نهاية عصر ويلسون

لماذا فشلت الليبرالية الدولية؟

بعد مائة عام من إهانة مجلس الشيوخ الأمريكي للرئيس وودرو ويلسون، برفضه معاهدة فرساي شطبت جامعة برنستون، التي تولى ويلسون رئاستها قبل أن يبدأ حياته السياسية، اسمه من مدرستها الشهيرة للشؤون الدولية. في إطار عمليات الإلغاء الأخيرة، يمكن القول على الأقل إن هذا الإلغاء مستحق للغاية.

من هو وودرو ويلسون؟

كان ويلسون عنصريًّا فظيعًا حتى وفقًا لمعايير عصره. لقد وقف هذا الرجل وراء اضطهاد خصومه السياسيين وارتكب أول انتهاكات الرعب الأحمر، وقد تم الاحتفال به لفترة طويلة جدًّا وبلا أي انتقادات. لكن مهما كانت وجهات نظر ويلسون، الشخصية وسياساته المحلية تمثل إشكالية. إلا أنه كرجل دولة وأيديولوجيًّا، يجب اعتباره من بين أكثر صانعي العالم الحديث تأثيرًا. قبل أكثر من قرن من اقتراح ويلسون، لعصبة الأمم. أثار القيصر الروسي ألكسندر الأول، قلق زملائه الحكام في مؤتمر فيينا عام 1814، من خلال صياغة رؤية مماثلة: نظام دولي يقوم على إجماع أخلاقي تدعمه مجموعة من القوى التي ستعمل انطلاقًا من مجموعة مشتركة من الأفكار والمبادئ حول السيادة والشرعية. علاوة على ذلك، وبحلول زمن ويلسون، كان الاعتقاد بأن المؤسسات الديمقراطية ساهمت في السلام الدولي من حين أن الملكيات المُطلقة كانت بطبيعتها تميل إلى الحرب وغير مستقرة، كانت هذه الملاحظة شائعة بين الأمريكيين المتعلمين والبريطانيين. كانت مساهمة ويلسون، هي تجميع هذه الأفكار في برنامج عمل ملموس لبناء نظام قائم على القواعد، ويرتكز على مجموعة من المؤسسات الدولية.

تعرض ويلسون للانكسار والشعور بالهزيمة، بعد فشله في الحصول على دعم واسع النطاق في الداخل لهذه الرؤية، وعاش آخر حياته في مرارة، وتوفي محبطًا. لكن في العقود التي تلت ذلك، أصبحت أفكاره مصدر إلهام ودليلًا للقادة الوطنيين والدبلوماسيين والنشطاء والمثقفين في جميع أنحاء العالم خلال الحرب العالمية الثانية، شعر العديد من الأمريكيين بالأسف على انعزالية بلادهم قبل الحرب، بما في ذلك رفضها الانضمام إلى عصبة الأمم، وبدا وكأن ويسلون، أشبه بالنبي الذي سبق الجميع بحكمته وكان يمكن حال تم تبني مقترحه بتأسيس عصبة للأمم، منع اندلاع حريق عالمي ثانٍ كبير خلال 20 عامًا.

مبادئ ويلسون

وضع القادة الأمريكيون أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، أسس ما كانوا يأملون في أن يكون نظامًا عالميًّا من خلال منظور ويلسون، حيث تسترشد فيه العلاقات الدولية بالمبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويضع الأسس لمؤسسات مثل الأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية ومنظمة التجارة العالمية.

تعقدت هذه المهمة بسبب الحرب الباردة، لكن «العالم الحر» (كما أطلق الأمريكيون حينذاك على البلدان غير الشيوعية) استمر في التطور على هدي مبادئ ويلسون، وكان يُنظر إلى التسويات التي لا مفر منها، مثل دعم الولايات المتحدة للديكتاتوريين الذين لا يرحمون، والحكام العسكريين في أجزاء كثيرة من العالم، على أنها ضرورات مؤسفة تفرضها الحاجة إلى محاربة الشر الأكبر بكثير والمُتمثل في الشيوعية السوڤيتية.

عندما سقط جدار برلين في عام 1989، بدا أن فرص هذا النظام العالمي «الويلسوني» قد أتت أخيرًا، ويمكن إعادة بناء الإمبراطورية السو ڤيتية السابقة على أسس ومبادئ ويلسون، ويمكن للغرب أن يتبنى مبادئ ويلسون بشكل أكثر اتساقًا الآن بعد أن اختفى التهديد السوڤيتي. تقرير المصير، وسيادة القانون بين البلدان وداخلها، والاقتصاد الليبرالي، وحماية حقوق الإنسان: «كان النظام العالمي الجديد» الذي عملت إدارات كلٍّ من جورج دبليو بوش وكلينتون على إنشائه، إلى حد كبير كان يدور حول أفكار ويلسون.

مع ذلك، فإن الحقيقة اليوم الأكثر أهمية في السياسة العالمية، هي أن هذا الجهد النبيل قد فشل، ولم تتطور المرحلة التالية في تاريخ العالم على أسس ويلسون. ستستمر أمم الأرض في السعي إلى إقامة نظامها السياسي الخاص بها، لأنها يجب أن تفعل ذلك، وسيواصل نشطاء حقوق الإنسان وغيرهم العمل نحو أهدافهم. لكن الحلم بنظام عالمي، يرتكز على القانون، ويؤمن بالسلام بين الدول، ويتبنى الديمقراطية، يتضاءل في عمل قادة العالم اليوم.

