مختارات أوراسية

كيف تستغل أذربيجان قضية الأقلية القومية لتبرير حربها ضد أرمينيا

أذربيجان واللعب بقضية «الأقلية القومية» في صراعها مع أرمينيا


  • 20 سبتمبر 2023

شارك الموضوع

تحاول السلطات الأذربيجانية- بشكل متزايد، كشرط لإبرام معاهدة السلام مع أرمينيا- إعادة توطين عشرات الآلاف من الأذربيجانيين وأحفادهم، الذين عاشوا في منطقة سيونيك الأرمينية خلال العهد السوفيتي. هذا الخيار كان يُذكر سابقًا في وسائل الإعلام ودوائر الخبراء فقط، لكنه الآن أصبح يتردد رسميًّا بعدما تحدث عنه علانية وزير الخارجية جيهون بيراموف. وفي الحد الأدنى، قد يؤدي هذا “الشرط” إلى تعطيل عملية السلام، وفي الحد الأقصى، قد يؤدي إلى ظهور منطقة جديدة من التوتر المستمر داخل حدود أرمينيا.

الخبر غير المتاح للجميع

نشرت مجلة (Aysor) الأرمينية اقتباسًا مهمًّا لوزير الخارجية الأذربيجاني، قد يصبح نقطة تحول أخرى في التسوية الأرمينية- الأذربيجانية المفترضة. وبدون أي سياق، يورد الصحفيون تصريح بيراموف على النحو التالي:

وفي الوقت نفسه، ندعو أرمينيا إلى تضمين بند خاص في أي اتفاقية سلام مقبلة بشأن الأقليات القومية في أراضينا كالتزام متبادل بين الطرفين، حيث نتعهد- نحن الدولتين- باحترام حقوق الأقليات القومية في أراضينا على أساس دستورنا، وعلى أساس عدد من الاتفاقيات الدولية التي نحن جزء منها“.

وفق منصة (AliQRu)، فإن مصدر هذا التصريح خطاب جيهون بيراموف للصحفيين في جنيف على هامش جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. نحن نتحدث عن تجمع للأمم المتحدة يسمى رابطة المراسلين المعتمدين في الأمم المتحدة (ACANU). كذلك، فإن المعلومات عن هذا التصريح متاحة على حساب بيراموف في موقع تويتر، والمصادر الرسمية أيضًا.

فيما بعد، صدرت عدة تصريحات أكثر إثارة للدهشة، منها: “إن العمل على معاهدة السلام قد توقف، وإن باكو غير راضية عن انتخاب رئيس جديد لجمهورية آرتساخ (التسمية الأرمينية لقره باغ) غير المعترف بها”.

تبع ذلك بعد يوم واحد فقط، نشر أول وسيلة إعلامية أذربيجانية اقتباس بيراموف، وهو موقع (Caliber.az) المتطرف، وقد علق عليه كاتب العمود سامين علييف، حيث كتب مبتهجًا: “هل أنا الوحيد الذي يرى ملامح الحكم الذاتي الذي يلوح في الأفق للأذربيجانيين في زنغزور؟ سيكون هذا صحيحًا وعادلًا، أليس كذلك؟”.

وكما اكتشفنا، كان المصدر الأساسي للأخبار عبارة عن رسالة في وكالة أنباء ريا نوفوستي، تُوزَع عن طريق الاشتراك. وهنا يمكنك رؤية السياق الكامل لخطاب بيراموف:

لن أعلق على درجة جاهزية الوثيقة الخاصة بالسلام بالنسبة المئوية؛ لأنه حتى مع جاهزية 99% من بنودها، لا يمكن حل القضية دون الموافقة على الـ 1% المتبقية. لكن يمكنني أن أقول لكم إنه تم الاتفاق على عدد من المواد في صيغتها النهائية خلال عملية التفاوض، وهناك عدد من المواقف الأخرى كانت فيها مواقف الطرفين متقاربة جدًّا، ونعتقد أن جولة أخرى من المفاوضات يمكن أن تحقق هذه الأهداف“.

