليها.

ليس لنا أن نستبعد حقيقة أنه في حالة تعميق التحالف الروسي الصيني، وخلق تهديد بتبادل الضربات النووية بين الولايات المتحدة والصين، فإن الصواريخ الصينية المنتشرة في شينجيانغ يمكن أن تنطلق بأقصى سرعة في مساراتها الممتدة عبر شمال أوراسيا والقطب الشمالي في اتجاه الولايات المتحدة. يسمح موقف روسيا المحايد من الصراع الصيني الأمريكي أيضًا لروسيا بأن تصبح منطقة عبور بين الصين والاتحاد الأوروبي، في حال ما إذا بقيت أوروبا رسميًّا في المعسكر السياسي العسكري الأمريكي، ولكنها لم تقاطع التجارة والتعاون الاقتصادي مع جمهورية الصين الشعبية.

الخط الرابع لاحتواء الصين هو احتواء الوجود النشط للصين في دول الشرق الأوسط، والمغرب العربي، وآسيا الوسطى، وباكستان؛ لأن الصين بالنسبة إلى جميع تلك الدول دون استثناء- ليست فقط الشريك التجاري الأكبر؛ ولكن أيضًا أكبر مشترٍ للسلعة الرئيسية في الشرق الأوسط؛ ألا وهي الهيدروكربونات. إن التغيير النوعي في تصنيف الولايات المتحدة من المشتري الرئيسي لنفط الشرق الأوسط إلى مصدر للنفط إلى أوروبا، أي منافس للشرق الأوسط، يدفع المنطقة إلى أحضان بكين، التي تنتوي تحقيق الحياد الكربوني فقط بحلول عام 2060، كما أعلن شي جين بينغ عام 2021. إن الوضع الذي ينشأ نتيجة أن تكون بكين مشتريًا للجزء الأكبر من الإنتاج في الشرق الأوسط، بل موردًا لجميع أنواع المنتجات التي تحتاج إليها هذه المنطقة في التنمية الاقتصادية، يخلق بوادر لأن يصبح الشرق الأوسط أول منطقة تقع خارج شرق آسيا تخرج من مجال نفوذ الولايات المتحدة، وتدخل- بشكل كامل- في مجال النفوذ التجاري والمالي والتكنولوجي الصيني. وقد صدرت الإشارات الأولى لهذا التحول العالمي من القيادة الأمريكية عن إيران، بعد أن أبرمت اتفاقية تعاون مدتها 25 عامًا مع بكين، تتضمن استثمارات بقيمة 400 مليار دولار. بالطبع، فإنه يستحيل تحقيق هذا التعاون دون وجود ممر بري مباشر يمتد من الصين إلى الشرق الأوسط، الذي يمكن أن يتمثل في دول آسيا الوسطى وأفغانستان، ولأجل ذلك بالتحديد يمكن أن نفهم انفتاح بكين بعد حوار ممتد مع حركة طالبان.

روسيا والصين.. تحالف مؤقت لمدة قرن

إن العوامل التي تسهم في التقارب بين روسيا والصين أكبر بكثير من حجم الخلافات بين البلدين. ولكن مع ذلك، بسبب الأجندة الدعائية القوية لوسائل الإعلام الغربية، وكذلك شركاؤها الروس، والتوجه التقليدي لبعض النخب الروسية نحو الغرب، فإن الدعاية غير العقلانية المعادية للصين وجدت أرضية في الاتحاد السوڤيتي، وخلال تلك الفترة انتشرت تلك الصور النمطية السلبية السائدة في المجتمع الروسي بسبب المواجهة الطويلة بين عامي 1969 و1989.

