مجلة الشؤون العربية الأوراسية العدد الأول

ولاء أم احتجاج؟

المشاعر اليمينية لدى المهاجرين من الاتحاد السوڤيتي سابقًا إلى إسرائيل

منذ أواخر الثمانينيات، هاجر نحو مليون يهودي من الاتحاد السوڤيتي سابقًا إلى إسرائيل، مما كان له تأثير كبير في جميع مجالات الحياة الاجتماعية فيها. ولم تكن الحياة السياسية للدولة الإسرائيلية استثناءً من ذلك.

في إسرائيل.. (روسي) تعني: (يميني)

في عام 2010، قال الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون، في حوار مع مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy)، إن المهاجرين الناطقين بالروسية يمكن أن يعوقوا تحقيق السلام في الشرق الأوسط، وهم الأقل استعدادًا لتقديم التنازلات للسكان الفلسطينيين.

وبالطبع، أثار تصريح الرئيس الأمريكي كثيرًا من الانتقادات، لكن مع ذلك اتفق معه في الرأي كثير من الشخصيات العامة والسياسية الإسرائيلية المعروفة، مثل الناشط الحقوقي أوري أفنيري، والشاعر ناتان زاخ، والصحفي جدعون ليفي، وغيرهم. وقد عبّر هؤلاء في منشوراتهم وتصريحاتهم العامة- مرارًا وتكرارًا- عن خيبة آمالهم نتيجة الهجرة الروسية التي دعمت الميول اليمينية في المجتمع الإسرائيلي.

يعد من بين أنصار المعسكر اليميني معظم السياسيين الناطقين بالروسية في إسرائيل، وأشهرهم وزير الدفاع السابق، ووزير المالية الحالي أفيغدور ليبرمان، الذي ذاعت شهرته بـ “الصقر” خارج حدود إسرائيل. ومن بين المستوطنين اليمينيين الذي يحظون بشعبية: أبراهام شموليفيتش، المنشق السوڤيتي السابق، والحاخام في الخليل حاليًّا، ولاريسا تريمبوفلر عمير، زوجة يغال عمير، قاتل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين، وأفيغدور إسكين، المتهم عام 2001 بالتواطؤ في تدنيس المقدسات الإسلامية، وحرق مكتب منظمة “دور شالوم” السلمية، وتاتيانا سوسكينا.

وفقًا لرأي الصحفيين الإسرائيليين، تتميز وسائل الإعلام المطبوعة والإذاعات والقنوات التلفزيونية الناطقة باللغة الروسية بالاحترافية في دعايتها اليمينية، وهكذا يمكن القول إن الهجرة من الاتحاد السوڤيتي سابقًا كانت عاملاً مهمًّا في تحول المجتمع الإسرائيلي إلى اليمينية في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. لكن كيف يمكن تفسير ظهور المشاعر اليمينية لدى المهاجرين أنفسهم؟

من النخبة إلى قاع المجتمع

كان معظم اليهود في الاتحاد السوڤيتي ينتمون إلى الطبقات العليا من المجتمع السوڤيتي. في عام 1989 وفقًا للنسبة المئوية، كان هناك 43.3٪ منهم حاصلون على شهادات جامعية، احتل يهود الاتحاد السوڤيتي المرتبة الثالثة بعد يهود الولايات المتحدة (53.1٪)، وكندا (47.8٪). وفي عام 1973، بلغ عدد العلماء اليهود (3,224) من أصل (100,000) عالم سوڤيتي. احتل اليهود مناصب بارزة في الثقافة، والحياة العامة، والصحافة، والسياسة، واعتبر الأصل اليهودي في روسيا أشبه بشهادة على نجاح الشخص ونبوغه، حيث كان يعني الانتماء إلى الطبقة الحضرية المتعلمة، وطبقة المثقفين في الاتحاد السوڤيتي.

لقد شكلت إصلاحات اقتصاد السوق والاضطرابات السياسية التي بدأت في أواخر الثمانينيات من القرن العشرين- بجانب العنف العرقي والحروب الأهلية- ضربة موجعة أثرت في رفاهية المواطنين السوڤيت؛ مما تسبب في حدوث هجرة جماعية، حيث لجأ ملايين الأشخاص إلى البلدان الأكثر ثراءً، هربًا من الفقر والعنف. لا ينطبق هذا على اليهود فحسب؛ بل ينطبق أيضًا على ذوي الأصول الألمانية، واليونانية، والفنلندية، والأقليات الأخرى التي أتيحت لها فرصة الهجرة. وسعى كثير من الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين كذلك إلى الحصول على فرصة للسفر؛ لذا يمكننا التأكيد- تأكيدًا قاطعًا- أن رحيل اليهود الروس إلى إسرائيل كان لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، وغير مرتبط بأي دوافع دينية.

لم يلبِّ الواقع الإسرائيلي توقعات المواطنين السوڤيت الذين فروا هربًا من قدوم “الرأسمالية المتوحشة”. وفي “أرض الميعاد” كان عليهم القيام بأعمال شاقة في وظائف متدنية، وأن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية. ولم يكن هذا مرتبطًا بالصعوبات الموضوعية المتعلقة بتوظيف مئات الآلاف من الأشخاص، الذين أصبحت معظم مؤهلاتهم لا حاجة إليها في الواقع الإسرائيلي، ولكن أيضًا بالتمييز المتعمد ضد المهاجرين، الذي تكمن جذوره في الأيديولوجيا والدين. منذ أيام ماكس نورداو وبير بوروخوڤ، أصبح اليسار الإسرائيلي ينظر إلى اليهود السوڤيت على أنهم “جالوت”، أي “منحطون”، معتقدًا أن العمل البدني الشاق فقط هو الذي سيحولهم إلى إسرائيليين حقيقيين. وفي نظر اليهود المتدينين يُعد مواطنو الاتحاد السوڤيتي “ممزر” (من يولد نتيجة علاقة غير شرعية)؛ لأنهم لم يستطيعوا مراعاة جميع الطقوس والتعاليم الدينية في ظل الحكم السوڤيتي.

وبحسب منظمة “لجنة التوزيع الأمريكية اليهودية المشتركة” (the Joint)، فإن 54٪ من المهاجرين من الاتحاد السوڤيتي السابق لا يعتقدون أن الإسرائيليين ينظرون إليهم على أنهم مواطنون مساوون لهم. قال 40٪ من أولياء الأمور إن أطفالهم تعرضوا للعنف والتمييز في المدارس. كما شن الإعلام الإسرائيلي حملة دعاية ضد المهاجرين، زاعمًا أن “الكحول والجريمة يجريان في دماء الروس”. إضافة إلى ذلك، لا يزيد عدد الموظفين الحكوميين الإسرائيليين من ذوي الأصل الروسي على 6٪، ويعد متوسط ​​رواتب المهاجرين السوڤيت من أدنى الأجور، ولا يتجاوز سوى رواتب الإثيوبيين.

يُطلق على الهجرة إلى إسرائيل لفظ “عاليا” أو “صعود”، في حين تشير البيانات الواردة أعلاه إلى أن الانتقال إلى إسرائيل كان أشبه بهبوط على السلم الاجتماعي بالنسبة إلى اليهود الروس. إذن، بِمَ يمكن تفسير ولاء هؤلاء الناس للدولة التي حكمت عليهم أن يعيشوا عمالا ومواطنين من “الدرجة الثانية”؟

زرع الولاء

أشار المؤرخ الألماني وكاتب السيرة الذاتية لأدولف هتلر، يواكيم فيست، في السيرة الذاتية التي كتبها عن فوهرر الرايخ الثالث، إلى أن أحد أسباب الدعم الجماهيري للنازية كان خوف المواطنين الألمان من فقدان مكانتهم، والتحول إلى البروليتاريا خلال الاضطرابات التي تبعت الحرب العالمية الأولى والكساد العظيم. كذلك وقع المهاجرون من الاتحاد السوڤيتي سابقًا إلى إسرائيل تحت تأثير عمليات مشابهة. وجدت أعلى طبقات النخبة السوڤيتية المثقفة نفسها فجأة في أسفل الهرم الاجتماعي، وأجبروا على العمل 12 ساعة في اليوم في أقذر الوظائف وأقلها أجرًا، لكن الدعاية اليمينية زعمت أنهم مع ذلك هم “الشعب المختار”، وأن مكانتهم أعلى كثيرًا من مكانة الفلسطينيين؛ مما ساعد الكثيرين على تحمل وضعهم المتدني.

وقد أشرنا أعلاه إلى أن معظم السياسيين والصحفيين الناطقين بالروسية في إسرائيل يربطون أنفسهم بالمعسكر اليميني، وهذه ليست مصادفة؛ فحتى النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، كانت هجرة اليهود السوڤيت موضوعًا مقتصرًا على الأوساط اليمينية المهمشة. كما كتب يوسِف مينديليڤيتش، أحد قادة اليهود في الاتحاد السوڤيتي: “كان اليهود ذوو النزعة القومية قد طلبوا المساعدة، في حين ظل العالم اليهودي صامتًا”. كان يُعتقد أنه لا يمكن الوصول إلى أي شيء مع الروس بالقوة، “فقط سيزداد الوضع سوءًا”. استمرت “المفاوضات السرية” عقودًا دون جدوى.

حينئذ ظهر على ساحة التاريخ الحاخام مئير كهانا، الذي اكتشف- مستندًا إلى نشاطه- سبب عدم نشاط المؤسسة اليهودية الأمريكية، الذي كان يكمن في المصالح المالية والمصالح الأخرى، وكذلك الخوف. في عام 1969، وصل إلى الولايات المتحدة ياشا كازاكوڤ/ كيدمي، الذي تمكن من الفرار من الاتحاد السوڤيتي بفضل شجاعته الشخصية وحاول في إسرائيل تنظيم نضال من أجل الدفاع عن حق مواطني الاتحاد السوڤيتي في السفر إلى إسرائيل، لكن السلطات الإسرائيلية لم تكن تريد الدخول في صراع مع قوة عظمى، فنصحه بعد ذلك أحدهم بالذهاب إلى الحاخام كهانا.

كان النشطاء اليهود أنفسهم، الذين غادروا الاتحاد السوڤيتي في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، قد تبنوا موقفًا يمينيًّا حتى قبل الهجرة. وانطلاقًا من نظرتهم إلى النظام السوڤيتي على أنه عدوهم، دعموا جميع الأنظمة والحركات الأيديولوجية المناهضة له. وفي إسرائيل، تمكنوا من نقل آرائهم إلى قاعدة جماهرية عريضة.

نتيجة لذلك، بحلول أوائل التسعينيات من القرن العشرين، تألفت مجموعة المهاجرين ممن لديهم نشاط سياسي من أشخاص ذوي آراء يمينية، الذين كان من المحتم أن يصبحوا قدوة لمهاجرين مشوشين، وليس لديهم تصور عن واقع الشرق الأوسط. وإذا تردد كثير من المهاجرين في تحديد موقفهم خلال التسعينيات، ففي بداية القرن الحادي والعشرين أصبحت كلمة “روسي” شبه مرادفة لـكلمة “يميني” في إسرائيل.

ومع ذلك، فإن التحول إلى المواقف اليمينية لم يكن نتيجة العمليات الداخلية التي جرت في مجتمع المهاجرين من بلدان الاتحاد السوڤيتي السابق فحسب. أكدت البروفيسور إيلا شوحط، وهي أستاذة في جامعة نيويورك، خلال وصفها تاريخ اليهود الشرقيين في إسرائيل، أنه في الخمسينيات من القرن الماضي، كان المهاجرون من البلدان الشرقية (المزراحيم) يتم تسكينهم في المناطق الحدودية عمدًا؛ بهدف استخدامهم “دروعًا بشرية”. طُبِّقَت سياسة مماثلة على المهاجرين من الاتحاد السوڤيتي سابقًا، ولكن هذه المرة عن طريق استخدام الحوافز المادية، فقُدِّمت القروض والهدايا لمن يشترون مساكن في المناطق الحدودية والأراضي المحتلة. اليوم، يشكل “الروس” عددًا كبيرًا من سكان عسقلان وأشدود وسديروت، ومدن أخرى في نطاق مناطق الضربات الصاروخية من قطاع غزة.

كذلك أصبح المهاجرون المنحدرون من الاتحاد السوڤيتي سابقًا منافسين رئيسيين لسكان إسرائيل الفلسطينيين في الوظائف على الأراضي المحتلة. كلاهما تنافس على وظائف منخفضة الأجر في المصانع والمستشفيات وخدمات التنظيف. حاول كبار المسؤولين الإسرائيليين إحياء عقيدة “أفوداه إيفريت” (العمل اليهودي) من خلال المهاجرين “الروس” لإزاحة العمال العرب. كما أن توقيت الهجرة لإسرائيل جاء مناسبًا جدًّا، خاصة لأنها حدثت خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، فأخذ المهاجرون أماكن العمال الفلسطينيين المحاصرين في مدنهم.

ولاء أم تمرد؟

على الرغم من الاضطهاد والفقر، فإن معظم المهاجرين السوڤيت بالتأكيد موالون لدولة إسرائيل، وفي ظل عدم قدرتهم على العودة إلى وطنهم، والفراغ المعلوماتي الذين يعيشون فيه، يربطون مستقبلهم بهذا البلد، ويتبنون المواقف الأيديولوجية التي تفرضها عليهم وسائل الإعلام اليمينية.

في الوقت نفسه، لا يعني دعم الدولة عدم انتقاد النظام السياسي، حيث ينظر الروس إلى تصويتهم لصالح الليكود، أو حتى الجماعات السياسية الأكثر راديكالية، على أنه مقاومة لـ “نظام” يضطهدهم ويمارس العنصرية ضدهم. تعمل وسائل الإعلام الناطقة بالروسية في إسرائيل على الترويج لفكرة أن السلطة الحقيقية في البلاد في أيدي “اليساريين” (SMOLANIM)، الذين يؤثرون في الرأي العام من خلال الصحافة والنظام القضائي. يتطابق هذا بشكل يكاد يكون حرفيًّا مع فكرة اليمين الأمريكي الجديد الذي يدعي أنه في معارضة مع “ما يسمى بالدولة العميقة” (Deep state). نحن نتحدث عن نوع من الأخوة التي تربط بين كبار المسؤولين الحكوميين وأعضاء السلطة القضائية والمدعين العامين ووسائل الإعلام. تتلاحم الغالبية العظمى من هذه الدوائر بشدة مع اليسار، فهم يستخدمون كل قوتهم وسلطتهم للترويج للأهداف الأيديولوجية والسياسية لليسار وفي الوقت نفسه يعرقلون أي جهود من جانب اليمين لتنفيذ برنامجه.

انتشرت نظريات المؤامرة بين المهاجرين من الاتحاد السوڤيتي سابقًا منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي. وهكذا فإن كتاب باري شاميش “من قتل إسحاق رابين”، الذي زعم فيه أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق قُتل نتيجة مؤامرة من أجهزة المخابرات في البلاد، تُرجِمَ على الفور إلى اللغة الروسية، وحظي بشعبية كبيرة بين “الروس”.

وعلينا هنا إقرار وجه الشبه بين يهود بلدان الاتحاد السوڤيتي سابقًا، واليهود الشرقيين (المزراحيم)، حيث إن الأخيرين تعرضوا كذلك للتمييز من المؤسسة الإسرائيلية على مدار سنوات طويلة، وبعد فترة طويلة من التردد، أبدوا في عام 1977 دعمهم للمعارضة اليمينية بقيادة مناحيم بيجِن. واليوم، يعتقد اليهود “الروس” الذين يصوتون لليبرمان وبينيت ونتنياهو أنهم بذلك يحاربون النظام الذي يضطهدهم، ويؤمنون بقدوم يمينيين “حقيقيين” يدافعون عن مصالحهم.

استنتاجات

كان للمشاعر اليمينية بين المهاجرين تأثير كبير في نتائج الانتخابات الإسرائيلية على مدى العقود الثلاثة الماضية. خلال حملة عام 1996، رجحت أصوات المهاجرين من الاتحاد السوڤيتي سابقًا كفة الميزان لصالح مرشح الليكود بنيامين نتنياهو. وفي عام 2003، صوتت الأغلبية العظمى من المهاجرين لصالح أرئيل شارون. وفي السنوات اللاحقة واصل “الروس” التصويت لأحزاب مختلفة من اليمين الإسرائيلي. بالنظر إلى أننا نتحدث عن 20٪ من الناخبين الإسرائيليين، فنحن بصدد عامل أدى إلى ترسيخ المعسكر اليميني في السياسة الإسرائيلية.

يؤدي المهاجرون دورًا مهمًّا أيضًا في الترويج لإسرائيل في دول الاتحاد السوڤيتي سابقًا، حيث يتبع كل تفاقم في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي حركة نشطة للإسرائيليين الناطقين بالروسية على شبكات التواصل الاجتماعي، الذين لا يزال لديهم كثير من الأصدقاء والأقارب في روسيا وأوكرانيا وكازاخستان ممن يرون ما يحدث في الشرق الأوسط بأعين “مراسليهم” الإسرائيليين. وفقًا للمركز الروسي لبحوث الرأي العام، فإن 49٪ من مستخدمي شبكات التواصل من الناطقين بالروسية يتخذون موقفًا مؤيدًا لإسرائيل.

كذلك هناك كثير من المهاجرين الذين يعملون صحفيين في وسائل الإعلام الروسية، ومعظمهم من ذوي التوجه اليميني الليبرالي، فمنهم- على سبيل المثال- يوليا ميلاميد كاتبة عمود في الصحيفة الروسية الرائدة على الإنترنت (Gazeta.ru)، وهي تتبنى وجهات نظر ليبرالية في منشوراتها عن روسيا، ولكنها أيضًا داعمة للقومية الإسرائيلية.

مع أن المجتمع “الروسي” أخذ يندمج في إسرائيل تدريجيًّا، فإنه سيستمر على مدى العقدين المقبلين في التأثير في الوضع السياسي داخل الدولة، وفي نظرة بلدان الاتحاد السوڤيتي سابقًا تجاه الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

ومن الجدير بالملاحظة أنه بينما يظهر المهاجرون الإسرائيليون في الحياة السياسية الداخلية أكثر كعامل يعمل على زعزعة الاستقرار، ويدعون إلى تعميق الصراع مع الفلسطينيين واليهود الأرثوذكس والمنشقين الإسرائيليين، فهم يشكلون عنصرًا مهمًّا “للقوة الناعمة”، والدعاية الإسرائيلية في دول الاتحاد السوڤيتي سابقًا.

كما لوحظ أعلاه، بدأت المشاعر اليمينية تتشكل بين المهاجرين حتى قبل مغادرتهم إلى إسرائيل، وارتبطت برفض المواقف السياسية والأيديولوجية التي سادت في الاتحاد السوڤيتي. خضعت المنظمات الإعلامية والسياسية الناطقة بالروسية من “الشارع الروسي” في إسرائيل لسيطرة اليمينيين. كما حاول المهاجرون أيضًا الاقتراب من غالبية السكان الإسرائيليين، عبر المزايدة عليهم و”تعليمهم حب الوطن”.

في الوقت نفسه، كان دعم اليمينيين الإسرائيليين بالنسبة إلى كثير من المهاجرين المنحدرين من الاتحاد السوڤيتي سابقًا أشبه برد الفعل على الصعوبات الاقتصادية والتمييز الذي تمارسه المؤسسة الحاكمة ذات التوجهات اليسارية في إسرائيل. وفي هذا السياق، فإن اختيار “الروس” بدا مشابهًا للتطور السياسي لليهود الشرقيين في إسرائيل في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.

في الختام، لا يمكن تجاهل حدوث تقلبات دورية معينة في تاريخ الشرق الأوسط. كتب المؤرخ الروسي دميتري خاريتونوڤيتش، في إشارة إلى مملكة بيت المقدس، أن الصليبيين الذين نشأوا وعاشوا فترة طويلة في فلسطين، تعلموا تدريجيًّا إيجاد أرضية مشتركة مع جيرانهم، وفقدوا تدريجيًّا عدوانيتهم ​​الأولية، لكن ما كان يعوق إقامة السلام مع جيرانهم هو التدفق المستمر للفرسان المتعصبين القادمين من أوروبا والمتحمسين لإغراق سيوفهم في دماء “الكفار”، حالمين بالفتوحات، فهم كانوا يدفعون مملكة القدس من مغامرة إلى أخرى، جاهلين بواقعها وعاداتها؛ مما أدى في النهاية إلى انهيار المملكة، ولكن كما نرى، فإنه في نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين حدثت بعض التطورات في هذه القصة.

اليهود المهاجرون من بلدان الاتحاد السوڤيتي السابق، رغم ميلهم إلى اليمين، وصولاً إلى اليمين المتطرف، هم الأقل تدينًا أو إيمانًا بالدوافع الدينية في نظرتهم إلى الصراع وهجرتهم كانت مبنية على الحاجة الاقتصادية.

نلاحظ أن الجيل الثاني من المهاجرين الروس أقل ميلاً إلى اليمين، وأصبحوا أكثر ارتباطًا ببلدانهم الأصلية من جيل آبائهم، والكثير منهم مستعد للحوار والانفتاح على العرب والفلسطينيين، حيث لم يعودوا يعانون “عقدة” الجيل الأول.

في الآونة الأخيرة، بدأت النخب اليهودية السوڤيتية السابقة تتواصل مع خريجي الجامعات السوڤيتية من الفلسطينيين، وكثير منهم يحضر- بانتظام- منتديات وجلسات حوارية في رام الله.

بالنظر إلى تمدد المجتمع اليهودي ذي الأصل الروسي داخل إسرائيل، وتوقع أن يصبحوا خلال العقد المقبل نخبة المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية، كما توقع البروفيسور الفلسطيني ماجد الحاج من جامعة حيفا، وبالنظر إلى علاقاتهم الممتدة مع اليهود الروس، وتأثيرهم الكبير في الداخل الروسي، فالأمر يستحق بناء حوار معهم يمكن أن يسهم في صنع السلام.

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.