مختارات أوراسية

أوكرانيا.. الخيال غير العلمي


  • 21 أغسطس 2022

شارك الموضوع

تدعي المقولة المشهورة أن التاريخ “يعيد نفسه مرتين- أولًا كمأساة، ثم كمهزلة، ولكن من خلال عملي الدبلوماسي مختصًا بالشؤون الأوكرانية، أعتقد أن العكس هو الصحيح؛ حيث حدثت مهزلة أولًا.

قبل 25 عامًا، نشرت صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا”، التي كنت أعدّها في ذلك الوقت من الصحف “المحترمة”، نسخة من مذكرة داخلية لوزارة الخارجية مموهة بشعارها الرسمي على صدر صفحتها الأولى، كانت موجهة إلى ديمتري روريكوف، مساعد رئيس الاتحاد الروسي للشؤون الدولية آنذاك، وبدأت بعبارة: “وفقًا للتعليمات، أُجريت هذه الدراسة في وزارة الخارجية عن احتمالات تفكك أوكرانيا إلى عدة دول مستقلة”. لم تذكر الوثيقة المزعومة أي نتائج عن موضوع الدراسة المذكور في البداية، كما تم استنساخ توقيعي “نائب وزير الخارجية سيرغي كريلوف”. بالنسبة إلى الأشخاص الذين ليسوا على دراية بالقواعد البيروقراطية لكتابة هذه الوثائق، بدا كل شيء مقنعًا تمامًا.

قال الوزير يفغيني بريماكوف، وهو ينظر في هذا المنشور: “لا تنزعجوا من هذه الادعاءات؛ بل عليكم أن تعتادوها- هذه هي السياسة”. لقد كان محقًا تمامًا؛ فنحن في الوزارة، حتى في المحادثات خلف الكواليس فيما بيننا، لم نناقش أو نسمح حتى لأنفسنا بالتفكير في إمكانية حدوث هذا التطور للأحداث الذي يدفع باتجاه انهيار أوكرانيا. على العكس من ذلك، فقد فعلنا كل ما في وسعنا لبناء علاقات جيدة مع هذا البلد، وأحيانًا كانت الحكومة الروسية تقبل بكثير من المطالب الأوكرانية المبالغ فيها لإرضائها. أنا أعرف ذلك جيدًا؛ نظرًا إلى أن الاتجاه الأوكراني كان ضمن نطاق مسؤوليتي. إضافة إلى ذلك، تلقيت تعليمات للتفاوض بشأن شروط نشر أسطول البحر الأسود الروسي في سيفاستوبول، ووضعه القانوني.

أبلغ الوفد الروسي (الذي ضم ممثلين عن كثير من الإدارات) ليس فقط الرئيس ورئيس الوزراء، ولكن أيضًا مجلس الدوما بكيفية تقدم المفاوضات. وكان هناك كثير من المعارضين لهذه المفاوضات. إضافة إلى ذلك، كان النقد يُسمع من اليسار ومن اليمين، وغالبًا ما يكون عاطفيًّا بحتًا، وغير مدعوم بالحجج. في العموم، كانت المناقشات ساخنة.

المثير للدهشة أنه لم يكن هناك كثير من الضوضاء عن هذا المنشور. كانت هناك عدة مكالمات من صحفيين مألوفين، ووُجِّهَ سؤالان إلى إدارة الإعلام والصحافة للممثل الرسمي للوزارة. من ناحيتنا، لم نعلق على المنشور، واكتفينا بوصفه بأنه زائف. سأل أحد الصحفيين مارات غيلمان، وهو أستاذ معروف في هذا النوع من “التزييف”، عما إذا كان هذا المنشور من عمله، وقد نفى ذلك. في كييف، تعم التعامل أيضًا بهدوء تام مع المنشور. في لقائنا التالي، قال سفير أوكرانيا في موسكو بابتسامة: ” كان عليك أن ترى ما نكتبه”.