وأضاف بيراموف أن هناك أيضًا عدة نقاط كانت فيها المواقف: “مختلفة تمامًا، ويجب إجراء مناقشات إضافية”، وأن هذه الوثيقة: “يمكن التوقيع عليها بسرعة كبيرة إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية”. أما في حديثه عن كاراباخ، فأكد الوزير الأذربيجاني: “أن هذه القضية لم تُناقَش في الحوار مع أرمينيا، ولكنها نوقشت مناقشة منفصلة مع ممثلي المجتمعات الأرمينية في أذربيجان بهدف إعادة دمجهم”.

هذه التصريحات التي أدلى بها الوزير متسقة تمامًا مع السياق العام لحديثه. على سبيل المثال، تم التطرق إلى موضوع الأذربيجانيين من أرمينيا في خطاب بيراموف في جلسة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث قال: “من عام 1987 إلى عام 1991، طردت أرمينيا قسرًا أكثر من 200 ألف أذربيجاني من وطن أجدادهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي. كما أُعيد تسمية جميع المستوطنات والأسماء الجغرافية الأذربيجانية في أرمينيا، ودُمِّرَ تراثنا التاريخي والثقافي عمدًا”، واصفًا حقهم في العودة بأنه “أساسي”. وأضاف بيراموف: “ندعو الممثل السامي لحقوق الإنسان والهياكل المتخصصة الأخرى إلى الاهتمام بحقوق الأذربيجانيين، بعد طردهم من وطنهم”.

حلم الأذربيجانيين القديم

الآن، بعد أن أصبحنا مقتنعين بأن مقولة بيراموف حقيقية، يمكننا تحليلها. يقول رئيس وزارة الخارجية الأذربيجانية مباشرة إنه إذا أراد الأرمن الحصول على بعض الشروط الخاصة للعيش في كاراباخ تحت علم أذربيجان، فيجب على أرمينيا أن توافق على قبول اللاجئين الأذربيجانيين الذين غادروا بعد اندلاع الصراع في أراضيها أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات. بعبارة أخرى، من الواضح أن هناك اتجاهًا نحو الترويج لفكرة “العودة إلى زنغزور”.

حاولت السلطات الأذربيجانية إبقاء هذا الموضوع على جدول الأعمال؛ لأنه منحها فرصة لإرباك المحاورين فور بدء الحديث عن مذبحة سومغيت أو باكو التي تعرض لها الأرمن عام 1988، فكان الرد الأذربيجاني: “هل تتحدث عن التطهير العرقي في أذربيجان؟ لماذا لا تريد أن تحكي عن الشيء نفسه في أرمينيا؟! بالإضافة إلى ذلك، ما تعرض له الأرمن كان رد فعل لاحقًا لما حدث للأذربيجانيين”.

حتى نهاية الثمانينيات، عاش نحو 200.000 أذربيجاني في جمهورية أرمينيا الاشتراكية السوفيتية (في منطقة سيونيك، على الضفة الشرقية لسيفان، وقليل منهم في يريفان). بالتأكيد لم يعد لهم وجود الآن، حيث انتقلوا إلى أذربيجان، وربما ليس دائمًا طوعًا، لكن الرواية الرسمية لأذربيجان، التي ترجع تاريخ المذبحة في كابان إلى نهاية عام 1987 (وهذا أمر مهم لأن “سومغيت” وقعت في فبراير/ شباط 1988)، تثير أسئلة كثيرة.

تمت دراسة جميع الجرائم البارزة الأخرى في تلك الفترة جيدًا، وذلك بفضل شهادة الشهود في المقام الأول. بطبيعة الحال، لا يتفق الطرفان على تقديرات لعدد القتلى، وتفاصيل ما حدث. على سبيل المثال، ما دور السلطات والمخابرات السوفيتية (KGB) في أحداث سومقاييت، وهل تم توفير ممر إنساني بالفعل لخروج المدنيين في خوجالي، وأكثر من ذلك بكثير، لكن الأشخاص الذين عايشوا شخصيًّا مذبحة الأرمن في أذربيجان، أو مذبحة الأذربيجانيين في خوجالي، ما زالوا على قيد الحياة، وشهاداتهم معروفة.

لكن مع أحداث كابان، كل شيء مختلف، مع أنه من الناحية النظرية، يمكن لعشرات، وحتى مئات الأشخاص، أن يخبروا عما حدث، لكن لا يوجد هذا الدليل. وحتى مؤلف الكتاب الشهير “الحديقة السوداء” توماس دي وال (Thomas de Waal) اضطر إلى الاعتماد فقط على كلام سكان باكو الذين رأوا سيارات تحمل اللاجئين، لكنهم لم يجدوا اللاجئين أنفسهم قط.

إن الجزء المخصص للأحداث التي وقعت في كابان في الكتاب صغير جدًّا، بحيث يمكن اقتباسه بالكامل، يكتب دي وال:

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987، وصلت سيارتا شحن تقلان أذربيجانيين أجبروا على الفرار من كابان بسبب الاشتباكات العرقية إلى محطة سكة حديد باكو، لا يوجد سوى القليل جدًّا من المعلومات عن هذا الحادث، ولم تُغطه الصحافة قط، ولكن كان هناك شهود عيان على تلك الأحداث. وصفت سفيتا باشاييفا، وهي أرملة أرمينية من باكو، كيف رأت اللاجئين يصلون إلى باكو، وكيف أحضرت لهم الملابس والطعام، جاء الناس وقالوا إن سيارتين تحملان أطفالًا عراة وصلتا من كابان، وذهبنا إلى هناك لنراهم وقد كانوا أذربيجانيين من كابان. كنت في المحطة، ورأيت بنفسي سيارتي شحن؛ كانت الأبواب مفتوحة، وتم تثبيت لوحين طويلين على الجدار، مثل الدرابزين، حتى لا يسقط الناس من العربة في أثناء تحركها. لقد طُلب منا تقديم ما في وسعنا لمساعدة اللاجئين، وأنا لم أكن وحدي؛ بل كان هناك كثيرون جدًّا معي، وجمعت ملابس الأطفال القديمة وبعض الأشياء. رأيتهم بنفسي، كان هناك رجال ريفيون، قذرون، ذوو شعر طويل ولحى، وشيوخ، وأطفال“.

من الغريب أيضًا أن اللاجئين من كابان لم يظهروا في محاكمات المشاركين في أحداث سومغايت، مع أن ظهورهم هناك كان سيكون مفيدًا جدًّا لباكو، في حين كانت الرواية المنتشرة في أذربيجان أنه في يوم من الأيام بعد حل النزاع، سيتمكن الأذربيجانيون من العودة إلى أراضي أرمينيا، ولكن حتى وقت قريب تراجعت هذه الأقوال؛ لأنها بدت غير واقعية. لكن في الفترة من يوليو (تموز) إلى أغسطس (آب) من هذا العام، حظي الموضوع بدعم واضح على مستوى الدولة، وحاولت باكو إضفاء الطابع الرسمي على هذا المطلب مؤسسيًّا.

حصلت منظمة المهاجرين من أرمينيا شبه المنسية على اسم جذاب جديد (مجتمع أذربيجان الغربية)، ودشنت لنفسها قناة على اليوتيوب بمشاركة علماء سياسيين مشهورين، وبدأت بإرسال الرسائل نيابة عنها إلى المنظمات والشخصيات الدولية، ومنهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، بل إن الرسالة الموجهة إلى الأخير تشير إلى أن أرمينيا حرمت “أذربيجانيي كابان” من حق المواطنة، وقد جاء فيها: “لقد أدت تصرفات أرمينيا إلى تفاقم حالة الحرمان من الجنسية، مما أدى فعليًّا إلى حرمان الأذربيجانيين المطرودين من البلاد من جنسيتهم وهويتهم القانونية، وحمايتهم. إن رفض أرمينيا المستمر السماح بعودة السكان الأذربيجانيين، وممارستهم حق المواطنة في وطنهم، يتناقض تناقضًا مباشرًا مع الالتزامات التي تعهدت بها بموجب اتفاقية الحد من الحرمان من المواطنة”.

تعليقات من باكو

للحصول على شرح لهذا الموضوع، لجأت منصة (AliQRu) إلى عالم السياسة الأذربيجاني فرهاد محمدوف، المنغمس في العمل على معاهدة السلام، وقد أجرى بالفعل مقابلة على قناتنا على اليوتيوب، أبرز ما ورد فيها:

“إن أذربيجان مقتنعة بأنه عندما يحاول الأرمن إدراج بند بشأن أرمن كاراباخ في معاهدة السلام، فإنهم ينتهكون مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لبلادنا. الوثيقة الأخيرة التي تتناول كاراباخ، والتي وقعناها مع يريفان، كانت اتفاقية ثلاثية مؤرخة في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020؛ لذا، من الآن فصاعدًا، ينبغي اعتبار كاراباخ منطقة طبيعية تابعة لأذربيجان. ومع ذلك، إذا كان من المهم جدًّا للأرمن أن يكون هذا البند في الاتفاقية، فإننا نقدم اقتراحًا مضادًا، نتحدث أيضًا فيه عن الأذربيجانيين المطرودين من أرمينيا. لذلك، هناك الآن نسختان من الوثيقة مطروحتان على الطاولة: (إحداهما بدون البند الخاص بالضمانات المتبادلة للأقليات القومية، والأخرى متضمنة هذا البند).

تعليق من (AliQRu)

إذا كان موضوع عودة اللاجئين إلى زنغزور قد استُخدَم- ببساطة- كأداة بلاغية لإقناع الأرمن بالتخلي عن مطالباتهم في كاراباخ، فإن هذا كان لا يزال مفهومًا، لكن هذا الموضوع يناقش الآن على المستوى الدبلوماسي، مما يعني أنه أكثر من ذلك.

حسنًا، يجدر بنا إبداء تحفظ مفاده أن الدعاية الأذربيجانية تتلاعب عندما تدعي: “إذا وافقنا على وجود سكان أرمن على أراضينا، فيجب عليك التسامح مع السكان الأذربيجانيين”. لا، إنها ليست هي نفسها؛ أولًا: من الواضح أنه سيكون هناك عدد قليل جدًّا من الأرمن المستعدين للعيش في كاراباخ تحت الإدارة الأذربيجانية، ربما عشرات أو مئات الأشخاص. كلهم سيعيشون بشكل متماسك، وربما دون أي اتصال مع جيرانهم الأذربيجانيين، لكن لا يمكن توطين الأذربيجانيين في سيونيك إلا من خلال إضعاف عدد السكان الأرمن الموجودين بالفعل، والمكتظين إلى حدٍّ ما. وفي نهاية المطاف، فإنهم لا يريدون العيش في أي مكان فحسب؛ بل في قرى أجدادهم، حيث يعيش الأرمن الآن بالطبع.

ليس من الواضح كيف سيتم تنظيم الأمن في برميل البارود هذا، فقط الأمثلة من إسرائيل تتبادر إلى الذهن عندما تُفصَل المستوطنات المجاورة بعضها عن بعض بجدار. لماذا علينا خلق هذا الوضع عمدًا وقبوله؟ ألتخفيف التركيبة السكانية لأرمينيا؟ ألخلق شذوذ انتخابي مع السكان غير الموالين ليريفان؟ أم لتشكيل قاعدة شعبية قادرة على زعزعة الاستقرار إذا لزم الأمر؟

يجب القول إن كثيرًا من الأذربيجانيين أنفسهم يعترفون بأن فكرة إعادة اللاجئين إلى زنغزور هي فكرة طوباوية، ولكن هناك أيضًا من يقول إن هذا مهم لهم. لقد سمعت الصيغة التالية: “لن أعيش هناك بالضرورة، لكني أريد أن أتمكن من القدوم في الصيف إلى أرض أجدادي. وهذا مهم جدًّا لشعوب القوقاز”.

حسنًا، هناك كثير من الخيارات لكيفية تلبية الحاجة إلى “القدوم إلى أرض الأجداد” دون تدمير النظام القائم في المنطقة. على سبيل المثال، نظام دخول خاص للمجموعات المنظمة، قد يُطبَّق في الأعياد الوطنية أو الدينية. هذه هي الطريقة التقريبية التي يزور بها اليابانيون مقابرهم في سخالين، والفنلنديون في كاريليا.

بالمناسبة، إذا قارنا السكان الأذربيجانيين السابقين في زنغزور بمجموعة عرقية ما، فيمكننا مقارنتهم بالروس الذين عاشوا في جمهوريات آسيا الوسطى تحت حكم الاتحاد السوفييتي. لقد غادروا أيضًا، وأحيانًا ليس بمحض إرادتهم، ولكن بعد ظهور شعار “الروس إلى ريازان، والتتار إلى قازان”، لكن من المستحيل الآن أن نتصور أن هناك من سيطالب طشقند، وبشكيك، ودوشنبه، بتنظيم عودة جماعية لهؤلاء النازحين.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع