متى سيحل عام 1984؟

الإنجيل.. كتاب “رأس المال” لكارل ماركس.. رواية “1984” لجورج أورويل البريطاني.. ربما هذا هو التسلسل الأدق للكتب الأكثر مبيعًا خلال المئة عام الأخيرة حسب معطيات دور النشر العالمية، واستطلاعات رأي القراء الدولية.

جورج أورويل هو اسم مستعار للأديب والكاتب الصحفي البريطاني إيريك آرثر بلير، الذي ولد في الهند لعائلة موظف بريطاني، وتخرج في جامعة إيتون المرموقة، ثم خدم في الشرطة البريطانية الاستعمارية في بورما، وبعد عودته إلى لندن بدأ نشاطه كاتبًا صحفيًّا وروائيًّا. وفي عام 1937 شارك أورويل في الحرب الأهلية في إسبانيا، ثم عاد إلى بريطانيا، وعمل بضع سنوات مذيعًا في إذاعة “البي بي سي”، ثم كاتبًا صحفيًّا، وعاش السنوات الأخيرة من حياته زاهدًا متواريًا عن الأضواء في جزيرة جورا الإنجليزية المعزولة، حيث مات عن عمر ناهز 49 عاما.

تنتمي روايته “1984”، أو “ألفٌ وتسعمئة وأربعة وثمانون.. رواية”- كما هي الصيغة الصحيحة لعنوان الرواية- إلى ما يسمى بأدب “الديستوبيا”، أو أدب “المدينة الفاسدة”، وأحيانًا يسمى بأدب “الواقع المرير”، أي الذي يأتي عكس “اليوتوبيا” أو “المدنية الفاضلة” التي تحلم بالمجتمع الأفضل البعيد. على أي حال، فإن رواية “1984” بإمكانها هز أكثر القراء متانة وصلابة بسبب تشاؤمها اللامحدود وقتامة المستقبل الذي تنبأت به.

كما أن السرديات الاجتماعية والنفسية وحتى التكنولوجية، التي جاءت فيها، لا تزال تستحوذ على وعي القراء، وتثير دهشتهم لتشابهها ليس فقط مع “وقائع” النظام السوڤيتي المبكر، الذي كان جورج أورويل يقصده بدرجة كبيرة فحسب؛ بل لدقة التوقعات بما ستؤول إليه السياسات والمجتمعات اليوم، وما ستصل إليه المجتمعات مستقبلًا، مع أن المؤلف البريطاني حاول الاستقراء في عام 1949، وهو عام تأليف الرواية، لأحداث كانت ستقع في عام 1984.

لن نخوض في تفاصيل حياة جورج أورويل التي كانت زاخرة بالأحداث، والإيمان الشديد بالحياة الأفضل، الذي انتهي إلى خيبات أمل كثيرة. سنكتفي هنا بتحليل بعض رموز روايته الأشهر “1984” ومعانيها، وإن كانت روايته الأسبق “مزرعة الحيوان” مشهورة أيضًا مجازاتُها تحكي بسخرية شديدة عن مخاض ثورة ومآلاتها عن طريق مقارنة الثوار بالبهائم، لكننا لن نستطيع الامتناع عن معالجة بعضٍ من شخصية إريك بلير الإنسان والمفكر؛ لأن بدونها لا يمكن فهم مقاصده تمامًا.

كان جورج أورويل في شبابه كغيره من الجماهير في عشرينيات القرن الماضي في أوروبا وثلاثينياته، مهووسًا بأفكار الثورة الروسية عام 1917 التي نادت بتحقيق العدالة الاجتماعية، والتخلص من أعباء الرأسمالية، وتحسين حياة الطبقة الكادحة، لكن الأديب البريطاني أصيب بصدمة شديدة حفرت آثارها عميقًا في وعيه بعدما ذهب إلى إسبانيا للمشاركة في القتال في صفوف الجمهوريين ضد جيش ديكتاتور إسبانيا فرانشيسكو فرانكو. هناك شاهد بأم عينيه الوحشية التي قَمع بها أنصارُ ستالين الإسبان- الحزب الشيوعي الإسباني- حلفاءهم في الحركة الماركسية (“حزب العمل للوحدة الماركسية”) الواسعة الشعبية، ثم شعر بصدمة أخرى من طبيعية تغطية تلك الحرب في وسائل الإعلام الإسبانية، وما ألَمه أكثر التقارير في الصحافة البريطانية التي كان فيها كثير من التحريف لحقيقة الحرب الأهلية الإسبانية.

ولأنه كان يرى نفسه من أشد مناصري الاشتراكية خاب أمله بشكل كبير وهو يتابع في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات التطورات في الاتحاد السوڤيتي، وتحديدًا نظام القبضة الحديدية الذي انتهت إليه الأفكار التحررية الكبرى لأول ثورة اشتراكية في العالم، لكنه بقي ينادي بتحرير طبقة العمال، والدفاع عن مصالح الفئات المعدمة، وكان يحارب تجاوزات الرأسمالية إلى أن أعلن نفسه من أتباع “الاشتراكية الديمقراطية”، وبسبب موقفه الأيديولوجي هذا نفر منه الكثيرون في المجتمع البريطاني آنذاك.