معركة ما بعد النصر

اليوم، بعد ربع قرن، تتكشف مأساة تاريخية عن أوكرانيا أمام أعيننا. مواجهة عسكرية بين روسيا وأوكرانيا يدعمها الغرب، بغض النظر عن الجدل بشأن التسميات. السؤال: كيف سينتهي كل شيء؟ لا أحد يعرف حتى الآن. من الواضح فقط أن الأعمال العسكرية ستتوقف عاجلًا أو آجلًا، وسيكون من الضروري التفاوض. والأمر المؤكد أيضًا هو أن أوكرانيا بالشكل الذي كانت عليه قبل بدء العملية العسكرية الخاصة لن تعود؛ ستظهر دولة جديدة مكانها، وربما أكثر، وهنا يمكنك تخيل المستقبل.

نقطة الانطلاق هي كيف، وعلى أي خط حدودي ستتوقف الأعمال العسكرية؟ هناك في الواقع خياران: (إما أن نقتصر على تحرير جمهوريتي لوغانسك ودونيتسك، وتلك الأجزاء من المناطق الأخرى في أوكرانيا عندما نصل إلى الحدود الغربية لدونباس؛ أو سنحاول الاستيلاء على ساحل البحر الأسود برمته)، وهو ما سيزيل التهديد بإقامة قاعدة أمريكية هناك، ومن ثم الوجود الدائم للأسطول العسكري الأمريكي في المنطقة الأقرب إلينا. بالإضافة إلى ذلك، فإن البحر الأسود، مثل بحر البلطيق، سيصبح- بحكم الواقع- بحرًا لحلف الناتو. لا أستطيع أن أقول ما إذا كانت ستكون هناك قوة كافية لفعل ذلك أم لا، وماذا سيكون رد فعل السكان المحليين. أما بالنسبة إلى ترانسنيستريا، التي سيتعين الوصول إليها في هذه الحالة، فمن المرجح أن يرحب سكانها بهذا التطور في الأحداث.

في الخيار الأول، من المهم إيجاد بعض التفسير المقنع للاستخدام الداخلي، والحجج الضرورية والصحيحة للمواطنين الروس: لماذا تقتصر العملية العسكرية على دونباس فقط؟ هل التضحيات الكثيرة مبررة؟ ماذا بشأن التكاليف المادية الضخمة القادمة لاستعادة الاقتصاد الذي دمر تقريبًا، وتكاليف إدخال السكان المحليين في نظام الضمان الاجتماعي الروسي؟ فضلًا عن الهيكل السياسي المستقبلي لهاتين المنطقتين: هل ستكون دولًا مستقلة أم جزءًا من أراضي روسيا؟ بالمناسبة، هذا السؤال مهم جدًّا بالنسبة إليهم أيضًا؛ أن تكون جزءًا من دولة كبيرة وقوية اقتصاديًّا ومحترمة عالميًّا شيء، والبقاء في وضع الأراضي غير المعترف بها عقودًا طويلة، والحفاظ على العلاقات مع دولتين أو ثلاث دول فقط شيء آخر، وهذا يعني أن تصبح جيوبًا غريبة في النظام العالمي تعتمد على جار أقوى، وبالطبع هناك أمثلة من هذا القبيل- أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، لكن هل هذا يناسب السكان؟

تثار الأسئلة نفسها فيما يتعلق بالمناطق الجنوبية الشرقية من أوكرانيا، حيث توجد قواتنا بالفعل، أو ستصل إليها في المستقبل القريب- مناطق زابوروجي، وخيرسون، وخاركيف، وربما نيكولايف، وأوديسا. على أي حال، يجب تقديم نموذج جذاب للحياة المستقبلية للأشخاص الذين يعيشون هناك في مناطق “العالم الروسي”، الذي يكثر الحديث عنه بنوع من التجريد. الناس الذين عاشوا لأجيال في الاتحاد السوفيتي، ثم في أوكرانيا المستقلة، اعتادوا أن السلطات تطلق شعارات مجردة أكثر من الوعود المحققة.

في الاستفتاءات القادمة، وبدون هذا الإجراء الديمقراطي، سيبدو كل شيء وكأنه ضم، يجب على الناس أن يفهموا بوضوح ما الذي يصوتون من أجله، وأي نوع من الحياة ينتظرهم.