إن قول هذه الحقيقة لا يعني الترحيب بها. هناك العديد من المزايا للنظام العالمي «الويلسوني» حتى عندما يكون هذا النظام جزئيًّا وغير كامل. يعتقد العديد من المحللين، بعضهم مرتبط بالحملة الرئاسية لنائب الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، أن بإمكانهم تجميع «همبتي دمبتي» تلك الشخصية الخيالية على شكل بيضة تمشي على حائط لا متناهٍ، والتي وردت في قصة «الأم الإوزة» بأدب الأطفال الإنجليزي مرة أخرى، ولا يسعنا إلا أن نتمنى لهم كل النجاح. لكن قوى الطرد المركزي التي تُمزق النظام «الويلسوني» قد باتت متجذرة بعمق في طبيعة العالم المعاصر، بحيث لا يمكن حتى في ظل نهاية عهد ترامب، إحياء مشروع ويلسون في أقل أشكاله طموحًا على الرغم من أن مبادئ ويلسون لن تختفي، وسيكون هناك تأثير مستمر للفكر «الويلسوني» على السياسات الخارجية الأمريكية. إلا أنه من غير المرجح أن تعود تلك الأيام الخوالي في حقبة ما بعد الحرب الباردة، عندما نظم الرؤساء الأمريكيون سياساتهم الخارجية حول مبادئ الأممية الليبرالية.

ترتيب الأشياء الويلسونية

كان نظام وستفاليا، الذي ظهر في أوروبا بعد انتهاء حرب الثلاثين عامًا في عام 1648، ونظام الكونغرس، الذي نشأ في أعقاب الحروب النابليونية في أوائل القرن التاسع عشر، قائمًا على القواعد وحتى القانون: بعض الأفكار التأسيسية للقانون الدولي تعود إلى تلك العصور.

بل حتى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وهي تجمع عابر للحدود الوطنية، مكون من الأراضي التي امتدت من فرنسا إلى بولندا الحديثة ومن هامبورغ إلى ميلانو. كانت نظامًا دوليًّا سابقًأ للاتحاد الأوروبي، وشبيهًا له مع قواعد مُعقدة للغاية تحكم كل شيء من التجارة إلى الميراث السيادي بين الأسر الأميرية.

أما بالنسبة لحقوق الإنسان، فبحلول أوائل القرن العشرين، كان النظام الأوروبي ما قبل ويلسون، يتحرك لمدة قرن في اتجاه وضع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان على جدول الأعمال الدولي.

في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، كانت الدول الضعيفة بشكل رئيسي هي التي جذب سلوكها القمعي أكبر قدر من الاهتمام حيث حظي القتل الجماعي للأقليات المسيحية العثمانية على يد القوات العثمانية والقوات غير النظامية التابعة لها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين باهتمام أكبر بكثير من الفظائع التي ارتكبتها القوات الروسية في نفس الوقت تقريبًا ضد الشعوب المسلمة المتمردة في القوقاز. لم يحضر أي وفد من القوى الأوروبية إلى واشنطن، لمناقشة معاملة الأمريكيين الأصليين أو لتقديم احتجاجات بشأن وضع الأمريكيين الأفارقة. مع ذلك، فقد تحرك النظام الأوروبي ما قبل ويلسون، بشكل كبير في اتجاه رفع مستوى النقاش حول حقوق الإنسان ليصبح من القضايا الدبلوماسية الرئيسية.

وودرو ويلسون والادارة

لذلك لم يكُن ويلسون، يقدم أفكار النظام العالمي وحقوق الإنسان إلى مجموعة من الدول الفوضوية والأنظمة السياسية غير المستنيرة. بدلًا من ذلك، كان يسعى لإصلاح نظام دولي قائم، ثبت بشكلٍ قاطع وجود عيوب وثغرات فيه من خلال أهوال الحرب العالمية الأولى. في نظام ما قبل ويلسون، كان يُنظر إلى حكام الأسر الحاكمة بشكل عام على أنهم يمتلكون شرعية فعل ما يريدون، والتدخلات بالدول الأخرى، مثل الغزو الروسي لآسيا الوسطى عام 1849، وغزو المجر، الذي أعاد حكم آل هابسبورغ، تم اعتبارها أفعالًا قانونية. باستثناء الحالات الأكثر وضوحًا، كانت الدول تتمتع بقدر أو بآخر من الحرية في معاملة مواطنيها أو رعاياها كما يحلو لها، وعلى الرغم من أنه كان من المتوقع أن تلتزم الحكومات بالمبادئ المقبولة للقانون الدولي العام، لم يتم تكليف أي هيئة فوق وطنية بإنفاذ هذه المعايير. من وجهة نظر ويلسون، كانت هذه عيوبًا قاتلة جعلت الحروب المستقبلية أمرًا لا مفر منه ولأجل ذلك سعى إلى بناء نظام تقبل فيه الدول قيودًا قانونية واجبة التطبيق على سلوكها في الداخل وسلوكها الدولي.

لم يتحقق ذلك تمامًا، ولكن حتى السنوات الأخيرة، كان نظام ما بعد الحرب بقيادة الولايات المتحدة يشبه رؤية ويلسون في جوانب مهمة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الرؤية ليست ميتة بنفس القدر في كل مكان. على الرغم من أن ويلسون كان أمريكيًّا إلا أن نظرته للنظام العالمي تم تطويرها أولًا وقبل كل شيء كوسيلة لإدارة السياسة الدولية في أوروبا، وفي أوروبا حققت أفكار ويلسون، أكبر نجاح لها وما زالت مستمرة حتى الآن بقوة.

حينما عبر ويلسون، عن أفكاره هذه، تم التعامل معها بازدراء مرير وساخر من قبل معظم رجال الدولة الأوروبيين، وذلك عندما اقترحها لأول مرة، لكنها أصبحت فيما بعد الأساس الرئيسي للنظام الأوروبي المنصوص عليه في قوانين وممارسات الاتحاد الأوروبي. يمكن القول إنه لم يترك أي حاكم منذ شارلمان انطباعًا عميقًا على النظام السياسي الأوروبي مثل ذلك المشيخي البروتستانتي السخيف من وادي شيناندواه.

قوس التاريخ

خارج أوروبا، تبدو آفاق النظام «الويلسوني» قاتمة، ومع ذلك تختلف الأسباب وراء ذلك. غالبًا ما يرى منتقدو نهج ويلسون، للشؤون الخارجية ما يعتقدونها مثالية غير قابلة للتطبيق في رؤيته للنظام العالمي.

في الواقع وكما أوضح ويلسون، نفسه خلال المفاوضات حول معاهدة فرساي، كان قادرًا تمامًا على ممارسة السياسة الواقعية الأكثر تشاؤمًا عندما تناسبه. إن المشكلة الحقيقية للمذهب «الويلسوني» ليست في كونه إيمانًا ساذجًا بالنوايا الحسنة، كما يعتقد البعض – بل في نظرته التبسيطية للعملية التاريخية، خاصةً عندما يتعلق الأمر بتأثير التقدم التكنولوجي على النظام الاجتماعي البشري. لم تكن مشكلة ويلسون أنه كان مثاليًّا أو مُدعيًّا بل في كونه يمينيًّا.

مثل التقدميين في أوائل القرن العشرين بشكلٍ عام، والعديد من المثقفين الأمريكيين حتى يومنا هذا، كان ويلسون ليبراليًّا منتميًا للمدرسة الأنجلو سكسونية. شارك في التفاؤل الذي أسماه الباحث هربرت باترفيلد: «التأريخ اليميني». والذي يعبر عن رؤية المفكرين البريطانيين، في العصر الفيكتوري الذين رأوا التاريخ البشري على أنه سرد للتقدم والتحسن الحتمي. يعتقد ويلسون أن ما يسمى بالحرية المنظمة التي ميزت البلدان الأنجلو أمريكية قد فتحت الطريق إلى الازدهار الدائم والسلام. يمثل هذا الاعتقاد نوعًا من الهيغيلية الأنجلوسكسونية، ويرى أن مزيجاً من تنمية الأسواق الحرة، والحكومة الحرة، وسيادة القانون التي تطورت في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، ستؤدي حتمًا إلى تغيير بقية العالم- وعلى هذا النحو التالي تستمر العملية وسوف يتقارب العالم ببطء وبشكل طوعي في الغالب على القيم التي جعلت العالم الأنجلو سكسوني ثريًّا وجذابًا وحرًّا كما أصبح عليه حاله.

كان ويلسون الابن المتدين لأحد الوزراء، وكان غارقًا في التعاليم الكالفينية حول الأقدار وسيادة الله المطلقة، وكان يعتقد أن قوس التقدم قد انتهى وسيحقق المستقبل نبوءات الكتاب المقدس عن الألفية القادمة: حكم ألف عام من السلام والازدهار قبل الإكمال النهائي للوجود البشري، عندما يُوحد المسيح العائد السماء والأرض.

(وفق هذه الرؤية الدينية، حاول أتباع ويلسون، إعطاء هذه الحتمية منعطفًا علمانيًّا: في نظرهم، فإن الليبرالية ستحكم المستقبل، وتضع البشرية في «نهاية التاريخ» كنتيجة طبيعية سيهتدي البشر إليها) اعتقد ويلسون أن هزيمة الإمبراطورية الألمانية في الحرب العالمية الأولى، وانهيار الإمبراطوريات النمساوية المجرية والروسية والعثمانية. يعني أن ساعة عصبة الأمم العالمية قد حانت أخيرًا. في عام 1945، قام القادة الأمريكيون، بدءًا من إليانور روزفلت وهنري والاس على اليسار إلى ويندل ويلكي وتوماس ديوي على اليمين، بتفسير سقوط ألمانيا واليابان بنفس الطريقة تقريبًا. في أوائل التسعينيات، رأى صانعو السياسة والمعلقون الأجانب البارزون في الولايات المتحدة سقوط الاتحاد السوڤيتي، من خلال نفس المنظور الحتمي كإشارة إلى أن الوقت قد حان لنظام عالمي ليبرالي حقيقي. في جميع المناسبات الثلاث، بدا أن النظام «الويلسوني» على مرمى البصر. لكن في كل مرة مثل أوليسيس، كانت تهب عليهم الرياح المعاكسة.

صعوبات فنية

اليوم، تكتسب تلك الرياح قوة. يجب على أي شخص يأمل في إعادة تنشيط مشروع ويلسون المتعثر مواجهة عدد من العقبات الأمر الأكثر وضوحًا هو عودة الجغرافيا السياسية التي تغذيها الأيديولوجيا من جديد على الساحة الدولية، الصين وروسيا وعدد من القوى الأصغر المتحالفة معها إيران، على سبيل المثال تنظر بشكل صحيح إلى مبادئ ويلسون، على أنها تهديد مميت لترتيباتها الداخلية. في وقتٍ سابق أثناء فترة ما بعد الحرب الباردة، كانت أسبقية الولايات المتحدة، شاملة لدرجة أن تلك الدول حاولت إخفاء معارضتها للإجماع السائد المؤيد للديمقراطية. مع ذلك، بدءًا من الولاية الثانية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، واستمرارًا حتى عهد ترامب، أصبحوا أكثر وضوحًا في رفضها، بل يرون الرؤية «الويلسونية» مجرد غطاء للطموحات الأمريكية، وإلى حدٍّ ما لطموحات الاتحاد الأوروبي، حيث أصبحت بكين وموسكو أكثر جرأة بشأن معارضة أفكار ومبادرات ويلسون داخل المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة، وعلى الأرض في أماكن عدة من سوريا إلى بحر الصين الجنوبي.

إن معارضة هذه القوى لنظام ويلسون، أمر مُدمر من عدة جوانب، وذلك لكونه يزيد المخاطر والتكاليف التي تتحملها القوى المُدافعة عن مشروع ويلسون، للتدخل في النزاعات خارج حدودها. لنأخذ على سبيل المثال كيف ساعد الدعم الإيراني والروسي لنظام الأسد في سوريا على منع الولايات المتحدة والدول الأوروبية من المشاركة بشكل مباشر في الحرب الأهلية في ذلك البلد. كما يوفر وجود قوى عظمى في التحالف المناهض لويلسون المأوى والمساعدة للقوى الأصغر، التي لولا ذلك قد لا تختار مقاومة الوضع الراهن.

أخيرًا، تجعل عضوية دول مثل الصين وروسيا في المؤسسات الدولية من الصعب على تلك المؤسسات العمل لدعم معايير ويلسون: خذ على سبيل المثال، حق النقض الصيني والروسي في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وانتخاب ممثلي هيئات الأمم المتحدة المختلفة، ومعارضة دول مثل المجر وبولندا لإجراءات الاتحاد الأوروبي التي تهدف إلى تعزيز سيادة القانون.

في الوقت نفسه، فإن سيل الابتكار التكنولوجي والتغيير المعروف باسم «ثورة المعلومات» يخلق عقبات أمام أهداف ويلسون داخل البلدان وفي النظام الدولي. المفارقة هي أن أتباع مبادئ ويسلون، يؤمنون غالبًا بأن التقدم التكنولوجي سيجعل العالم أكثر قابلية للحكم والسياسة الأكثر عقلانية حتى لو زاد أيضًا من خطر الحرب وجعلها أكثر تدميرًا. كان ويلسون نفسه يؤمن بذلك تمامًا، كما فعل بناة النظام في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والليبراليون الذين سعوا لتمديد هذا النظام بقيادة الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة. في كل مرة، كان هذا الإيمان بالتغير التكنولوجي في غير محله كما رأينا مؤخرًا مع صعود الإنترنت على الرغم من أن التقنيات الجديدة غالبًا ما تساهم في انتشار الأفكار والممارسات الليبرالية. إلا أنها يمكن أن تقوض الأنظمة الديمقراطية وتساعد الأنظمة الاستبدادية.

اليوم أصبحت التقنيات الجديدة تُعطل صناعات بأكملها، وبينما تُنهي وسائل التواصل الاجتماعي دور وسائل الإعلام الإخبارية والحملات الانتخابية أصبحت السياسة أكثر اضطرابًا واستقطابًا في العديد من البلدان، وقد ساعد هذا التغير على انتصار المرشحين الشعبويين، والمعارضين للمؤسسة من اليسار واليمين في العديد من الأماكن. كما أنه يجعل من الصعب على القادة الوطنيين السعي وراء التسويات التي يتطلبها التعاون الدولي بشكل حتمي، ويزيد من فرص رفض الحكومات القادمة الالتزام بأفعال أسلافها.

تعمل ثورة المعلومات على زعزعة استقرار السياسة الدولية بطرق أخرى تجعل من الصعب على المؤسسات الدولية القائمة على القواعد التعامل معها.

خذ على سبيل المثال، قضية الحد من التسلح، وهي أحد الاهتمامات المركزية للسياسة الخارجية لويلسون منذ الحرب العالمية الأولى، والتي ازدادت أهميةً بعد تطوير الأسلحة النووية. يُعطي أتباع ويلسون، الأولوية للحد من التسلح، ليس فقط لأن الحرب النووية يمكن أن تُدمر الجنس البشري، ولكن أيضًا لأن الأسلحة النووية أو ما يعادلها، حتى لو لم يتم استخدامها، تجعل حلم ويلسون في إقامة نظام دولي قائم على القواعد بالكامل بعيدًا عن المنال.

تضمن أسلحة الدمار الشامل سيادة الدولة، الذي يعتقد ويلسون أنه لا يتوافق مع أمن البشرية على المدى الطويل. لا يمكن للمرء أن يقوم بسهولة بتدخل إنساني ضد قوة نووية.

لقد حققت الحرب ضد الانتشار النووي بعض النجاحات، وتأخر انتشار الأسلحة النووية لكنها لم تتوقف وأصبح القتال أكثر صعوبة بمرور الوقت. في الأربعينيات من القرن الماضي، تطلب الأمر من أغنى دولة في العالم كونسورتيوم من كبار العلماء لخلق أول سلاح نووي. اليوم، يمكن للمؤسسات العلمية من الدرجة الثانية والثالثة في البلدان منخفضة الدخل إدارة هذا الإنجاز والقيام به هذا لا يعني أنه ينبغي التخلي عن مكافحة الانتشار النووي لكنه مجرد تذكير بأنه ليس لكل الأمراض علاج.

علاوة على ذلك، يؤدي التقدم التكنولوجي الذي يشكل أساس ثورة المعلومات إلى تطوير الأسلحة السيبرانية لإلحاق ضرر إستراتيجي بالخصوم- كما يتضح من جائحة كوفيد-19، والتي كانت بمثابة تحذير من أن أدوات الحرب الجديدة ستكون أكثر صعوبة في المراقبة والتحكم من التكنولوجيا النووية قد لا يكون الحد الفعال للأسلحة في هذه المجالات ممكنًا. يتغير العلم بسرعة كبيرة جدًّا، ومن الصعب اكتشاف من يقف خلف هجوم سيبراني ما، ولا يمكن حظر الكثير من التقنيات الرئيسية تمامًا؛ لأن لها أيضًا استخدامات مدنية مفيدة.

بالإضافة إلى ذلك، تدفع الحوافز الاقتصادية التي لم تكُن موجودة في الحرب الباردة الآن سباقات التسلح في مجالات جديدة. كانت الأسلحة النووية وتكنولوجيا الصواريخ طويلة المدى باهظة الثمن للغاية ولم تحقق سوى القليل من الفوائد للاقتصاد المدني. على النقيض من ذلك، فإن البحث البيولوجي والتكنولوجي مهم لأي بلد أو شركة تأمل في أن تظل قادرة على المنافسة في القرن الحادي والعشرين. يلوح في الأفق سباق تسلح متعدد الأقطاب لا يمكن السيطرة عليه عبر مجموعة من التقنيات المتطورة، وسيقوض الآمال في إحياء نظام ويلسون.

إنه ليس للجميع

أحد الافتراضات المركزية وراء البحث عن نظام ويلسون، هو الاعتقاد بأنه مع تطور البلدان فإنها ستصبح أكثر تشابهًا مع البلدان المتقدمة بالفعل وستتلاقى في النهاية على النموذج الرأسمالي الليبرالي الذي يتشكل في الأساس من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية. يتطلب مشروع ويلسون، درجة عالية من التقارب لتحقيق هذا النجاح؛ يجب أن تكون الدول الأعضاء في نظام ويلسون ديمقراطية، ويجب أن تكون مستعدة وقادرة على إدارة علاقاتها الدولية داخل المؤسسات الليبرالية متعددة الأطراف.

على المدى المتوسط على الأقل، لم يعُد من الممكن استمرار الإيمان بالتقارب. اليوم يبدو أن كلًّا من الصين والهند وروسيا وتركيا أقل احتمالًا للتلاقي مع الديمقراطية الليبرالية مما كانت عليه في عام 1990، وقد تطورت هذه البلدان والعديد من البلدان الأخرى اقتصاديًّا وتقنيًّا ليس من أجل أن تصبح أكثر شبهًا بالغرب، بل للوصول لاستقلال أعمق عن الغرب والسعي لتحقيق أهداف حضارية وسياسية خاصة بهم.

في الحقيقة، يمكن اعتبار «الويلسونية» حلًّا أوروبيًّا بشكل خاص لمجموعة من المشكلات الأوروبية. منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية، تم تقسيم أوروبا إلى متنافسين غالبيتهم أقران متقاربون، وكانت الحرب هي الحالة الثابتة لأوروبا في معظم تاريخها ويمكن أن تُعزى هيمنة أوروبا العالمية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلى التنافس الطويل على السيادة بين فرنسا والمملكة المتحدة، والذي عزز التطورات في التمويل، وتنظيم الدولة والتقنيات الصناعية، وفن الحرب، التي أدت لمنافسة شرسة بين الدول الأوروبية.

في ظل شبح نشوب حرب بين القوى العظمى التي خيمت على أوروبا باستمرار، طورت الدول الأوروبية نظامًا أكثر تعقيدًا للدبلوماسية والسياسة الدولية مما فعلت باقي الدول في أجزاء أخرى من العالم. كانت المؤسسات والمذاهب الدولية المتطورة للشرعية موجودة في أوروبا قبل أن يُبحر ويلسون، عبر المحيط الأطلسي للترويج لعصبة الأمم، والتي كانت في جوهرها نسخة مطورة من الأشكال الأوروبية الموجودة مسبقًا للحوكمة الدولية.

على الرغم من أن الأمر احتاج إلى حربًا عالمية مدمرة أخرى لضمان التزام ألمانيا، وكذلك جيرانها الغربيين بقواعد النظام الجديد  إلا أن أوروبا كانت مستعدة بالفعل لإنشاء نظام ويلسون.

لكن تجربة أوروبا لم تكُن هي القاعدة العالمية. على الرغم من تعرض الصين بشكل دوري للغزو من قبل القبائل البدوية الآسيوية وكانت هناك فترات في تاريخها كافحت فيها ضد العديد من الدول الصينية المستقلة من أجل السلطة، كانت الصين كيانًا واحدًا في معظم تاريخها.

إن فكرة دولة شرعية واحدة بدون أقران دوليين حقيقيين متجذرة بعمق في الثقافة السياسية للصين مثل فكرة نظام متعدد الدول يرتكز على الاعتراف المتبادل وهو جزء لا يتجزأ من فكرة أوروبا. كانت هناك اشتباكات بين الصينيين واليابانيين والكوريين، ولكن حتى أواخر القرن التاسع عشر، كان الصراع بين هذه الدول نادرًا.

في تاريخ البشرية ككل، تبدو الدول الحضارية الدائمة نموذجية من النمط الأوروبي للتنافس بين الدول النظيرة، سيطرت إمبراطورية المغول على الهند الحديثة المبكرة بين القرن السادس عشر والقرن التاسع عشر بينما سيطرت الإمبراطوريتان العثمانية والفارسية على ما يُعرف الآن بالشرق الأوسط.

لم يعرف الإنكا والأزتيك أي منافسين حقيقيين في مناطقهم. لذلك يبدو النمط الأوروبي، الذي أجبرت فيه دورة الحرب المتصاعدة دولها على التعبئة وتطوير الموارد التكنولوجية والسياسية والبيروقراطية لضمان بقاء الدولة أمرًا خاصًّا بها ويختلف عن بقية العالم.

بالنسبة للدول والشعوب في معظم أنحاء العالم، لم تكُن مشكلة التاريخ الحديث التي كانت بحاجة إلى حل هي تكرار صراع القوى العظمى. بدلًا من ذلك، كانت المشكلة هي معرفة كيفية إبعاد القوى الأوروبية، الأمر الذي تضمن تعديلًا ثقافيًّا واقتصاديًّا مؤلمًا من أجل تسخير الموارد الطبيعية والصناعية. ضربت الخلافات الضروس في أوروبا غير الأوروبيين ليس كتحدٍّ حضاري وجودي يجب حله ولكن كفرصة مرحب بها لتحقيق الاستقلال.

غالبًا ما انضمت الدول ما بعد الاستعمار والدول غير الغربية إلى المؤسسات الدولية كوسيلة لاستعادة وتعزيز سيادتها، وليس لأجل التنازل عنها، وكان اهتمامها الرئيسي بالقانون الدولي الذي يضمن حماية الدول الضعيفة من الدول القوية، وليس الحد من سلطة القادة الوطنيين على تعزيز سلطتهم على عكس نظرائهم الأوروبيين لم يكُن لهذه الدول خبرات سياسية ولا أنظمة استبدادية تقوم على قمع المعارضة وتجنيد السكان العاجزين لخدمة الغزو الاستعماري. بدلًا من ذلك، انطوت تجاربهم على وعي مُهين بعجز السلطات والنخب المحلية عن حماية رعاياهم ومواطنيهم من الأفعال والمراسيم المتغطرسة للقوى الأجنبية. بعد انتهاء الاستعمار رسميًّا بدأت الدول الناشئة في فرض سيطرتها على أراضيها الجديدة، وظلت المشاكل الكلاسيكية للحكم في عالم ما بعد الاستعمار وبقيت دولًا ضعيفة وبلا سيادة حقيقية.

حتى داخل أوروبا، هناك اختلافات بالتجارب التاريخية، توصلت دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا إلى فهم مفاده، أن الاتحاد الأوروبي يمكنه تحقيق أهدافهم الوطنية الأساسية من خلال تجمع واحد مشترك يُعزز من سيادتهم وهيمنتهم.

بالنسبة للعديد من أعضاء حلف وارسو السابقين، كان الدافع للانضمام إلى الأندية الغربية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو هو استعادة سيادتهم المفقودة. لم يشاركوا الآخرين مشاعر الذنب والندم تجاه الماضي الاستعماري ولم يشعروا بأي مخاوف بشأن اتخاذ الإجراءات التي يرونها تناسبهم، وكان هدفهم الاستفادة من امتيازات عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو دون الشعور بأي شكل من الأشكال بالالتزام بمبادئ تلك المنظمات المعلنة والتي اعتبرها الكثيرون نموذجًا معياريًّا للنفاق، وعليه حتى داخل أوروبا مبادئ ويلسون، هناك تباين حولها.

خبير نص

كشف الصعود الأخير للحركات الشعبوية في جميع أنحاء الغرب عن خطر آخر على مشروع ويلسون. إذا تمكنت الولايات المتحدة من انتخاب دونالد ترامب رئيسًا في عام 2016، فماذا ستفعل في المستقبل؟ ما الذي يمكن أن يفعله الناخبون في البلدان المهمة الأخرى؟ وإذا أصبح النظام «الويلسوني» مثيرًا للجدل في الغرب، فما هي آفاقه في بقية العالم؟

عاش ويلسون، في عصر واجه فيه الحكم الديمقراطي مشاكل كان يخشى الكثيرون من أنه لا يمكنه التغلب عليها. أدت الثورة الصناعية إلى تقسيم المجتمع الأمريكي، وخلقت مستويات غير مسبوقة من عدم المساواة؛ حيث اكتسبت الشركات والصناديق الاستئمانية قوة سياسية هائلة وكانت تستغل هذه القوة بأنانية تامة لمقاومة جميع التحديات التي تواجه مصالحها الاقتصادية. في ذلك الوقت، كان أغنى رجل في الولايات المتحدة، جون دي روكفلر، يملك ثروة أكبر من الميزانية السنوية للحكومة الفيدرالية على النقيض من ذلك، في عام 2020 كان لدى أغنى أمريكي، جيف بيزوس يمتلك صافي ثروة يساوي حوالي 3% من النفقات الفيدرالية المدرجة في الميزانية. مع ذلك من وجهة نظر ويلسون ورفاقه التقدميين، لا يمكن أن يكون حل هذه المشاكل مجرد منح السلطة للناخبين. في ذلك الوقت، كان معظم الأمريكيين لا يزالون يتلقون تعليمًا حتى الصف الثامن أو أقل وقد ملأت موجة الهجرة من أوروبا المدن المزدهرة في البلاد بملايين الناخبين الذين لا يستطيعون التحدث باللغة الإنجليزية، وكانوا في الغالب أميين ويصوتون بشكل روتيني للآلة السياسية الفاسدة في المدن القادرة على حشدهم دعائيًّا.

كانت إجابة التقدميين على هذه المشكلة هي دعم إنشاء فئة خبراء غير سياسيين من المديرين والإداريين، حيث سعى التقدميون إلى بناء دولة إدارية من شأنها أن تحد من السلطة المفرطة للأثرياء، وتعالج النواقص الأخلاقية والسياسية للفقراء.

(كان الحظر جزءًا مهمًّا من برنامج ويلسون الانتخابي، وخلال الحرب العالمية الأولى وبعدها تحرك بقوة لاعتقال الاشتراكيين وغيرهم من الراديكاليين وترحيلهم في بعض الحالات) من خلال تدابير مثل التعليم المُحسن والقيود الصارمة على الهجرة وتحسين النسل، وانتهاج سياسات السيطرة، كان التقدميون يأملون في خلق ناخبين أكثر تعليمًا وأكثر مسؤولية، وهو من شأنه أن يدعم بشكل موثوق الدولة التكنوقراطية.

بعد قرن من الزمان، تظل عناصر هذا التفكير التقدمي حاسمة بالنسبة للحكم «الويلسوني» في الولايات المتحدة وأماكن أخرى لكن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، قد قوَّضت كل هذه السياسات، وأدىت إلى عدم احترام جميع أشكال الخبرة.

المواطنون العاديون اليوم أفضل تعليمًا بشكل ملحوظ، ولا يشعرون بالحاجة إلى الاعتماد على إرشادات الخبراء وقد أدت الأحداث اللاحقة، بما في ذلك الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، والأزمة المالية لعام 2008، وردود الفعل الحكومية غير الكفؤة خلال جائحة عام 2020، إلى تراجع الثقة بشكل خطير في الخبراء والتكنوقراط الذين اعتبرهم الكثير من الناس أنهم يشكلون «دولة عميقة» مُشينة.

تواجه المؤسسات الدولية أزمة ثقة أكبر، وبات الناخبون المتشككون في قيمة الحكم التكنوقراطي أكثر تشككًا في التكنوقراط الأجانب ذوي الآراء العالمية المشبوهة. مثلما فضل سكان الأراضي الاستعمارية الأوروبية الحكم الذاتي (حتى عندما تدار بشكل سيئ) عن الحكم من قبل موظفي الخدمة المدنية الاستعمارية (حتى عندما يكونون مؤهلين) فمن المرجح أن يرفض العديد من الناس في الغرب وفي عالم ما بعد الاستعمار حتى الخطط ذات النوايا الحسنة للمؤسسات العالمية.

في الوقت نفسه بالبلدان المتقدمة، أدت مشاكل مثل فقدان وظائف التصنيع، والركود أو انخفاض الأجور، والفقر المستمر بين الأقليات، إلى تراجع الثقة في الحلول التكنوقراطية. وعندما يتعلق الأمر بالتحديات الدولية مثل تغير المناخ والهجرة الجماعية، هناك القليل من الأدلة على أن المؤسسات العالمية للحوكمة المرهقة والبلدان المشاكسة التي تديرها ستُنتج نوعًا من الحلول الرخيصة والمناسبة التي يمكن أن تُلهم الجمهور وتستعيد ثقتهم من جديد.

ماذا يعني ذلك لبايدن

لكل هذه الأسباب، من المرجح أن يستمر النظام العالمي بعيدًا عن النظام «الويلسوني»، وسوف يتم تنفيذ السياسة العالمية بشكلٍ متزايد على أسس غير «الويلسونية»، وفي بعض الحالات حتى ستتم مناهضة مبادئ ويلسون. قد تبقى مؤسسات مثل الناتو والأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية على قيد الحياة (لا ينبغي أبدًا استبعاد المثابرة البيروقراطية) لكنها ستكون أقل قدرة، وربما أقل استعدادًا لتحقيق حتى أهدافها الأصلية، ناهيك عن مواجهة تحديات جديدة. في غضون ذلك، سيتشكل النظام الدولي بشكلٍ متزايد من قبل الدول التي تسير على مسارات متباينة. هذا لا يعني مستقبلًا حتمية الاشتباكات الحضارية، لكنه يعني أنه سيتعين على المؤسسات العالمية استيعاب نطاق أوسع بكثير من وجهات النظر والقيم مما كانت عليه في الماضي.

بالنسبة لصانعي السياسة في الولايات المتحدة، تطرح الأزمة الحالية والمتطورة للنظام «الويلسوني» في جميع أنحاء العالم مشاكل مزعجة من المحتمل أن تشغل بال الإدارات الرئاسية لعقود قادمة. تتمثل إحدى المشكلات في أن العديد من المسؤولين المهنيين والأصوات القوية في الكونغرس ومنظمات المجتمع المدني والصحافة يؤمنون بعمق ليس فقط بأن سياسة ويلسون الخارجية هي أمر جيد ومفيد للولايات المتحدة، ولكن أيضًا أنها السبيل الوحيد للسلام والأمن وحتى لبقاء الحضارة والإنسانية سيستمرون في القتال من أجل قضيتهم، ويشنون حرب الخنادق داخل البيروقراطية، ويستخدمون سلطات إشرافهم في الكونغرس، والتسريبات المستمرة لوسائل الإعلام المتعاطفة لإبقاء الشعلة حية.

سوف تتأثر هذه الفصائل بحقيقة أن أي تحالف دولي في السياسة الخارجية الأمريكية يجب أن يعتمد إلى حد كبير على الناخبين الويلسونيين. لكن جيلًا من المبالغة وسوء التقدير السياسي قلل بشكل كبير من مصداقية أفكار ويلسون بين الناخبين الأمريكيين. خصوصًا بعد كارثة الرئيس جورج دبليو بوش لبناء الدولة في العراق وإخفاق أوباما، في التدخل الإنساني في ليبيا أصابت هذه الأحداث والفشل فيها معظم الأمريكيين بالإحباط، وهناك القليل من الحماس العام لبناء الديمقراطية في الخارج.

لكن السياسة الخارجية الأمريكية هي دائمًا مسألة تحالف. كما كتبت في كتابي بعنوان «السياسة الخارجية الأمريكية وكيف غيرت العالم» فإن مدرسة ويلسون، هي واحدة من أربع مدارس عملت على تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن الثامن عشر.

يريد الهاميلتونيون (نسبة إلى ألكسندر هاميلتون من الآباء المؤسسين) تنظيم السياسة الخارجية الأمريكية حول حكومة وطنية قوية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعالمي المال والتجارة الدولية. يريد الويلسونيون (المؤمنون بنهج وودرو ويلسون) بناء نظام عالمي قائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. بينما يتشكك الشعبويون الجاكسونيون (المؤمنون بنهج أندرو جاكسون) في الشركات الكبرى والحملات الصليبية الويلسونية، لكنهم يريدون برامج عسكرية واقتصادية شعبوية قوية. يريد الجيفرسونيون (نسبة إلى توماس جيفرسون) الحد من الالتزامات والمشاركة الأمريكية في الخارج.

بينما حددت المدرسة الخامسة، التي كان جيفرسون ديفيس، رئيس الكونفدرالية، مؤيدًا بارزًا لها، المصلحة الوطنية للولايات المتحدة حول الحفاظ على العبودية.

في النهاية سيطرت أفكار ألكسندر هاميلتون ووودرو ويلسون إلى حد كبير على صنع السياسة الخارجية الأمريكية بعد الحرب الباردة، لكن أوباما بدأ في إعادة تقديم بعض أفكار جيفرسون حول ضبط النفس، وبعد المغامرة الليبية، تعزز تفضيله لهذا النهج بوضوح. سعى ترامب، الذي علق صورة الرئيس أندرو جاكسون في المكتب البيضاوي، إلى بناء تحالف قومي من أتباع جاكسون وجيفرسون ضد التحالف العالمي من أتباع هاميلتون وويلسون، الذي كان قد صعد منذ الحرب العالمية الثانية.

حتى في الوقت الذي توجه فيه إدارة بايدن، السياسة الخارجية الأمريكية بعيدًا عن النزعة القومية في فترة ترامب فإنها ستحتاج إلى إعادة تعديل التوازن بين نهج ويلسون، وأفكار المدارس الأخرى في ضوء الظروف السياسية المتغيرة في الداخل والخارج. تم إجراء تعديلات مماثلة في الماضي. في السنوات الأولى المفعمة بالأمل من حقبة ما بعد الحرب، أراد أنصار ويلسون مثل إليانور روزفلت، أن تدعم إدارة ترومان، الأمم المتحدة وتجعل هذا الأمر على رأس أولوياتها. سرعان ما رأى هاري ترومان، وفريقه أن معارضة الاتحاد السوڤيتي كانت أكثر أهمية وبدأوا في إرساء أسس الحرب الباردة والاحتواء.

كان التحول مؤلمًا، ولم ينجح ترومان إلا في الحصول على تأييد فاتر من روزفلت خلال انتخابات عام 1948 التي شهدت منافسة شرسة. لكن كتلة حرجة من الديمقراطيين الويلسونيين، قبلوا المنطق القائل بأن هزيمة الشيوعية الستالينية كانت غاية تبرر كافة الوسائل المشكوك فيها التي تتطلبها الحرب الباردة.

يمكن أن يتعلم بايدن من هذا المثال. إن إنقاذ الكوكب من كارثة مناخية وبناء تحالف لمواجهة الصين سيشكل دافعًا قويًّا سيؤدي للحصول على دعم وتأييد العديد من أبناء ويلسون عليها، على أنهم سيفتقرون إلى الالتزام بالمبادئ عندما يتعلق الأمر باختيار الحلفاء والتكتيكات.

يمكن لإدارة بايدن، أيضًا الاستفادة من الأساليب الأخرى التي استخدمها الرؤساء السابقون لكسب دعم أتباع ويلسون. الأول: هو الضغط على الدول الضعيفة داخل دائرة نفوذ واشنطن للقيام بالعديد من الإصلاحات السريعة والساخنة. على الجانب الآخر: تقديم الدعم على الأقل للمبادرات الملهمة التي لديها احتمالات ضئيلة للنجاح.

في المحصلة النهائية، اعتاد أتباع ويلسون على الفشل المُشرف، وسيدعمون السياسيين في كثير من الأحيان بناءً على نواياهم النبيلة (المفترضة) دون المطالبة بالكثير في طريق النجاح.

هناك طرق أخرى أقل ميكافيلية لإبقاء ويلسون منخرطًا في هذا الصراع. على الرغم من أن الأهداف النهائية لسياسة ويلسون أصبحت أقل قابلية للتحقيق، فهناك قضايا معينة يمكن للسياسة الأمريكية الذكية والمركزة أن تحقق النتائج التي يحبها ويلسون يُعد التعاون الدولي لجعل غسيل الأموال أكثر صعوبة، والقضاء على الملاذات الضريبية أحد المجالات التي يمكن إحراز تقدم فيها من المرجح أن يظل القلق على الصحة العامة الدولية قويًّا لعدة سنوات بعد انتهاء جائحة كوفيد-19. يُعد تعزيز التعليم للمجموعات المحرومة في البلدان الأجنبية من النساء والأقليات العرقية والدينية والفقراء أحد أفضل الطرق لبناء عالم أفضل. يمكن للعديد من الحكومات التي ترفض نموذج ويلسون العام أن تقبل الدعم الخارجي لمثل هذه الجهود في أراضيها طالما أنها غير مرتبطة بأجندة سياسية واضحة.

في الوقت الحالي، تعيش الولايات المتحدة والعالم ما يشبه الركود «الويلسوني». لكن لا شيء في السياسة يدوم إلى الأبد والأمل شيء يصعب قتله إن رؤية ويلسون مغروسة بعمق في الثقافة السياسية الأمريكية، والقيم التي تتحدث عنها تتمتَّع بقدر كبير من الجاذبية العالمية بحيث لا يمكن كتابة نعيها النهائي حتى الآن.[1]

المقالة تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

الكاتب: (والتر روسيل) – أستاذ في مؤسسة جيمس كلارك تشيس، للشؤون الخارجية والعلوم الإنسانية في كلية بارد، وكاتب عمود في وول ستريت جورنال وزميل متميز في معهد هدسون.

[1] By: Walter Russell Mead – Foreign Affairs – The End of the Wilsonian Era – January/February 2021, https://www.foreignaffairs.com/articles/united-states/2020-12-08/end-wilsonian-era