سعى الأديب البريطاني في روايته “1984”- في عرض سخري- إلى وصف مجتمعٍ انتصرت فيه ممارسات مخيفة للتحكم بعقل الإنسان وتطبيقات متطرفة للشمولية والاستبدادية بأقسى أشكالها. اعتقد كثير من النقاد أن أورويل عند صياغته لحبكة “1984” انطلق- بشكل أساسي- من الواقع السوڤيتي، وهو ما تؤكده الباحثة والكاتبة الروسية المقيمة في بريطانيا والمتخصصة في دراسة إرث أورويل، ماريا كارب. ولأن هذا العمل الأدبي لم تتعافَ من صدمته الثقافة العالمية منذ ما يقارب سبعين عامًا، ولأنه لا يزال يشكل مرجعًا “روحيًّا” للمثقفين حول العالم في تصوراتهم عن الاتحاد السوڤيتي؛ فقد وضعنا هدفًا لهذا المقال المقارنة بين الحقيقي والخيالي فيما كتبه جورج أورويل في “روايته المريرة”.

صحيح أن الرواية كتبت في قالب خيالي شديد السخرية، لكنها تأتي بمشبهات يُعتقد أنها قريبة بشكل مدهش لنمط الحياة في الاتحاد السوڤيتي المبكر (الذي لم يزره الكاتب) ونظامه السياسي. فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: إلى أي مدى تتناسب أحداث الرواية وشخصياتها مع حقيقة الأجواء التي كان يعيشها أناس حقيقيون في ظل نظام سياسي معين ضمن دولة حقيقية نشأت على امتداد جغرافيا ممتدة، وتضمنت فضاء حضاريًّا فريدًا؟ ما تلك الوقائع و”السرديات” التي أجمع النقاد والمفكرون على أنها تعكس ما كان موجودًا في الاتحاد السوڤيتي من ظواهر اجتماعية، وسياسية، وأخلاقية.

تعج الساحات والأماكن العامة في دولة أوشينيا الخيالية بلافتات ضخمة مرسوم عليها الوجه الوحيد نفسه، ومكتوب تحتها “الأخ الكبير ينظر إليك”، وجاء في الرواية أنه “من كل ناصية ينظر إليك ذو الشارب الأسود”، ما يوحي بشكل لا لبس فيه أن ذلك الأخ الكبير هو الزعيم السوڤيتي يوسف ستالين الذي كانت صوره وتماثيله- كصور مؤسس دولة البلاشفة ڤلاديمير لينين وتماثيله- منتشرة فعلا في كل مدن الاتحاد السوڤيتي وقراه، واستمرت هذه الظاهرة إلى عام 1953، وهو عام وفاة ستالين. بعد ذلك رُفعت صور ستالين، ولم تبق إلا تماثيل لينين ومجسماته، في نمط شبيه ببعض الدول العربية التي تُعَلَّق فيها صور لحكامها في الشوارع والساحات العامة.

وكتب أورويل أيضًا: “ترك الكادحون المصانع والمؤسسات، وساروا في الشوارع معبرين عن شكرهم للأخ الكبير على حياة جديدة سعيدة تحت قيادته الحكيمة”، ما ينقل بدقة أجواء المسيرات والاحتفالات الشعبية الحاشدة في الاتحاد السوڤيتي وهي تجري تأييدًا وتمجيدًا للحزب الشيوعي، وحكومته، و”نهجهما الحكيم”.

ثم جاء في الرواية: “وكان هناك في مكان ما، وعلى نحو مجهول، دماغ حي يدير ويرسم الخطاب السياسي الذي يتطلب الإبقاء على جزء من الماضي كما هو، وتزوير جزئه الآخر، وقطع دابر جزئه الثالث بلا رجعة”. والتلميح هنا يرمز إلى وجود ممارسات فعلية كانت قائمة في الاتحاد السوڤيتي المبكر، وهي “صنع تاريخ جديد” من جانب “المنتصرين”، أي البلاشفة بعد ثورة 1917، وخاصة بعد انتصارهم في الحرب الأهلية المدمرة التي عمت الدولة السوڤيتية الفتية بين عامي 1918 و1921.

أما الإشارات المتعددة، التي جاءت في قصة أورويل التخيلية، عن مركزية القرار السياسي، ونظام الشمولية الذي يهيمن فيه الحزب الواحد على جميع نواحي الحياة، و”تقديس” شخصية الزعيم، فمعظمها بلا شك يعكس- إلى حد بعيد- طبائع النظام السياسي السوڤيتي بعد ثورة 1917، أو إذا أردنا الدقة، بعد عام 1922، وهو التاريخ الصحيح لقيام دولة “اتحاد الجمهوريات السوڤيتية الاشتراكية (USSR).

ووصف جورج أورويل بشكل لا يتعارض كثيرًا مع الواقع السوڤيتي الفعلي ذلك الادعاء ببناء مجتمع بدون طبقات وضعها المنظرون الاشتراكيون والشيوعيون الأوائل ضمن فلسفة إحقاق العدالة الاجتماعية، لكن الإشكالية هنا تكمن في أن هذا النوع من المجتمع كان قد تحقق فعليًّا وعمّر فترة طويلة نسبيًّا، إلا أنه في ستينيات القرن الماضي أصابه ظهور طبقة جديدة لم يعرفها ولم يتنبأ بها المنظرون الماركسيون السوڤيت، وهي طبقة “نومينكلاتورا”، أي فئة المسؤولين وكبار الموظفين والإداريين الحزبيين الذين استحوذوا على امتيازات اجتماعية ومادية كبيرة، في الوقت الذي ظل فيه عامة المجتمع والناس البسطاء محرومين منها.

أما المعادلة الرياضية الشهيرة العجيبة “2+2=5″، التي ابتكرها “الحزب الداخلي”، في “1984”، تعبيرًا عن حالة اللامنطق واللامعقول السائدة في مجتمع بلاد أوشينيا، فالموضوع يعود إلى أنه كانت هناك في الاتحاد السوڤيتي في ثلاثينيات القرن الماضي خطط اقتصادية خماسية (معروفة في بعض البلدان العربية ذات التوجه الاشتراكي)، وحدث أنه في سياق تشجيع الحكومة السوڤيتية على مضاعفة وتائر التنمية الاقتصادية، اعتُمِدَت هذه الصيغة بالفعل، والقصد هنا تنفيذ الخطة الخماسية خلال أربع سنوات، وهذا ما تم تطبيقه على أرض الواقع.

يصف المؤلف الحياة في مجتمع دولة أوشينيا أنه الخوف الشديد المسيطر كليًّا على وعي أفراده وتصرفاتهم إلى درجة إصابتهم بالشلل إن حادوا- ولو ذهنيًّا- عن النهج الرسمي. هذه الأجواء يعيشها بطل الرواية وينستون سميث. إنه تجسيد دقيق نوعًا ما لمرحلة صعبة مر بها الشعب السوڤيتي في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي فترة الاعتقالات الواسعة، وتجسس الجميع على الجميع، وزج الناس في السجون، والإعدامات غير المبررة. إنها فترة ما يسمى بالاضطهادات السياسية، التي بلغت ذروتها في البلاد في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي. الملاحظة هنا أن حالة “الخوف الشديد” لا تشمل إلا وقتًا قصيرًا نسبيًّا من العمر الطويل للدولة السوڤيتية، وهي انتهت في عهد الزعيم نيكيتا خروشيڤ، الذي خلف ستالين بعد وفاته عام 1952.

كما أنه ليس من الصعب أن نجد أن بطلًا آخر في الرواية، إمانوئيل غولدستاين، الذي امتلك الجرأة، وانشق عن الحزب الحاكم ووضع خطابًا سياسيًّا معارضًا، أن نجد فيه شخصية تاريخية حقيقية؛ وهو ليف تروتكسي، أحد قادة ثورة 1917، والمعارض الأكبر لفريق ستالين، الذي اغتيل في المكسيك عام 1940 بأمر من القيادة السوڤيتية.

ولكن ماذا عن الفوارق بين السردية الرواية في “1984” وحقيقة الواقع السوڤيتي؟ الحقيقة أنها كثيرة ومتنوعة، ويضيق المقال عن ذكر جميعها؛ لذا سنكتفي بتلك التي نعدها الأبرز والأهم، والكفيلة بالاستفاقة من السحر الكئيب لرواية جورج أوريل، الذي لفّ أجيالًا من القراء موهمًا إياهم بأن ما تحكي عنه سطور “الكتاب الخالد” هو المدخل الصحيح لفهم الاتحاد السوڤيتي.

يجدر ذكر أن لإيريك بلير المناصر المفرط للاشتراكية الديمقراطية آلاف الصفحات من التفكير في القضايا السياسية والاجتماعية التي سجّل فيها أفكاره عن التجربة السوڤيتية والاشتراكية والشيوعية والديمقراطية، وما قراءتها إلا الطريق الأنسب إلى إدراك ليس فقط “الأساطير المؤسسة” لحبكة قصة خيال “1984” فقط؛ وإنما أيضًا لفهم مدى التشاؤم والإحباط الذي غلب على التفكير الاجتماعي للأديب البريطاني، بل على حياته الاجتماعية والشخصية.

لا بد من التنويه مرة أخرى أن أورويل لم يزر الاتحاد السوڤيتي، وكانت أهم مصادر معلوماته عنه هي تقارير الصحافة البريطانية والدولية، وبعض الكتب، أبرزها: كتاب “المهمة إلى اليوتوبيا” للصحفي الأمريكي يوجين لايونس، وهو مهاجر روسي ذو أصول يهودية، وكان أول صحفي غربي أجرى مقابلة مع الزعيم السوڤيتي يوسف ستالين، وكان في البداية مولعًا بالفكر الاشتراكي، ثم خاب رجاؤه “نتيجة ممارسات النظام الستاليني”. كما قرأ أورويل كتاب “العودة من الاتحاد السوڤيتي” للكاتب الفرنسي أندريه جِيد، وكتاب “الكابوس في الاتحاد السوڤيتي” للكاتب الفرنسي بوريس سوفارين.

بيد أن معظم التخيلات المؤسسة لجورج أوريل عن الشيوعية والشيوعيين جاءت نتيجة الصدمة الكبيرة التي عاشها في أثناء قتاله في الحرب الأهلية الإسبانية، ومشاهدته أساليب القمع والاستبداد التي مارسها شيوعيو إسبانيا المدعومون سوڤيتيًّا ضد باقي الحركات الثورية السياسية المناهضة لديكتاتورية فرانكو، ولكن هؤلاء كانوا شيوعيين إسبانيين، فماذا عن الشيوعيين السوفييت الحقيقيين؟

إنه الإحباط الشديد الذي أصاب جورج أورويل نتيجة تحريف تاريخ تلك الحرب، وتشويهها هو الذي دفعه إلى وصف الوضع الكئيب في دولة أوشينيا الخيالية بعبارة مشهورة تتكرر في الرواية عدة مرات: “لقد توقف التاريخ”. واللافت هنا أن الكاتب البريطاني كان منزعجًا بسبب التضليل الإعلامي الذي مارسته الصحف اليسارية البريطانية “بسبب خضوعها للبروباغندا التوتاليتارية”! ولكن هل توقف التاريخ في الاتحاد السوڤيتي أم في بريطانيا؟

“إن العالم الذي ننزلق إليه هو عالم حقد وشعارات.. عالم قمصان ملونة (إشارة إلى القصمان السوداء والبُنية التي كان الفاشيون في ألمانيا يرتدونها)، وأسلاك شائكة.. وهراوات مطاطية.. وغرف سرية تضيئها إضاءة كهربائية على مدار الساعة.. ومحققون يراقبونك حتى في أثناء نومك.. إنه عالم مسيرات بلافتات عليها وجوه ضخمة.. حشود بالملايين يمجّدون الزعيم إلى أن يعتقدوا أنهم يقدسونه وهم في قرارة أنفسهم يكرهونه إلى درجة التقيؤ”.. إنه ليس اقتباسًا من رواية “1984”؛ بل هو نص من كتاب آخر لأورويل عنوانه “الخروج إلى المتنفس”، وقصته تدور في بريطانيا، وبطلها رجل بريطاني يعمل وكيل تأمين، يستشعر بقدوم الأسوأ، ويحس مرعوبًا بأن المستقبل لن يأتي إلا بالظلام والحروب؛ لأن الحياة الاجتماعية الحقيقية في بريطانيا في أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها كانت مملوءة بالتشاؤم والتوقعات القلقة.

ولشرح الفكرة أكثر يمكننا الاستعانة بكتاب مهم وشامل للكاتب والصحفي البريطاني المعاصر دوريان لينكسي بعنوان (وزارة الحقيقة.. نبذة حياة “1984” لأورويل) يتابع فيه المؤلف حياة جورج أوريول ومخاض روايته، وكيف أصبحت رمزًا للثقافة المعاصرة. يكتب لينسكي أن السمة الطاغية لروايات أوريول الأربع ومئات من أعماله الصحفية والجدلية هي “التشاؤم والحزن الشديد”، و”شعور الإنسان بالعجز ومعاناته الاجتماعية”، و”الإحباط والهروب من المجتمع”، و”الأجواء الخانقة والبليدة”، و”الكذب والرقابة”، و”الملل وغياب الذوق”، و”الغصة والحسرة”. هكذا يصف دوريان لينسكي معظم الشخصيات والحالة الشعورية في كل رواياته، وهي “الأيام في بورما” و”ابنة القسيس”، و”يحيى اللبخ!”، و”الخروج إلى المتنفس”، و”1984″، وهي كلها، ما عدا الأخيرة، تتحدث بأنماط مختلفة عن الواقع المرير المعيش الحقيقي في بريطانيا، فهل وصف أورويل هذه الأجواء وهذه المجتمعات للاتحاد السوڤيتي أم لبريطانيا؟

وبعد ذكر الأسباب التي لا تسمح أبدًا بإطلاق صفة الأداة الناجعة لفهم طبيعة الشيوعية السوڤيتية الحقيقية على رواية “1984”، نأتي على شكل آخر للتحليل النقدي لها، وقد جاء في أعمال الفيلسوف الاجتماعي السوڤيتي الكبير ألكسندر زينوڤييڤ (1922- 2006). إنه عالم ومفكر لامع له عشرات من المؤلفات المحكمة في علم الاجتماع والمنطق والأدب والصحافة الجدلية، ولكن الأهم أنه كان من أشد معارضي النظام السوڤيتي في سبعينيات القرن الماضي، إلى درجة أن السلطات في موسكو نزعت عنه الجنسية السوڤيتية، فاضطر إلى الهجرة إلى ألمانيا عام 1978. ولكن رغم رفضه للممارسات الأيديولوجية والانزوائية الحزبية للنظام الاشتراكي في الاتحاد السوڤيتي فإن أطروحات ألكسندر زينوڤييڤ العلمية ورؤيته النقدية في المسائل الاجتماعية تتميز- في رأينا- بعمق أكاديمي منطقع النظير، وموضوعية شديدة قلما نجدها عند الكتاب والأدباء المعارضين السوڤيت، سواء داخل الدولة السوڤيتية أو في المهجر، أمثال أندريه ساخاروڤ، وألكسندر سولجينيتسين، وغيرهما. أما القيمة المضافة لكتابات زينوڤييڤ أنه بعد أن عاش أكثر من ربع قرن في أوروبا قد سبر غور المجتمع الغربي بشكل عميق؛ ما تجلى بوضوح في كتابه المهم “الغرب”، الذي تُرجم إلى اللغة العربية على يد المترجم القدير عادل إسماعيل.

في كتابه “العهد السوڤيتي.. اعترافات الطريد”، يرى ألكسندر زينوڤييڤ أن “الصورة التي رسمها أورويل للشيوعية ومستقبل تطور البشرية عامة سطحية وبدائية ومصطنعة. إنها مؤثرة ومريحة فقط في سياق النقد الأيديولوجي والبروباغندا المعادية للشيوعية”. ويضرب زينڤوييڤ مثالًا يوضح فيه أن الكاتب البريطاني يصف القسم الأكبر للمجتمع السوڤيتي بأنهم عمال ورعاة (البرولز) لا ذكاء ولا تعليم لهم، ولا يملك سوى أربعين في المئة فقط منهم نوعًا من التعليم. يقول المفكر السوڤيتي إن هذا التصوير يجانب الحقيقة تمامًا؛ حيث إن التعليم في الاتحاد السوڤيتي كان شاملًا وإلزاميًّا، وغطى مئة في المئة من أفراد المجتمع السوڤيتي الحقيقي، “وهذا ليس لطفًا بالناس بقدر ما هو استجابة لضرورات الاقتصاد والثقافة والإدارة” وفق زينوڤييڤ.

كما يلفت زينوڤييڤ النظر إلى أن تشغيل الأطفال، بخلاف الرواية التي يبدأ الأطفال فيها العمل عند بلوغهم سن الاثني عشر عامًا، كان محظورًا في الاتحاد السوڤيتي. كما كانت ظروف العمل فيه عمومًا أسهل من المجتمع الغربي الرأسمالي. يعترف زينوڤييڤ بأن مستوى المعيشة في الدولة السوڤيتية كان أقل، قياسًا إلى المجتعات الغربية، ولكن الدولة كانت تقدم للمواطن كل الضمانات الاجتماعية الحيوية مجانًا، كالعمل، والتعليم، والسكن، والرعاية الصحية، والمعاش.

بينما يعاني أفراد مجتمع أورويل الخيالي من الوحدة، و”عزلة الروح”، ويتم تجريم التبادل بمشاعر الحب، كما هو ممنوع على الإنسان أن يشعر بالرغبة الجنسية، تتميز البنية المجتمعية الحقيقية للدولة السوڤيتية، وفق زينوڤييڤ، بأنها قد تجاوزت تمامًا إشكالية الغربة، أو العزلة الاجتماعية؛ لأن الفرد في ذلك المجتمع أصبح، في معظم وظائفه الحياتية، جزءًا عضويًّا من الجماعة، بل بات تحت “إشراف” هذه الجماعةـ وهو مجتمع لا داعي فيه للشاشة التليفزيونية الخاصة لمراقبته، كما جاء في الرواية؛ لأن هذا المجتمع الحقيقي في روسيا يعرف أعضاؤه كل شيء عن بعضهم بعضًا مسبقًا. أما مظاهر الحب، بل ممارسة الجنس في حدود أخلاقية معينة، فلم تكن قط من المحظورات في المجتمع السوڤيتي.

وعن أن أعضاء “الحزب الداخلي” لمجتمع 1984 منفصلون عن الجماهير، وأن شرطة الفكر تراقبهم دائمًا، يقول المفكر السوڤيتي إن أعضاء الحزب الشيوعي الحقيقي لم يكونوا معزولين عن بقية أفراد المجتمع السوڤيتي، ولم يكن نمط حياة معظمهم يختلف كثيرًا عن نمط حياة الناس العاديين.

أما بالنسبة إلى “السر الأعظم” للحزب الحاكم الذي يكتشفه قوي الحزب الخيالي “أوبراين” لوينستون سميث في نهاية “1984”، وهو أن السلطة بالنسبة إلى الحزب ليست الوسيلة لتحقيق هدف ما؛ وإنما هي- أي السلطة- الهدف الأساسي والنهائي بعينه، فيعدّه ألكسندر زينوڤييڤ “حماقة اجتماعية”، مشددًا على أن الهدف الأساسي للسعى وراء السلطة والمناصب في الاتحاد السوڤيتي، كما في مجتمعات كثيرة، كان الحصول على الامتيازات المادية والاجتماعية التي تمنحها هذه السلطات، وهذا ليس بسر كبير. ويضيف العالم زينوڤييڤ أنه ليس هناك “أسرار سحرية” للمجتمع السوڤيتي أصلا، وهو مجتمع يصفه الباحث بـ “الاعتيادي (غير المتميز)، والبسيط، والطبيعي، والبراغماتي”.

ومن الأمور التي خدعت القراء عبر الأجيال الدقة التي يصف بها أورويل تفاصيل الحياة اليومية للناس في دولة أوشينيا “الستالينية”، ومنها وصف أورويل شققهم ومنازلهم الفقيرة، والأغراض المنزلية كأدوات المطبخ وما شابه، وذلك أدهش الكثيرين لتطابقه مع الوقائع الحياتية الفعلية في روسيا الستالينية الحقيقية.. “كاد حوض المطبخ يمتلئ حتى النهاية بماء وسخ أخضر اللون تفوح منه رائحة أسوأ من رائحة الملفوف. ركع وينستون على ركبتيه وفحص معرج الأنبوب. جاءت ميسيس بارسونز بالمفتاح. شفط وينستوت الماء وأخرج باشمئزاز كومة شعر من الأنبوب”. والتفسير أن ظروف الحياة في لندن في أثناء الحرب العالمية الثانية كانت صعبة جدًّا بما يشبه تلك في الاتحاد السوڤيتي آنذاك. ولا ننسى أيضًا أن جورج أورويل جرب بنفسه حياة الفقراء والمعدمين، وقرر في أثناء إقامته في باريس، في ثلاثينايت القرن الماضي، أن يخوض تجربة حياة أضعف فئات المجتمع الفرنسي، فعمل غاسلًا للأطباق في أكثر أحياء العاصمة الفرنسية فقرًا وبؤسًا.

يقول جورج أورويل إنّ الحركية الاجتماعية ضمن النظام الاشتراكي أصعب من المجتمع الطبقي، وهذا خطأ؛ لأن النظام الاجتماعي الذي تكوّن في روسيا السوڤيتية هو بالضبط ما فتح أبواب الترقية الاجتماعية بشكل واسع لكل فئات المجتمع، وخاصة العمال والفلاحين، وإلا فكيف وصل ليونيد بريجنيڤ إلى زعامة الاتحاد السوڤيتي (إلى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي)، وهو بدأ حياته المهنية عاملًا بسيطًا في المصنع، أما ميخائيل غورباتشوڤ فاعتلى أعلى منصب قيادي سوڤيتي وهو سائق جرار في أيام شبابه، فضلًا عن أن معظم قادة ثورة 1917 كانوا من أبناء أبسط فئات المجتمع، ومنهم يوسف ستالين، وليڤ تروتسكي.
كما أن الادعاء في “1984” أنه مهما كانت جليلة الثورات والانقلابات فإن النتيجة دائمًا واحدة، وهي عودة الأمور إلى مجراها القديم الإشكالي”، يصعب مواءمته مع الواقع الروسي الذي أدت به الثورة إلى تغيير جذري للنظام السياسي والاجتماعي، فمخاض لمجتمع جديد متطور.

وبالعودة إلى ممارسة الحزم الحاكم في أوشينيا، تشويه التاريخ، وحذف ما لا يتناسب مع أيديولوجيته بهدف صنع “الحاضر المطلوب”، فإن هذه النزعة متجذرة لدى الحكام في كثير من المجتمعات إن لم يكن في كلها، إذ نشأت هذه الظاهرة حين ظهر علم يهتم بالماضي، وهو علم التاريخ. كما أن “ازدواجية التفكير”، وهي من أهم سمات “روسيا الأورويلية”، ليست مرتبطة بالضرورة بالتاريخ الروسي، أو التجربة الشيوعية حصرًا؛ وهنا يحضرنا مثال الحروب الصليبية، ومحاكم التفتيش التي كان المجتمع يراها آنذاك، رغم قساوتها الواضحة للناس، ممارسات عادلة وحميدة، ولم يعترف بابا الفاتيكان بخطئهما إلا حديثًا.

ولكن ما السيرة الذاتية لرواية “1984” الشهيرة؟ وكيف ولدت في ذهن الكاتب جورج أورويل؟

إن الرؤية الدقيقة لأدب أورويل وحياته تقول إن إبداعاته تأثرت تأثرًا ملحوظًا بالروايات والكتب الكثيرة للمؤلفين الإنجليز والأمريكيين الذين سبقوه في مجال أدب اليوتوبيا واليوتوبيا المضادة (الديستوبيا). ظهر هذا النوع من الأدب مبكرًا، وجاءت أولى ثماره منذ أواخر القرن التاسع عشر. وحسبنا أن نذكر هنا أن أبرز الروايات التي تأثرت بها “1984” هي رواية شهيرة تنتمي إلى الأدب اليوتوبي “عندما يستيقظ النائم” (1899) التي ألفها عملاق القصة الخيالية والأدب الجتماعي الكتاب والمفكر البريطاني الكبير هربرت جورج ويلز عام 1899. منه “استعار” أورويل الشكل الثلاثي للعالم المستقبلي (ثلاث دول عظمى- أوشينيا، وأوستازيا، وأوراسيا)، والشرطة التي تراقب الجميع، وتحريف التاريخ، وتبسيط اللغة الإنجليزية بهدف تصغير التفكير، كما استورد منه أورويل فكرة “تطهير” الوعي واستبدال وعي آخر به، وحتى مصطلح “الأخ الكبير” الذي اشتهر به جورج أورويل، جاء أولًا في رواية “عندما يستيقظ النائم” لهربرت ويلز!

أما جهاز تأليف الروايات الذي تعمل عليه بطلة “1984” جوليا في وزارة الحقيقة الأورويلية، فالفكرة مأخوذة عن قصة “رحلات غوليفر” لجوناثان سويفت، عام 1726 (“الآلة الكلامية”). ورواية “العقب الحديدية” للكاتب الأمريكي جاك لندن، عام 1908، الذي قال عنه جورج أورويل إنه تنبأ بظهور الفاشية، تزود منها الكاتب البريطاني ببنية مجتمع تحكمه الأوليغارشية الجماعية (التي لا أثر لها في الاتحاد السوڤيتي، بالمناسبة)، وطبقة البرولز (العمال)، كما استورد أوريل من جاك لندن مجازًا معروفًا كثير التكرار في “1984”، وهو الحذاء الذي يدسّ على وجه الإنسان” رمزًا لقمع الحزب الداخلي، أي معارضة، ولو كانت فكرية.

كتاب آخر مهم أثر بشدة في تخيلات أورويل عن شمولية متطرفة تكبر في المستقبل لتتخذ أحجامًا مرعبة، وأشكالًا مخيفة، هو رواية “نحن” (1920) للكاتب الروسي يفغيني زامياتين، فما يحدث لبطل قصة “نحن” المدعو بـ D-503 (لا أسماء لأبطال “نحن”، فقط الأرقام) في المشهد الختامي شبيه بنهاية وينستون سميث في “1984”: يبتسم D-503 ويفرح عند رؤيته مشهد التعذيب المميت لبطلة I-330، بالضبط تقريبًا عندما يستسلم سميث بعد تعذيبه بشكل رهيب في زنازين وزارة الحب، فيخون عشيقته جوليا (عن طريق التخلي عنها متوسلًا معذبيه أن تخضع هي عوضًا عنه للتعذيب)، ثم يشعر أنه يحب الأخ الكبير حبًا صادقًا. من يفغيني زامياتين يأخذ أورويل معادلة “2×2=4” التي تعني في رواية الكاتب الروسي استحالة التفكير الحر، ولكن أورويل يغيرها إلى معنى آخر، وهو إجبار العقل على القبول بنتجية غير معقولة وهي “5”. بالمناسبة، تعود الجذور “الأدبية” للمعادلة الرياضية هذه إلى الأديب الروسي العظيم فيودور دوستويڤسكي الذي عالجها فلسفيًّا في قصته “مذكرات من العالم السفلي” عام 1864.
ومن بين الأعمال الأخرى التي لها أثر فكري وفلسفي في “1984” رواية “عالم جديد شجاع” للكاتب البريطاني أولدس هكسلي (1932)، وكتاب “ثورة المديرين” للفيلسوف والمفكر الأمريكي جيمس بيرنهام (1941) الذي جادله أورويل كثيرًا، إلا أنه، على ما يبدو، استلهم من أفكار بيرنهام مبدأ “السلام هو الحرب”، كما أخذ عنه أورويل أطروحته المفاهمية أن الهدف الوحيد للسياسة هو الاحتفاظ بالسلطة.

ولو عدنا إلى المقارنة بين الحقيقي والخيالي في “1984” دعونا نتذكر أنه عندما فجر متعاقد وكالة الاستخبارات الأمريكية ومهندس المعلومات إدوارد سنودين فضيحة تجسس أمريكا على العالم، وكشف حجمه الضخم الذي لم تعرفه البشرية قط، والذي أصبح كل إنسان على وجه المعمورة حرفيًّا، سواء أكان موظفًا بسيطًا أم قائد دولة، أصبح مادة للمراقبة الأمريكية السرية، هل قفزت مبيعات رواية “1984 ” بواقع 6021 في المئة (!) على موقع “أمازون” الأمريكي، وصعدت بمعدل 6000 في المئة (!) في بريطانيا؟ هل قفزت بسبب اهتمام القراء المفاجئ بتفاصيل الدولة الستالينية التي وصفها الكاتب منذ أكثر من سبعين عامًا؟
الحقيقة أن هذه الرواية وضعت الإصبع على جرح الحقيقة، وهي أن المجتمع العصري يبقى خاضعًا لعملية معقدة وذكية للتحكم في عقول البشر وتوجيهها إلى تقديس الأيديولوجيا؛ لأنه بدون الأيديولوجيا يتحول أي مجتمع إلى قطيع، بلا نظام، وبدون تفكير لا تعرف إلى أين تسير. ولكن السؤال هو: أي أيديولوجيا، إذا كنا نتحدث عن أيامنا هذه؟

لم تعد الأحزاب اليوم تتحكم في المجتمعات؛ إنما أصبح سيدها الوحيد هو “صاحب الجلالة” المال. المال تحول إلى مذبح تقدم له قرابين عبادة وتقديس، فأصبحت مراكز التسوق دُور عبادة جديدة تعج بجماهير غفيرة تفوق أعداد الذين يترددون إلى الكنائس أو المساجد، على الأقل في المجتمعات الغربية. والغريب أن الناس الذين يدعون إلى التواضع وعدم الإفراط في حب المال أصبحوا منبوذين كإمانوئيل غولدستاين في “1984”، أما القادة “الروحانيون” الجدد في مجتمعاتنا، فهم اليوم الممثلون والفنانون والأثرياء. المجتمعات لم يعد يقودها الديمقراطيون، ولا الشيوعيون، بل يسيّرها هوس الاستهلاكية، وراحة الجسد.

وإذا كانت شاشة التلفاز في رواية أورويل تقوم ببروباغندا الحب، الذي كان إجباريًّا على الفرد أن يشعر به إزاء الحزب الحاكم، فإنك اليوم حتى إذا قللت من مشاهدة المادة السياسية، يبقى هناك الشيء الوحيد الذي يستمر في مطاردتنا جميعًا مهما قاومنا، وهو الإعلانات، فالشعارات الأورويلية- “الحرب هي السلام”، و”الحرية هي العبودية”، أو “الجهل قوة”– اختُزِلَت إلى الشعار الوحيد اليوم، وهو “السعادة هي الشراء”!

اكشتف علماء الاجتماع الغربيون منذ زمن، أن ما يسمى بالمجتمع الحرّ يعج بمظاهر الرقابة الجماعية. فما “تيليسكرين” (الشاشة التليفزيونية) الأورويلية اليوم إلا شاشة تلفاز كبيرة تعيش في غرفنا، ولا تسجل كاميرا جودة “إتش دي” حياتنا الشخصية فقط، بل تُمطر عقولنا بأطنان من “المعلومات” المسيسة، والوقائع التاريخية “البديلة”. أما الإعلام المعاصر فمنغمس في ممارسة ازدواجية المعايير تمامًا على الطريقة الأورويلية، والحقيقة أن وسائل الإعلام اليوم ما هي إلا تجسيد لوزارة الحقيقة التي أصبح كثير من الصحفيين موظفين لديها دون أن يدروا.

وإذا كان سكان دولة أوشينيا يدركون أنهم تحت المراقبة المستمرة، فهل ندرك نحن حجم المشكلة عندما تتسرب بياناتنا الشخصية ونحن نتصفح الإنترنت على هواتفنها الجوالة؟ وإذا كنا قد فهمنا أن الشركات الكبرى والمعلنين هم الذين يسيطرون على أجهزتنا الذكية لقصف عقولنا بإعلاناتهم، فما مصير تفاصيل حياتنا الشخصية؟ وفي يد مَن تقع؟ حبذا لو اقتصر الأمر على الشركات التي تستهدفنا بلا رحمة، ولكن الأسوأ أن تستحوذ على حياتنا الشخصية أجهزة المخابرات لتتلاعب بنا كما تشاء! كما أن هاتفنا الذكي تصميمًا خاضع بشكل مدمج لإمكانية التنصب والاختراق، فهل في هذا شيء من الحق المقدس في الحرية الشخصية؟ هل أصبحنا عراة أمام “الأخ الكبير” الذي قد يكون جهازَ الدولة أو الهاكرز على حد سواء؟ وهل هذا من الديمقراطية أو الشمولية؟

هرب أورويل في آخر سنواته من المجتمع، وتوارى عن الأنظار معزولًا في جزيرة صغيرة بعيدة وهو يكمل روايته “1984”. هل فعل ذلك بسبب معاناته كمثقف من “الجانب المظلم” للنظام في روسيا الستالينية؟ بالطبع كان الأديب والمفكر البريطاني يكره كل مظاهر الاستبدادية التي اعتقد أنها تجلت في أمور كثيرة في الاتحاد السوڤيتي في أربعينيات القرن الماضي، إلا أنه ليس عبثًا أن جعل المؤلف أحداث روايته الكئيبة تدور في بريطانيا تحديدًا، كما كتب أورويل في أعماله الأخرى: “ذلك أن الهدف هو الاستجلاء أن الدول الناطقة بالإنجليزية ليست أفضل من الدول الأخرى، حيث إن الفكر الشمولي يستنبت في عقل المثقف”. وقال أيضًا: “إنْ تُركت الشموليةُ بلا مقاومة فإنها ستنتصر في كل مكان”.

ولجورج أورويل القول: “إنه في تلك اللحظة بالذات، التي سيتوافر فيها كل شيء للجميع، أو سيكون ذلك ممكنًا، ستتجه كل طاقتنا إلى محاولة انتزاع الأراضي والأسواق والخامات عن بعضنا. وإن تلك اللحظة بالذات، التي كان يفترض فيها أن ينقذ المستوى العالي للمعيشة الحكومةَ من الخوف من المعارضة، ستُعْلن الحريةُ السياسيةُ أمرًا مستحيلًا، وسيُخضَع نصفُ العالم لحكم الشرطة السرية”. وفي الذكرى العاشرة بعد المئة لميلاد جورج أورويل في عام 2013، أجرت صحيفة “غارديان” البريطاينة استطلاعًا لآراء قرائها البريطانيين عن تنبؤات المؤلف الشهيرة، فقال 89 % منهم “إنها تتحدث عنا بالضبط”.

يبقى هناك سؤال لا يزال يطاردنا: كل هذه السنين المديدة، وبعد زوال الدولة الستالينية، فضلا عن اختفاء الاتحاد السوڤيتي منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لماذا ظلت رواية “1984” مسيطرة على عقول الناس؟ لماذا تبقى مضامينها ورموزها مثيرة مع أن الكثيرين سبقوا جورج أوريل في هذا النوع من الأدب الخيالي الساخر المرير، بل استمرت هذه الإبداعات الأدبية والفكرية بعد رحيل المؤلف بكثير؟

للإجابة عن هذا السؤال مقام آخر. نكتفي بالقول إن رواية “1984” باتت، وربما على نحو غير متوقع، الآلية النقدية الأساسية لتحليل المجتمعات الغربية الحديثة. وحتى الديمقراطيات المعاصرة بمختلف تجلياتها الثقافية، والاجتماعية، والعسكرية لم تنجُ من معتقدات جورج أورويل الثاقبة، ورؤيته الحادة الرافضة لنزعة الشمولية في تطور المجتمعات والدول. والمؤلف كان يرفض أن تُسمى روايته بمجموعة تنبؤات، مُصرًا على وصفها برسالة تحذير. فمتى سيحل عام 1984؟ ولماذا يجب أن نكون حذرين؟

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير