مجلة الشؤون العربية الأوراسية العدد الأول

جبروت السلطة الروسية

مستقبل روسيا ما بعد پوتين

في تسعينيات القرن الماضي، بدا للكثيرين (بمن فيهم من هم في الخارج) أن الديمقراطية قد انتصرت أخيرًا في روسيا، انتصارًا لا رجعة فيه. وقد كنت من المتشككين؛ حيث إنه بداية من القرن السابع عشر، بعد الاضطرابات الاجتماعية الكبرى، بدأت روسيا بالعودة إلى النظام الاستبدادي، وهذا ما لاحظه معارضو البلاشفة في عشرينيات القرن الماضي.

بالطبع، إلى حد ما يمكننا القول إن الديمقراطية في روسيا اليوم قد انتصرت في النهاية: “نُفِّذت إصلاحات ليبرالية في الاقتصاد، والبرلمان يعمل بانتظام، وقُنِّنت الملكية الخاصة”. لكن هل الروس سعداء؟ هل هم راضون عن المستوى الحالي للحقوق الشخصية؟ هل يعترفون بدور الدولة بوصفها ضامنًا لهذه الحقوق؟

في الواقع، نحن نشهد تراجعًا واضحًا إلى الدكتاتورية. فبفضل التعديلات الدستورية الأخيرة، أصبح لروسيا الآن رئيس أبدي، وهذا ليس بسبب غياب الليبراليين في البرلمان، أو استبداد ڤلاديمير پوتين؛ بل بسبب المفارقة التي تمثلت في أنه نتيجة للإجراءات الديمقراطية انصرف الوعي الجماهيري عن الديمقراطية. لا يزال هناك تقسيم مروع للمجتمع إلى طبقة ضئيلة من الأثرياء، وطبقة ضخمة من الفقراء، وهو أمر لا يتناسب مع أي شكل من أشكال الديمقراطية. ومع ذلك، يعتقد الناس أن البيروقراطية الفاسدة تظل هى السيد الحقيقي للبلاد. بالإضافة إلى احتكار الدولة الفعلي لوسائل الإعلام.

يبدو أن هذا الوضع لم ينشأ نتيجة الميول الاستبدادية للشعب الروسي فحسب؛ ولكن أيضًا بسبب افتقارهم إلى مهارات التنظيم الذاتي، وغياب المجتمع المدني المكتمل. ويعد هذا- بالتحديد- هو السبب وراء تحول السلطات بكاملها نحو خدمة الدولة، ودعم مجموعات النخبة المهمة.

ونتيجة لذلك، قوضت تمامًا ثقة الناس بأي مؤسسة ديمقراطية، وأي حزب سياسي ديمقراطي. أصبحت كلمة “ليبرالي” لفظًا نابيًا، وشعر الناس بخيبة أمل من كل أنواع السياسة. كما أصبحت النتيجة الواقعية للإصلاحات في روسيا هي جعل النظام السياسي يتسم ظاهريًّا بالديمقراطية، ويتزيّا بزيها في ظل الانتصار الكامل للثقافة السياسية المناهضة للديمقراطية.

بناءً على ذلك، من الضروري طرح سؤال عن سبب انهزام الديمقراطية في روسيا. ما أسباب هذه الحركة التي تبدو غريبة للوهلة الأولى، وتشبه التأرجح بين الثورة والاستبداد في روسيا؟ (لقد حدث ذلك مرتين في القرن العشرين، في عامي 1917 و1991). لا يمكننا التحدث عن آفاق التحول الديمقراطي في روسيا إلا بعد فهم أسباب فترات الصعود والهبوط الدورية للاستبداد.

بالطبع، في كل مرة كان من بين العوامل المؤثرة سوء تقدير القادة الديمقراطيين، الذي لم يكن عرضيًّا، بل كان أصيلًا تمامًا. على سبيل المثال، عام 1917، وقع السياسيون الليبراليون والاشتراكيون تحت تأثير التخطيط لكميات كبيرة من الخطط الفارغة من جهة، والخوف من اتخاذ القرارات من جهة أخرى. وفي التسعينيات من القرن العشرين، فكر الديمقراطيون من مختلف المذاهب- أولًا وقبل كل شيء- في إمكانية تنفيذ مشروعاتهم الخاصة من خلال الدولة، أو- في أسوأ الأحوال- الوصول إلى منبر مجلس الدوما. ومع ذلك، فإن أسباب كون روسيا “غير ديمقراطية” أعمق بكثير.

بالنسبة إليَّ شخصيًّا، بدا الأمر واضحًا، وكنت قد كتبت عنه أكثر من مرة. ومع ذلك، يجب أن أعترف أنني لم أقابل كثيرًا من الاهتمام بذلك في روسيا. بصفتي مؤرخًا، أود أن أضع في المرتبة الأولى عددًا من العوامل المملة- إلى حد ما- التي تعود جذورها إلى الماضي الروسي البعيد. لكن أولاً وقبل كل شيء، علينا- في رأيي- أن نتأمل: “ماذا تعني الديمقراطية في روسيا، إذا نحينا جانبًا محاولات ترجمة معنى هذه الكلمة حرفيًّا؟” يبدو أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى إجابة واحدة: “تحرير الفرد من العناق الخانق للدولة الروسية التي أصبح الاستبداد أحد تقاليدها”. ولكن من أين أتى هذا؟

لسوء الحظ، فإن مفهوم الدولة بوصفها قوة تهيمن على الناس، وتنظم جميع العمليات الاجتماعية، هو جزء لا يتجزأ من التقاليد الروسية. كل شيء في روسيا تم وما زال يتم من خلال الدولة، التي دائمًا ما كانت منخرطة في خدمة الذات وتمجيدها. هذا هو السبب في أن العوامل الثقافية والتاريخية المذكورة أدناه تستمر في التأثير بشكل خفي حتى يومنا هذا.

يمكن النظر إلى الديمقراطية على أنها إحدى التقنيات التي حينما تظهر في أحد مجالات النشاط البشري تتطلب حدوث تحول تقني مماثل في شتي المجالات الاجتماعية الأخرى عادة ما تكون التكنولوجيا وليدة النقص والحاجة إلى الأشياء الضرورية، لكن في الوقت نفسه، لم تكن روسيا في البداية دولة تتميز بالتكنولوجيا بحكم مساحاتها “اللامحدودة”على أي حال، كانت التكنولوجيا فيها وليدة للنمو الاقتصادي الأفقي، وليس الرأسي. في البداية، ارتبط تحول حياة الإنسان إلى التكنولوجيا بالاقتصاد الزراعي؛ ففي روسيا، لم يكن ما يسمى بزراعة “المهاجرين” في البداية مجرد عقبة أمام تطوير تقنيات النمو الرأسي؛ بل عقبة أمام تطوير كيان الدولة.

لا يرجع الفضل في نشأة الديمقراطية إلى الصناعة فحسب؛ بل إلى التجارة أيضًا. كان لا بد من بيع المنتجات الفائضة بشكل فعال، وكانت الطريقة الأكثر ربحية هي القيام بذلك في ظروف مناخية مواتية عن طريق الشحن، وهو ما لم يكن متوافرًا في روسيا. بالإضافة إلى أنه لم يكن لديها ما يمكنها تداوله تجاريًّا؛ حيث كان هدف الفلاحين الرئيسي هو تحقيق التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، أي الإنتاج بالقدر الذي يوفر الاحتياجات الأساسية.

بالطبع، كانت علاقات السوق موجودة دائمًا، لكنها ظلت ضعيفة، حتى إنه في القرن العشرين ظلت شبكة النقل الروسية غير كافية للتطور المستقر للاقتصاد الرأسمالي اعتمدت البرجوازية على الدولة اعتمادًا كبيرًا، وعاملتها البيروقراطية بارتياب علني.

يعد الاستبداد سمة مميزة للمرحلة الأولى من تطور جميع البلدان والشعوب. ويعتمد وجود كل دولة على قدرتها على حل مشكلة التدفق المستمر للإيرادات إلى الميزانية، أي تحصيل الضرائب. كما هو معروف، تكمن أسطورة “دعوة الفارانجيين”·، في قلب أسطورة ” تنظيم الدولة الروسية”؛ حيث كانت مشكلة تنظيم الدولة تُحَلُّ من خلال جلب قوة جبارة من الخارج. لكن الفارانجيين، فشلوا واقعيًّا في حل مشكلة التحصيل المنتظم للضرائب، في حين نجح فيها المغول؛ لم يحل الباسكاك (طبقة عسكرية من الحكام المغول) مشكلة تحصيل الضرائب فحسب؛ بل أيضًا مشكلة شبكات النقل الحكومية. وليس من قبيل المصادفة أنه بدأ بعدهم ما يسمى بتوحيد الأراضي الروسية، الذي حل محل “الانقسام الإقطاعي” السابق، أي إن (الحكام المغول) هم من ألهموا الحكام الروس فيما بعد لتوحيد هذه الأراضي الشاسعة بدلاً من تقسيمها إلى إمارات صغيرة متصارعة.

في الوقت نفسه، تسبب تنظيم الدولة القائم على القوة في اغتراب عامة المنتجين الزراعيين عن دولتهم، وهي ظاهرة لا يزال تأثيرها محسوسًا حتى يومنا هذا. في هذا الصدد يجب الانتباه لحقيقة أن النخبة الحاكمة في الإمبراطورية الروسية ظلت- فترة طويلة- تنتمي إلى أصول أجنبية (وهو ما لا يزال ملحوظًا إلى حد ما حتى اليوم): ذهب الفارانجيون ذوو الأصل الإسكندنافي، والمغول، ليحل محلهم البريطانيون، والألمان، والفرنسيون، واليهود، وكانوا من حاملي المبادئ التكنولوجية الضرورية لتحقيق الانضباط. حتى بناء الكرملين في موسكو يعد جزء كبير منه نتاج عمل فنانين إيطاليين. وبطبيعة الحال، أدّى هذا إلى نشوء اغتراب ثقافي للجزء الأكبر من السكان التقليديين عن الدولة ومؤسساتها وهو أمر ما زال واضحًا حتى اليوم للعيان. ومع ذلك، كان هؤلاء الأشخاص فخورين- بصدق- بنجاحات الدولة، وكان هذا هو ما أدّى إلى زيادة ثقتهم بأمنهم.

إن الدولة هي نظام- بالإضافة إلى الأمور الأخرى- مكون من مؤسسات ترتبط ارتباطًا وثيقًا- بشكل أو بآخر- بقدرة الحكم الذاتي لغالبية السكان، خاصة الفلاحين. ومع ذلك، فإن إمكانات الحكم الذاتي للفلاح الروسي لم تتجاوز مجال الاقتصاد البدائي (مجتمع الفلاحين الذي استمر حتى ثلاثينيات القرن العشرين). بدأ هذا المجتمع يتحول إلى مؤسسة اجتماعية حكومية لتحصيل الضرائب من ناحية، ولكن من الناحية الأخرى، ظل مؤسسة عفى عليها الزمن، معارضة للدولة النظامية حتى بداية التنظيم الجماعي في عهد ستالين أما بالنسبة إلى المؤسسات الأخرى، فقد حولتها الدولة الروسية، باستخدام النماذج الغربية، إلى أداة خاصة بها تسمح لها بالتحكم في سلوك السكان. إضافة إلى ذلك، أعادت الدولة الروسية تشكيل الفضاء الاجتماعي بطريقتها الخاصة، وحولته إلى منظومة من الطبقات المستعبدة، التي قُسِّمَت إلى طبقات خدمية (الجيش، والبيروقراطية المتمثلة في طبقة النبلاء) وطبقة الفلاحين التي وقع على عاتقها الجزء الأكبر من الالتزامات الضريبية. في الواقع، حتى رجال الدين الأرثوذكس- الذين كانوا زعماء رئيسيين لأيديولوجيا الحكم الأوتوقراطي الروسي- أُخضِعوا للعبودية.

سعت الدولة إلى فرض السيطرة الكاملة على طبقات المجتمع؛ ومن هنا اشتد النضال ضد الأقنان الهاربين، حتى إن “الإقطاعيين” كانوا يرتزقون- بشكل أساسي- من القيصرلم يكن الحكم الذاتي في المدن، الذي أدخله بطرس الأكبر، حكمًا ذاتيًّا بمعنى الكلمة؛ حيث كانت هيئات “الحكم الذاتي” تخضع للدولة المتمثلة في الحاكم، والحاكم العام والنواب ونتيجة لذلك، اتبعت الإمبراطورية الروسية، منذ عهد بطرس الأكبر، طريق التغريب الصوري؛ مما أدى إلى ظهور دولة استبدادية زائفة متأوربة المظهر فقط. ومما له مدلول رمزي هو أن الديمقراطيين في أوائل التسعينيات اختاروا “الفارس البرونزي” (تمثال فارس للإمبراطور الروسي الأول بطرس الأكبر) رمزًا لهم.

ومن المفارقات أن العامل الجيوسياسي أثر أيضًا بعمق في نظام العلاقات بين الدولة ورعاياها، ولم يقتصر الأمر على المخاوف من التهديد الخارجي من جانب “الغرباء”؛ بل إن الجغرافيا السياسية بالنسبة إلى الدولة هي مشكلة تحويل المساحات “الشاسعة” من الأراضي والسكان إلى فضاء (مغلق) يمكن للسلطة إدارته. إن “الاستعمار” الروسي ليس توسعًا عدوانيًّا، كما يبدو لمختلف أصحاب الروسوفوبيا، وليس مسيانية ثقافية، كما يحاول السياسيون المعاصرون تصويره؛ بل إنه بالنسبة إلى الدولة الروسية يتمثل في مسألة السيطرة على فضاء قابل للسيطرة (آمن من الخارج والداخل). وليس من قبيل المصادفة أن القيصر المستبد إيڤان الرهيب (إيڤان الرابع) كان في البداية ضد استعمار سيبيريا التي فُرضت عليه من القوزاق غير الخاضعين للسيطرة الكاملة، وهم طبقة عسكرية مهاجرة، أصبحت كذلك في النهاية طبقة خدمية (مهمتها الأساسية خدمة الدولة). في هذا السياق أيضًا، يجب ذكر بيع ألاسكا إلى أمريكا (بالطبع، لم يمنع كل هذا الحكومة الروسية في القرن التاسع عشر من الشروع في استنساخ نماذج السياسات الإمبريالية في العالم في ذلك الوقت). أثار نمط الدولانية الروسي، وما تبقى من الإيمان بالجماعة، ظهور سلوك اجتماعي قطيعي “أوكلوكراسي” (حكومة الدهماء)، وليس مدنيًّا في الظروف الاستثنائية القصوى.

عادة ما تُربَط سمات الاستبداد الروسي بهيمنة الثقافة السياسية البيزنطية الأرثوذكسية. لا أعتقد أن هذا التأثير كان قويًّا جدًّا؛ حيث كانت السلطات بحاجة إلى دين رسمي وكنيسة مطيعة، وهو ما حققته في النهاية. لم تؤثر المسيحية الشرقية إلا في المؤرخين، الذين حاولوا تقديم تفسير للأحداث مستندين في ذلك إلى الكتاب المقدس (ما كان له تأثيره في الأساطير الحديثة). أما بالنسبة إلى الجزء الرئيسي من السكان، فقد عاشوا حتى القرن العشرين في حالة غريبة من “الإيمان المزدوج” (الأرثوذكسية وآثار الوثنية) ملتزمين- التزامًا أساسيًّا- بالجزء الطقسي من المسيحية (لا تزال الطقوس في روسيا تؤدي دورًا كبيرًا بشكل مبالغ فيه). سادت وسط الفلاحين رؤية قائمة على ما يسمى بالتوفيق بين الأديان، حيث شكل الحقيقي والخيالي والرمزي كلًا لا ينفصل ولا يتجزأ، ولا يزال هذا محسوسًا حتى يومنا هذا، حيث تُمنَح بعض المؤسسات خصائص سحرية معينة.

ترتبط هذه التوجهات بالنظام الأبوي للدولة؛ حيث تضع السلطات نفسها على رأس “الأسرة الكبيرة”، وتؤدي دور المالك الرئيسي الذي يعيد توزيع الناتج القومي الإجمالي. وفي هذا السياق، كان يُنظر إلى القنانة على أنها جزء من الرعاية “الأبوية” للفلاحين. واستمر هذا الوضع حتى عام 1861، وكان إلغاء القنانة مؤلمًا جدًّا للفلاحين. في هذا الصدد تبينت- بوضوح- سمة مميزة أخرى: “مع أنه نادرًا ما استخدمت الدولة عقوبة الإعدام خلال القرن التاسع عشر (وكان معظمها في محاولات الاعتداء على أحد أفراد العائلة الإمبراطورية)، فإن عدد حالات القتل الانتقامية خارج نطاق القانون كان مرتفعًا ارتفاعًا غير عادي (خاصة في الجيش)”. انعكس هذا الوضع المنافي للأسس الأخلاقية في الأدبيات الروسية العظيمة، بدءًا من أعمال ألكسندر بوشكين، وانتهاءً بليف تولستوي، وفيودور دوستويڤسكي. هكذا كان الأدب هو الخصم الأخلاقي الرئيسي للأوتوقراطية الروسية.

وقد وقف نظام الحكم البيروقراطي- بقصد، أو بغير قصد- في وجه “المثل العليا” للنظام الأبوي، الذي اعتقد أنه لا يتطلب من السلطة الوجود فحسب؛ بل عليها أن تكون “قريبة من الشعب وهويته”، لكن البيروقراطية بدت “بلا روح”، و”غريبة عنه”؛ ومن هنا جاءت الفجوة المؤلمة المتزايدة بين الشكل والمحتوى. يعتقد بعض الباحثين أن التطور الزائف هو خاصية مميزة لروسيا: “فالجميع يتظاهر”.

كذلك يعود ترسيخ النظام الأبوي إلى حقيقة أنه لم يكن هناك في روسيا تعليم جامعي مستقل- ولو قليلًا- حتى القرن الثامن عشر. كما أعاق كل هذا بناء مجتمع بالمفهوم الأوروبي للكلمة: “لم يكن هناك في روسيا مواطنون بالمفهوم المعتاد؛ بل فقط رعايا حولتهم الدولة إلى فئات تنحصر مهامها في خدمة الدولة”؛ لذلك السبب بالتحديد قُدِّر للمثقفين- لأنهم أشخاص مستقلون نسبيًّا عن خدمة الدولة- أن يؤدوا هذا الدور المهم في معارضة كيان الدولة. في الوقت نفسه، يجب الأخذ في الحسبان الطبيعة المتناقضة لموقف المثقفين تجاه الدولة؛ فهم، مثل الشعب، لم يحبوا، وما زالوا لا يحبون كيان الدولة الضعيف وحسب؛ بل يحتقرون الحكام غير الأكفاء؛ لذا تعد طبقة المثقفين الروس المعاصرة شريحة مبدعة غير معروفة إطلاقا في الغرب، حيث تظهر استطلاعات الرأي مستوى عاليًا جدًّا من خنوع التكنوقراط المعاصرين وأصحاب المهن الحرة للسلطة.

بطريقة أو بأخرى، تشكلت في روسيا عقلية دولانية، أو بعبارة أخرى، تحول الإيمان بالدولة إلى دين إمبراطوري (إمبراطوري أولي) ينص على نوع خاص جدًّا من السلوك الاجتماعي. لم يكن الإنسان الروسي قادرًا على الإيمان بالإبداع الفردي، فقد كره الجهود الجماعية المؤسسية (على عكس المفاهيم الرسمية التي تصور أنه تميز بجماعية خاصة والتي ظلت حتى يومنا هذا). لم يبق له سوى الإيمان بالدولة “المثالية”. فليس من قبيل المصادفة أن الفلاح الروسي كان يهرب من صاحب الأرض السيئ، في حين كان دائمًا على استعداد أن يخضع للدولة، خاصة إذا كانت قوية. ومن ناحية أخرى، يولد هذا الإيمان ميلًا إلى التمرد الظرفي، خاصة ضد الحاكم “الضعيف” (الذي لا يقوم بواجباته الطبيعية). يستمر نمط التفكير هذا حتى يومنا هذا؛ ومن هنا جاءت رغبة الدولة في السيطرة على الفضاء الإعلامي، التي بلغت ذروتها في الدولة البلشفية القائمة على الدعاية كما تعمل الدولة الروسية الحالية أيضًا على تعزيز دورها في حياة الروس من خلال وسائل الإعلام الحديثة. يمكن القول إن قدرة الدولة على السيطرة على عقول رعاياها اليوم ولأول مرة في تاريخ روسيا، قد تضاعفت عدة مرات.

عندما تضعف المبادئ المنطقية، وعندما لا يتم تنفيذ النهج البراغماتي، تبدأ العواطف- التي تكون في بعض الأحيان “غير عقلانية”- بالسيطرة بطريقة أو بأخرى. يمكن القول إن الفضاء السياسي الروسي لم يكن براغماتيًّا بشكل كافٍ، بالإضافة إلى أنه كان عاطفيًّا جدًّا؛ ومن هنا جاءت ظاهرة المثقفين الروس المنتمين إلى مختلف الطوائف، الذين يجمعهم سخطهم من النظام الاستبدادي القائم. يُعَد المثقفون (حسب الدولة) طبقة اجتماعية “زائدة” لا أهمية لها؛ ومن هنا جاءت رغبة البلاشفة في خلق نخبة مثقفة جديدة خاصة بهم- مكونة من “الفلاحين والعمال”، تكون مهمتها الأساسية خدمة الدولة. بالطبع، شعر المثقفون بألم اغترابهم عن البيئة الاجتماعية “المؤممة”. في الوقت نفسه كان المثقفون هم الطبقة الوحيدة التي حاولت التفكير بعقلانية، مسترشدة- وهي غير ناقدة- بنماذج سياسية غربية معينة.

في الوقت نفسه، يعد المثقفون نتاجًا ثقافيًّا، مثله مثل كيان الدولة الإمبراطورية الروسية المتأورب منذ زمن بطرس الأكبر (وإن كان ظاهريًّا فقط). إن المثقفين الروس هم- بلا شك- نتاج التنوير الأوروبي، ولكنه نتاج سياسي (أو بالأحرى شبه سياسي) يشكل خطرًا على الدولة، فقد أدت سمات العقلانية- بالتأكيد- إلى تدهور الطبقة البيروقراطية كذلك (ماسونية البيروقراطية العليا في أواخر القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر)؛ ومن هنا زاد انصراف كيان الدولة الذي يلعب دور “الشرطي” عن عامة الشعب من المثير للاهتمام أن كيان الدولة الروسية لم يشعر قط بالقوة؛ بل سعى دائمًا إلى التظاهر بها. بدأ المثقفون، من جانبهم، يحاولون إيجاد طريق للوصول إلى الشعب، في إثارة تمرده العفوي- بقصد أو بغير قصد- منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ مما أدى إلى نشوء الأزمة الثورية في أوائل القرن العشرين، التي تعد مماثلة تمامًا في محتواها العقلي والنفسي لفترة الـ “سموتا” (الفتنة) في القرن الثامن عشر، و”للثورة” الأخيرة في نهاية القرن العشرين.

بمَ تتعلق احتمالات التحول الديمقراطي في روسيا؟ من الناحية النظرية، تكمن الأهمية الرئيسية في قدرة السلطات نفسها على “أن تصبح أكثر ذكاءً”، وأن يكون لديها الاستعداد لذلك؛ ومن ثم إيجاد الآلية المثلى لإرساء الديمقراطية في روسيا، لكن هذا غير مرجح بالنظر إلى التجربة السياسية خلال الثلاثين عامًا الماضية. إضافة إلى ذلك، من غير المعقول تخيُل أن تقوم السلطات، ولا سيما البيروقراطية، بفعل ذلك على حساب نفسها. يرغب غالبية الروس في رؤية الدولة ضامنًا قويًّا لحقوقهم وأمنهم، في حين تكمن قوة الدولة تاريخيًّا ونظريًّا- في النموذج الذي يعطي الأولوية للقانون وحقوق المواطنين. ومع ذلك، كان هناك اعتقاد شائع في روسيا أن الفرد هو الذي يكون في خدمة الدولة، وليست الدولة في خدمة الفرد.

هل لدى المجتمع الروسي المعاصر توجه نحو الديمقراطية؟ أكد علماء الاجتماع أن ذلك قد حدث بالفعل منذ زمن بعيد، حيث قامت ثورة القيم في أذهان الروس في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. منذ ذلك الحين، رفض الناس التضحية بأنفسهم من أجل “المستقبل الشيوعي”، فأصبح الازدهار المادي هو القيمة الأساسية في الحياة بالنسبة إليهم، بالرغم من المثل العليا المفروضة عليهم. لم يكن على النخبة الديمقراطية في حقبة ما بعد الاتحاد السوڤيتي ترسيخ قيم ليبرالية وغربية جديدة. كان من شأن الحرية وأولوية المصالح الفردية أن يكونا سببًا منطقيًّا لتوحيد الجزء الأكبر من الناس في فترة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين. وفي الوقت نفسه بعد أن فقد الروس مُثلهم العليا القديمة، لم يكونوا آنذاك أمة، ولا حتى مجتمعًا بالمعنى الغربي للكلمة؛ وإنما مجرد سكان (متفككين)، وليس مواطنين. أدرك الروس استحالة تحقيق تصوراتهم عن القيم على أرض الواقع؛ مما هدد بحدوث فوضى اجتماعية، من شأنها أن تتفاقم حتى تصل إلى أزمة شاملة وحادة، وليس ثورة سياسية. وفي ظل هذه الظروف، كانت العودة إلى الاستبداد مستحيلة.

أعطى “الاستقرار” السائد في وقتنا هذا للروس إحساسًا زائفًا بأنه على الرغم من التفكك والركود على مختلف الأصعدة، فإن البلد كله يسير في الاتجاه الصحيح. حدث شيء مشابه في العهد السوڤيتي. كان ينظر إلى أي صعوبات على أنها قصيرة الأجل، وأن الحكومة ستساعد على التغلب عليها. كان هذا النمط من التفكير محفوفًا بخيبات أمل كبيرة ومن ثم يهدد بحدوث نزاعات اجتماعية عفوية.

لكن هل يمكن أن تكون هناك ديمقراطية في بلد لا تهتم حكومته بالكرامة الشخصية لمواطنيها؟ حيث لا تهتم الحكومة بالسكان، ولا يهتم السكان بكيفية اتخاذ قرارات معينة تتعلق بالسلطة؟ لا توجد ديمقراطية، حيث لا يشعر الإنسان أن شيئًا ما يتوقف عليه. ما دامت الدولة في روسيا لم تنفصل عن الممتلكات، ولم توضع مؤسساتها تحت سيطرة العامة، فعلينا أن ننسى أمر تحديث المنظومة السياسية الروسية.

بشكل عام، يمكن القول إن المواطن الروسي العادي يسعى تارة إلى الديمقراطية، وتارة يتخبط خوفًا منها. وباتباع منطق التنمية الروسية هذا، من الممكن الافتراض أنه سيأتي بعد پوتين عهد آخر من تلك “الديمقراطية”، لكن هذا أمر مشكوك فيه.. “إن جيل الشباب قليل العدد وخنوع جدًّا؛ ما يجعله غير قادر على بناء نظام ديمقراطي فعال”.

ومن المثير للدهشة أنني قد شرحت شيئًا من هذا القبيل في ندوة في أكسفورد، في مارس (آذار) عام 2008، بعنوان “من يريد الديمقراطية في روسيا؟”. لم يصدقني أحد عندما قلت إن روسيا تتجه نحو الاستبداد، مع أنهم انصتوا باهتمام. كما عارضني ممثلان عن مجلس اللوردات البريطاني، ولكنني أعتقد أنهما قد اقتنعا منذ فترة بأنني كنت على حق.

  • (الفارانجيون) هو الاسم الذي أطلقه السلاڤ والإغريق على الشعوب الاسكندنافية، والمقصود بـ “دعوتهم” هو ذلك الحدث المفصلي في التاريخ الروسي، الذي ينكره بعض المؤرخين، ومفاده قيام النبلاء السلاڤ بدعوة روريك، أحد أمراء الڤايكينج لحكم البلاد وتنظيم شؤونها، ويؤرخ لهذا الحدث بالعام (826)، عندما أصبح أول أمير للسلاڤ الشرقيين ومؤسس سلالة روريك التي حكمت ما تُعرف الآن بالأراضي الروسية وأجزاء من جوارها (862- 1598)، وخلفهم في الحكم أسرة رومانوڤ، ذات الأصل الألماني (1613- 1917)
ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.