يتمثل العامل الموضوعي الأول والرئيسي للتقارب بين روسيا والصين في انتقال المركز الاقتصادي العالمي إلى شرق آسيا، حيث يتم تشكيل مركز اقتصادي جديد للعالم يمثل بالفعل نحو 50٪ من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وقلبه الصين والدول الناطقة بالصينية، مثل تايوان، وسنغافورة، ومجتمعات جنوب شرق آسيا الناطقة بالصينية، التي تتمتع بتأثير كبير، وتشكل في بلدان مختارة، مثل ماليزيا وتايلاند، نحو 30٪ من السكان. ووفقًا لمؤشرات موضوعية، لا يمكن للهند (الناتج المحلي الإجمالي نحو 1/5 مقارنة بالصين)، ولا لليابان (الناتج المحلي الإجمالي نحو 1/3 مقارنة بالصين)، ولا لكليهما معًا، تحدي تشكيل مركز اقتصادي بديل عن الصين ومحيطها الناطق بالصينية في العالم وآسيا؛ ومن ثم فإنه بطبيعة الحال ستعيد روسيا توجيه اقتصادها نحو شرق آسيا المتمركز حول الصين، وفي حال حدوث مزيد من تفاقم العلاقات الصينية الأمريكية، فإنها ستقوم بإحلال منتجات نظرائها من حلفاء الولايات المتحدة، وهو ما أصبح واضحًا الآن عندما قامت روسيا بإحلال واردات الفحم الأسترالي وجزءً من المنتجات الزراعية مستخدمة الأفضليات التي منحتها لها وزارة التجارة الصينية. في المقابل، بدأت الصين بإزاحة الأمريكيين من مشروعات الصناعة النووية الصينية، مثل محطة (Xudapu NPP) في منتصف عام 2021، في خطوة لا يمكن الاستهانة بها. ستؤدي زيادة التقارب بين روسيا والصين في المجال الاقتصادي إلى فتح أسواق كبيرة أمام الصناعات الروسية التقليدية وصناعات التكنولوجيا الرفيعة؛ مما سيشكل محركًا جديدًا لتنمية الاقتصاد الروسي. وفي حال الإسراع في إرساء دعائم الصناعة المحلية في روسيا في إطار خطة إحلال الواردات وتوطين الصناعات، فإنه سيتم توريد المعدات والآلات من الصين أيضًا. وﺧﻼﻝ اﻟﺳﻧوات اﻟﺧﻣس إﻟﻰ اﻟﻌﺷر المقبلة سيتجاوز حجم التجارة بين الاتحاد الروسي وجمهورية الصين الشعبية تجارة الأولى مع جميع دول الاتحاد الأوروبي لتصل إلى 200 مليار دولار، إلا أن إلغاء الدولار من المعاملات التجارية سيؤدي إلى أن يُستبدَل به اليورو وليس اليوان، وهذا هو الاتجاه الذي نشهده اليوم.

تعد معاداة موسكو وبكين لواشنطن- خلافًا للاعتقاد السائد- هي ثاني أهم عامل في التقارب بين روسيا والصين. إن الضغط الأمريكي المتزايد على مواقف روسيا داخل البلاد وفي مجال نفوذها التقليدي المتمثل في أوروبا الشرقية، والضغط الأمريكي على الصين في إطار الحرب التجارية التي أطلقتها الولايات المتحدة، واحتواء الصين في منطقة بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، أدى إلى توحيد روسيا والصين جهودهما في التعامل مع الولايات المتحدة داخل المنظمات الدولية. إن الضغط على روسيا والصين سينتج عنه- بطبيعة الحال- تكثيف جهودهما الأمنية. كما تجدر الإشارة إلى مشاركة روسيا في صناعة عناصر الدرع الصاروخية الصينية، فضلاً عن إقامة منصات جديدة للصواريخ البالستية العابرة للقارات في منطقة شينجيانغ بالقرب من الحدود مع روسيا. إن قضايا تحقيق الأمن المشترك لها دوافع طبيعية غير تلك القائمة على المعاداة لأمريكا. خلال المرحلة النشطة للحرب على الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي، من المفترض أن تؤدي المنطقة الواقعة شمال الصين دور العمق، ويجب أن تكون آمنة قدر الإمكان ومن جهة أخرى، سيكون لحرب روسيا مع القوات المسلحة الصينية آثار سلبية جدًّا في روسيا، وستضر بمصالحها. في الوقت نفسه، سيؤدي وجود التهديدات الأمنية على الحدود الصينية إلى إبطال إمكانية نشاط روسيا في أوروبا الشرقية. إن هذا التطور للأحداث لن يكون في مصلحة روسيا على الإطلاق؛ ومن ثم فإن أمن الحدود الروسية الصينية يمثل أولوية مشتركة لكل من روسيا والصين، في حين يعد جر الصين وروسيا إلى صراع، مهمة ذات أولوية بالنسبة إلى الغرب، والجماعات الموالية للغرب في موسكو وبكين.

إن عامل الضغط الأمريكي لا يؤدي إلا إلى تسريع التقارب بين البلدين، الذي في الغالب سيستمر في إطار الصراع الصيني الأمريكي، الذي سوف يمتد عدة عقود، وسيصبح المحور التاريخي الرئيسي للقرن الحادي والعشرين؛ ومن ثم، وإن كان التحالف الناشئ بين روسيا والصين هو تحالفًا مؤقتًا يحمل طابعًا ظرفيًّا، إلا أنه سيستمر فترة طويلة.

ومن أهم ما سيميز التعاون الدفاعي بين البلدين طبيعته الهجينة؛ حيث إنه تجنبًا لتوجيه الاتهامات إليهما بإنشاء تحالف عسكري يمكن أن يهيمن على آسيا والعالم، يفضل كلا الطرفين عدم إضفاء الطابع الرسمي عليه لتكوين تحالف دفاعي كامل مثل الناتو.

إنه من بين الأمور الشائكة، ولكن التي لا تحول دون التعاون بأي حال من الأحوال، الافتقار إلى التوافق بين البلدين فيما يخص قضايا مناطق معينة في العالم، ولا سيما آسيا الوسطى، وأفغانستان، والشرق الأوسط. كما أن المنافسة على الأسواق مستمرة بين عدد من الشركات الروسية والصينية، في حين أن كل هذه المسائل تحتاج فقط إلى إنشاء آليات تنسيق، التي ستظهر- بلا شك- في حال تعميق التفاعل.

إن نمو نفوذ بكين في العالم، الذي قد يكتسب طابعًا متقلبًا حال قامت بعملية عسكرية لضم تايوان بالقوة، سيجبر واشنطن على تغيير نهجها نوعيًّا في تناول القضية الصينية والبحث عن طرق أكثر جذرية لحلها. ومع ذلك، فإنه خلال الفترة التي يتولى فيها الحزب الديمقراطي السلطة في الولايات المتحدة، ستكون المقاومة الواسعة النطاق للصين مقيدة- تقييدًا كبيرًا- بمصالح الحزب الديمقراطي والرئيس جو بايدن في قلبها. كان الحزب الديمقراطي والنخبة الصينية المتحالفة معه ذات التوجه الأمريكي والمتمثلة في القيادة السابقة لعصبة الشبيبة الصينية هم من أنشأوا المجال الاقتصادي المشترك بين الولايات المتحدة والصين؛ ومن ثم لن تكون الفترة بين عامي 2021 و2024، وربما بين عامي 2024 و2028، فترة هجوم أمريكي قوي على مصالح الصين في العالم، ولن تتمكن الولايات المتحدة من بدء استعدادها النشط لحرب عالمية إلا تحت قيادة رئيس جمهوري جديد للولايات المتحدة. ويشير التشكيل الحالي للمرشحين المحتملين لرئاسة الولايات المتحدة من الحزب الجمهوري بنسبة 100٪ إلى أن أي مرشح جمهوري سيكون لديه أجندة معادية للصين.

إن معاداة شي جين بينغ لأمريكا التي عبر عنها من خلال رفضه الاندماج في السوق الأمريكية، وذلك بمبادرة التكامل الأوروبي الآسيوي، و”الحزام والطريق”، وكذلك عن طريق مذهب التنمية السيادية للصين من خلال شعار “النهضة العظمى للأمة الصينية”، تتجلى في التطهير السياسي الممنهج للنخبة الموالية لأمريكا في الصين، وهو ما ظهر بوضوح خاصة عام 2020، عندما أُقيل وزير الزراعة هان تشانغفو، ووزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات مياو وي، اللذان تسلما منصبيهما تحت إشراف الأمين العام السابق جين تاو.

ومن الجدير بالذكر أن بايدن، خلال حملته الانتخابية في نهاية عام 2020، وصف شي جين بينغ شخصيًّا بأنه عدو للحوار الصيني الأمريكي، متهمًا إياه بالإبادة الجماعية للأويغور وحرمان هونغ كونغ من الحكم الذاتي، وبمحاولة فرض السيطرة على بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي من خلال إنشاء مناطق حظر طيران تدل على سيطرة الصين القانونية على مياه إقليمية بمساحة تزيد عن مليوني كيلومتر مربع. أدى الرفض الحاد لشي جين بينغ بصفته زعيمًا للمجموعة السيادية المؤيدة للجيش في الصين، وتركيز بايدن على التحالف مع قادة عصبة الشبيبة، إلى الافتقار التام إلى الحوار بين قادة البلدين. وكان شي جين بينغ آخر رؤساء العالم الذين هنئوا بايدن بفوزه في الانتخابات، في حين امتنع الجانب الأمريكي عن تهنئة الجانب الصيني بالذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني في يوليو (تموز) 2021. وتعمد شي جين بينغ المشاركة في قمة المناخ الفرنسية الألمانية الصينية عبر الإنترنت عشية قمة المناخ التي أطلقتها الولايات المتحدة، وفي الوقت الحالي لا تزال مسألة أول لقاء شخصي بين زعيمي البلدين معلقة، كما تزداد العلاقات المعقدة بين البلدين توترًا باستمرار بسبب المعلومات التي تفيد باحتمالية حدوث صراع في مضيق تايوان.

تعد خطة شي جين بينغ في جذب الدول العربية في الشرق الأوسط إلى إطار نفوذ الصين من بين المهام المتعلقة بإنشاء حيز تجاري ومالي صيني منفصل عن الولايات المتحدة وقد حُدِّدت التوجهات الرئيسية لإستراتيجية الصين في الشرق الأوسط خلال زيارة شي جين بينغ للشرق الأوسط عام 2015، زار الزعيم الصيني إيران، والمملكة العربية السعودية ومصر تباعًا.

بعد ثورة الثلاثين من يونيو (تموز) 2013 التصحيحية في مصر، نشأت علاقة خاصة بين الزعيم المصري الجديد عبد الفتاح السيسي وزعيم الصين الموالي للنهج السيادي للجيش شي جين بينغ، وهو ما أدّى دورًا مهمًّا في جولة شي جين بينغ في الشرق الأوسط. اليوم تعد الصين هي الشريك التجاري الأول لمصر. وينبغي الأخذ في الحسبان إستراتيجية بكين الواسعة النطاق في إفريقيا، بما في ذلك ظهور أول قاعدة أجنبية لبكين في جيبوتي، في الواقع بهدف السيطرة على مضيق باب المندب، تعد بمنزلة “قناة السويس الثانية”.

إن موقف القاهرة والرياض وأبوظبي الإيجابي فيما يتعلق بالمشروع الصيني في الشرق الأوسط وإفريقيا، وكذلك الموقف المحايد- بشكل عام- خلال صراع بكين مع الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي، يعد هدفًا رئيسيًّا لبكين في علاقاتها مع البلدان العربية الثلاث المؤثرة. ومما له أهمية خاصة هو تمكين بكين من مرافقة حركة التجارة عسكريًّا في البحر الأبيض المتوسط. كما تجدر الإشارة إلى التنفيذ الناجح لمشروع منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر، وتحديث البنية التحتية لمصر والتحضير لإطلاق مشروع صناعي كبير في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس. وفي إطار الإستراتيجية الصينية الجديدة، تؤدي مصر دور نقطة الوصل التي تربط بين كثير من المشروعات الصينية في شرق إفريقيا والشرق الأوسط، وكذلك أبوظبي بمركزها التجاري العالمي وموانئها المتطورة، والرياض، التي توفر للصين إمدادات الطاقة، ولديها مشروع طموح يتمثل في رؤية (2030). أخيرًا، من مصلحة الصين أن يسود السلام والتفاهم في منطقة الخليج بضفتيه العربية والإيرانية، وذلك لوجود مصالح مشتركة بين الطرفين لا يمكن أن تنحاز فيها إلى طرف على حساب الآخر، وهو ما يمكنها- إلى جانب روسيا- من ضمان أمن المنطقة والملاحة البحرية، وخلق تفاهمات تطمئن البلدان العربية في الخليج المتضررة من سياسات إيران التوسعية في المنطقة، وهذا الدور تحديدًا قد ثبت بالتجربة أن واشنطن لا يمكنها القيام به.

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.