في السنوات الأخيرة، تحولت أوكرانيا من دولة مزدهرة بشكل عام إلى واحدة من أفقر الدول الأوروبية، ولكن إلى جانب هذا، بدءًا من الرئيس الثاني كوتشما، ألهم جميع القادة الأوكرانيين بإصرار السكان أن أوكرانيا جزء لا يتجزأ من أوروبا، وستنضم بالتأكيد إلى حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، وسيتمكن سكانها من الاستمتاع بجميع مزايا الأعضاء في كلتا المنظمتين، بدءًا من الدخول بدون تأشيرة، الذي أُقِرَّ منذ سنوات. كان هذا يتعارض مع ظروف الحياة في روسيا، ويجب الاعتراف بأن المثابرة لم تذهب سدى؛ أصبح تحقيق الهدف الذي حددته قيادة البلاد هو معنى الحياة والعمل لكثير من ملايين الأوكرانيين، الذين رأوا الحياة في الغرب بأعينهم، وأتيحت لهم الفرصة لمقارنتها بظروف الحياة في روسيا. لقد رأوا بالطبع الجانب الخارجي فقط دون الخوض في الجوهر، لكن الدعاية الحكومية المستمرة، والحديث عن راتب قدره (4000) يورو في ألمانيا، فعلت فعلها؛ لذا ليس من قبيل المصادفة أن الإطاحة القسرية بالرئيس الشرعي يانوكوفيتش من السلطة، ومواكب المشاعل للنازيين الجدد، وحظر استخدام اللغة الروسية، وقصف دونباس الطويل الأمد، الذي تحدث عنه تليفزيوننا كثيرًا، لم يكن لكل هذه الأحداث أي تأثير كبير في الحالة المزاجية للأوكرانيين، وأهم من ذلك تصرفات الغالبية منهم. إنها حالة من المناسب فيها ذكر الكلمات الأخيرة لسلسلة بوشكين (التراجيديات الصغيرة): “الشعب صامت”.

الأهم الآن، نحن في روسيا، إذا كنا عازمين حقًا على إكمال ما بدأناه في فبراير (شباط) 2022، فنحن بحاجة إلى الاستعداد لصراع جاد من أجل الرأي العام في المناطق الروسية المستقبلية في أوكرانيا اليوم. ستصبح أوكرانيا الحلقة المركزية في إعادة تقاسم النفوذ لهذا الجزء من أوروبا، التي تذكرنا بالفعل بما حدث بعد الحرب العالمية الثانية. على الأرجح، أولئك الذين سيتفاوضون (ستنتهي الأعمال العدائية عاجلًا أو آجلًا بالمفاوضات) ويحددون الحدود المستقبلية، سيكونون قادة الاتحاد السوفيتي، والقوى الغربية في وقتهم لن ترغب في الاستماع إلى المهزومين، لكنها ستعيد تشكيل هذا الجزء من أوروبا على أساس مصالحها. من الواضح- بشكل أو بآخر- أن على روسيا أن تتحدث وتتفاوض مع الولايات المتحدة.

أصبح حلف شمال الأطلسي، بصفته أهم آلية لتوحيد الغرب العسكري والسياسي، أكثر تماسكًا مما كان عليه حتى في أثناء المواجهة مع الكتلة الشرقية. مع أن الاتحاد الأوروبي اتحاد تكامل اقتصادي أوروبي بحت، وكان دائمًا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة، فإن كثيرًا من الدول الأوروبية اعتادت أن تكون أكثر حرية في سياساتها مما هي عليه الآن. على الرغم من ضغط الولايات المتحدة في الستينيات لمنع إنشاء خطوط أنابيب النفط والغاز التي تربط الاتحاد السوفيتي مع أوروبا الغربية، وحظر تصدير التقنيات الأوروبية، فإن بلدانًا مثل إيطاليا وألمانيا لم تتوقف عن تزويدنا بأنابيب ذات قطر كبير ومعدات ضغط. الآن، على الرغم من حاجة أوروبا الملحة إلى الغاز الروسي، وعدد من السلع الأخرى، ولا سيما التيتانيوم والنيكل، فمن غير المعقول حتى التفكير في هذا السلوك من جانب الأوروبيين، المظاهر المنفصلة للتفكير المجري الحر، مجرد حالة استثنائية.

من المحتمل جدًا أن يحاول جيران أوكرانيا أيضًا المشاركة في إعادة تقاسم النفوذ والأراضي المستقبلية لجنوب شرق أوروبا. البولنديون، على سبيل المثال، لا يكادون يخفون اليوم رغبتهم في إعادة خسائرهم من “أراضيهم” التاريخية التي خسروها قبل سبعين عامًا. ومع أن غاليسيا كانت حتى عام 1914 جزءًا من النمسا، ولاحقًا الإمبراطورية النمساوية المجرية عدة قرون، فإن هذا لم يزعج البولنديين. إنهم يتذكرون فقط الفترة من عام 1914 إلى عام 1939، ويعتبرون غاليسيا مأخوذة بشكل غير قانوني من بولندا، في حين تتضامن كييف- تضامنًا كاملًا- مع وارسو، وتلعب معها بكل طريقة ممكنة.

تعد بولندا اليوم- بشكل عام- ظاهرة أوروبية مثيرة للاهتمام جدًّا، من دولة عادية في أوائل التسعينيات إلى دولة من المحتمل أن تطالب بدور القوة الأوروبية الغربية الرائدة، مع أنها غير قادرة على تحدي القوى الأوروبية الغربية في الاقتصاد، لكن لم تعد هذه هي الحال بعد في السياسة؛ حيث لا تقل بولندا الآن أهمية عن ألمانيا، أو فرنسا، أو إيطاليا؛ بل أصبحت سياساتها أكثر حزمًا وثباتًا، وغالبًا ما تنجح في الحصول على ما تريد، على الرغم من اعتراضات الآخرين. الألمان، على سبيل المثال، لم يفقدوا تمامًا إحساسهم بالذنب التاريخي تجاه البولنديين، فهم غالبًا ما يبتلعون السلوكيات البولندية الغريبة، ويعملون كمثال للأوروبيين الآخرين في هذا الأمر، لكن الشيء الرئيسي هو الدعم الذي يقدمه الأمريكيون إلى البولنديين، حيث ينظرون إليهم على أنهم المحرضون الرئيسيون على الهجمات ضد روسيا. في الوقت الحالي، ربما تنظر بعض الدول المجاورة لبولندا باستخفاف إلى طموحاتها، لكن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ (بعد كل شيء، تأتي الشهية مع الأكل)، وهنا يطرح السؤال: قد يكون لدى الليتوانيين مخاوف بشأن مستقبلهم، وبشأن بعض الجيران الآخرين الذين كانت أراضيهم تاريخيًّا جزءًا من أملاك بولندا في السابق. وكما نعلم، فإن جميع النزاعات، وحتى الحروب، تُخاض إما من أجل النفوذ، وإما من أجل الموارد، وإما من أجل الأرض.

المجر تتصرف ظاهريًّا بشكل أكثر تواضعًا، لكنها تعلن أيضًا باستمرار حاجتها إلى ضمان حقوق الهنغاريين الذين يعيشون في الجزء الأوكراني من ترانسكارباثيا. أكثر من 150 ألفًا منهم لديهم بالفعل جوازات سفر مجرية، والجميع يعتبر أوجهورود مدينة مجرية تاريخية؛ لذا إذا تعلق الأمر بتقسيم الفطيرة الأوكرانية، فلن تقف بودابست جانبًا لتتفرج.

يبدو أن رومانيا تلتزم الصمت بشأن بوكوفينا، لكنني أعتقد أنها مهتمة داخليًّا بوصول القوات المسلحة الروسية إلى ترانسنيستريا، ولن تعترض على ضم الضفة اليسرى لنهر دنيستر إلى روسيا. بعد كل شيء، سيسمح هذا لبوخارست بمتابعة سياسة التوحيد مع مولدوفا بشكل أكثر فاعلية، أو بالأحرى استيعابها. لن تقاوم السلطات في كيشيناو ذلك، وأصبحت حقيقة أن هذا هو الحلم الأزرق لبوخارست واضحة لي في أوائل التسعينيات، عندما أعلنت مولدوفا استقلالها عن الاتحاد السوفيتي. أتذكر جيدًا تصريحات موظفي السفارة الرومانية في البرتغال آنذاك؛ لم يخفوا مشاعرهم، وتحدثوا مباشرة عن الوحدة الوشيكة مع مولدوفا.

إن أحدًا لا يستطيع أن يقول- على وجه اليقين- مدى واقعية السيناريو الموصوف. هناك كثير من العوامل والاهتمامات المختلفة التي يجب مراعاتها، لكنّ أحدًا لا يشك في إحدى نقاط البداية لهذا التحليل. أوكرانيا في شكلها الحالي لم يعد لها وجود. لطالما انتُهِكَ مبدأ حرمة الحدود المنصوص عليه في وثيقة هلسنكي النهائية؛ لذلك قد يكون هناك توقع لحدوث تغيير مماثل؛ فقط لأنه من الأسهل ممارسة الضغط على الدول الأضعف والأصغر، وإجبارها على اتباع مصالح دولة أقوى، حتى على حساب مصالحها الوطنية. يتخلى الأمريكيون بسهولة عما اعتادوا الدفاع عنه إذا شعروا بالفائدة من وراء ذلك. قد يكون الحساب أيضًا هو أن أولئك الذين يحتمل أن يحصلوا على زيادة في أراضيهم، على الأقل لبعض الوقت، سيشعرون بالامتنان لأولئك الذين سمحوا لهم بالقيام بذلك، وهذا يعني أن مكانة الولايات المتحدة في بعض الدول الأوروبية سوف تتعزز بشكل أكبر.

ليس هناك ما يدعو إلى التفاؤل اليوم؛ هناك معركة صعبة مستمرة، تمثل- في الواقع- استمرارًا لما كان في العقود الأولى بعد الحرب، ثم حاول الغرب- بكل طريقة ممكنة- طرد الاتحاد السوفيتي من دائرة نفوذه في أوروبا الشرقية لدفعه- بحد أدنى- إلى حدود عام 1941، وبحد أقصى إلى حدود عام 1939، لكن هذه المحاولات فشلت آنذاك، ثم كانت هناك فترة معينة من الانفراج، مصحوبة- بشكل دوري- بتفاقم جديد، ثم انهار حلف وارسو، ومن خلفه الاتحاد السوفيتي. في ذلك الوقت، حقق الغرب أهدافه في كثير من النواحي، لكن نهمه لم يتوقف عند هذا الحد. اختيرت أوكرانيا لتكون الأداة التالية في النضال من أجل إعادة تقسيم النظام العالمي الأوروبي.

من غير الواقعي الافتراض أنه في الأشهر المقبلة- وفق الظروف الطبيعية- ستنتهي المرحلة الحادة من الصراع. إذا كانت هناك فرصة كهذه خلال الجولات الأولى من المحادثات الروسية الأوكرانية في تركيا، فقد ضاعت الآن. لم يُسمح للأوكرانيين بمواصلة الاتصالات (عاجلًا أو آجلًا لا يزال يتعين القيام بذلك)، لكن ذلك من غير الواضح مع من سيكون هذا الحوار. ليس مع من هم في السلطة في كييف اليوم. من غير المحتمل أن يأخذ أي من الأوروبيين حريته في التصرف كوسيط، أو على الأقل تقديم منصته الخاصة للاجتماع باستثناء أردوغان، لكن سيتعين على كييف الحصول على الموافقة على هذه الاتصالات. واليوم على ما يبدو، لا يوجد أحد في الولايات المتحدة مستعد للتفكير في الأمر. لقد وصلت الأمور إلى طريق مسدود (كل جانب ينتظر التنازلات من الآخر). الأمريكيون ليسوا في عجلة من أمرهم. الأمور أسوأ بالنسبة إلى الأوروبيين. قادتهم يقودون بثقة اقتصاداتهم إلى اللامكان، وهذا سبب آخر للأمريكيين لعدم التسرع في إيجاد التسوية. بعد كل شيء، سوف يستفيدون فقط من إضعاف أوروبا.

لسوء الحظ، هناك اليوم عملية تراجع كبيرة في النخب السياسية الأوروبية، وهذا على ما يبدو سيستمر سنوات قادمة. وصل إلى السلطة كثير من القيادات التي لا تمتلك خبرة سوى النضال داخل أحزابهم، ولم يكونوا قادرين على حساب عواقب قراراتهم بشكل إستراتيجي، وخير مثال على ذلك قادة دول البلطيق، لكن في كثير من البلدان الأخرى، ليس الوضع بالأفضل. سبعون عامًا من وجود الناتو، والتقارب التدريجي لسياسة الاتحاد الأوروبي مع سياسة الناتو، قد ألحق الضرر بأوروبا؛ لقد نسى قادتها كيف يفكرون بأنفسهم ويعتمدون على أنفسهم.

لا يجدر بنا أن نأمل أن تجبر الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية الحكومات الأوروبية على تغيير سياساتها، أو الخروج من السلطة نتيجة الانتخابات تحت تأثير السكان الساخطين. لن يسمح أحد لأحزاب مثل “البديل من أجل ألمانيا”، أو “الجبهة الوطنية” بالوصول إلى السلطة، وإذا حدثت معجزة، فسيتم وضع قادتهم بسرعة في صفوف واحدة.

 

الغريب في الأمر، لكنه وارد، أن يلعب العامل الصيني معنا. الأمريكيون مهووسون حرفيًّا بضرورة التصدي لبكين ومعارضتها بكل الطرق الممكنة في كل من الاقتصاد والسياسة، ويمكنهم القيام بأشياء غبية، مثل دعم إعلان استقلال تايوان، وهناك أشخاص يريدون القيام بذلك. لم تذهب بيلوسي إلى هناك بدون سبب، مع أنه حتى في الولايات المتحدة نفسها هناك سياسيون أكثر رصانة حذروها من هذه الرحلة. سيكون رد الصين فوريًّا، وستتخذ قرارًا حازمًا، ولا يمكن للأمريكيين تحمل نزاعين من هذا القبيل في آنٍ واحد، وهنا سيتعين وضع الصراع في أوكرانيا في الخلف.

بالمناسبة، أظهرت الأحداث الأخيرة بشأن تايوان- مرة أخرى- عدم استقلال الأوروبيين. لم يصدر أي منهم حتى تحذيرات معتدلة بشأن خطر هذه السياسة المغرورة تجاه جمهورية الصين الشعبية، وحتى في فترة التحضير للمؤتمر القادم للحزب الشيوعي، حيث يتعين على القيادة الحالية للبلاد إظهار النجاح، بما في ذلك في السياسة الخارجية. على العكس من ذلك، أعلنت وزيرة الخارجية الألمانية بيربوك استعدادها لتقديم الدعم المالي للقوات المسلحة التايوانية إذا حدث صدام مع الجيش الصيني، وهذا مع أن الصين هي الشريك التجاري الأول لألمانيا.

اليوم، كل النشاط السياسي في روسيا مرتبط- بطريقة ما- بأوكرانيا. تغطية أي حدث- ولو كان بعيدًا عنا- ترتبط بالعملية العسكرية الخاصة. يتم الإدلاء بكثير من البيانات عن الاستجابة التي لا غنى عنها لبعض الأعمال غير الودية، ولكن، مع الأسف، لم يتم سماع هذه الردود نفسها لا فيما يتعلق بليتوانيا، التي تتعدى بشكل مباشر على سيادتنا، ولا فيما يتعلق بالصعوبات التي نشأت في أثناء تنفيذ صفقة الحبوب. يمكن أن تستمر الأمثلة، ومن المستحيل أن يأخذ أحد رد فعلنا على محمل الجد، مثل إدراج بعض السياسيين النيوزيلنديين على القائمة السوداء. الناس ينتظرون العمل وليس التصريحات. إذا كنت قد بدأت بالفعل عملية صنع التحولات الكبرى، فيجب أن تكون النتيجة مرئية. خلاف ذلك، يُنظر إلى ذلك على أنه ضعف. والهجمات ضدنا تتواصل وتتصاعد. من الخطر التقليل من براعة الغرب، ومكره، وليس من الجيد عدم إعطاء معلومات صادقة لشعبك، حتى لو كانت هذه المعلومات غير سارة. لسنا أقوياء بعد في حرب المعلومات، وما زلنا بحاجة إلى تصحيح كثير من الأخطاء[1].

ترجمة: وحدة الرصد والترجمة في مركز الدراسات العربية الأوراسية

ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع