السياسة التركية خلال الحرب الروسية – الأوكرانية

تجري على الأراضي التركية المفاوضات الروسية- الأوكرانية، التي تستهدف التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وحل القضايا الخلافية بين الجانبين. وافتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان- في وقت سابق- المحادثات بين الوفدين الروسي والأوكراني في قصر «دولما بخشه» في إسطنبول، وأقر بأن لدى الطرفين «مخاوف مشروعة»، لكنه دعاهما إلى «وضع حد لهذه المأساة».

موقف تركيا من الأزمة الروسية الأوكرانية

تجد تركيا نفسها في موقف متشابك جغرافيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا مع القوى المتحاربة (روسيا وأوكرانيا)، فالعلاقات التركية الاقتصادية مع موسكو وكييف كبيرة نسبيًّا؛ حيث تستورد أنقرة من موسكو نحو (45٪) من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، و (70٪) من القمح، في حين توفر كييف (15٪) من القمح. وبالقدر نفسه من الأهمية، تعد تركيا وجهة صيفية أولى للسياح الروس والأوكرانيين، حيث يزورها خمسة ملايين سنويًّا. وفي ظل انهيار الليرة التركية أمام الدولار، قد يكون لانهيار موسم السفر الصيفي إلى تركيا تداعيات خطيرة على اقتصادها. وعسكريًّا، اشترت أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية المتطورة (S-400)، كما تبيع أنقرة طائرات بدون طيار لأوكرانيا، أثبتت فعاليتها في كثير من ساحات القتال، بما في ذلك المعركة الحالية. وقد أعلنت كييف، يوم 2 مارس (آذار) 2022، أنها تلقت شحنة عسكرية تركية جديدة.

جغرافيًّا، مثلت أوكرانيا، بأراضيها عبر البحر الأسود، منطقة عازلة بين تركيا وروسيا حان الوقت للتعامل مع تداعيات احتمال اختفائها، بالإضافة إلى تحدٍّ آخر، هو اتفاقية مونترو، عام 1936، التي تحكم تركيا بموجبها مضيق البوسفور والدردنيل في البحر الأسود، وهي نقطة خلاف بالنسبة إلى أوكرانيا وروسيا، وقد أغلقت أنقرة، في فبراير (شباط) 2022، المضيق أمام السفن الحربية من جميع الدول، بما في ذلك أعضاء الناتو.

في البداية، كان أردوغان أكثر انتقادًا لحلف الناتو، مشيرًا إلى أن رده لم يكن قويًّا بما يكفي، ومع ذلك، فقد أوضح أيضًا أنه لا يريد أن يدير ظهره لروسيا، أو لأوكرانيا، ليعرض الرئيسُ التركي نفسَه وسيطًا محتملًا للحل الدبلوماسي للحرب؛ لذا لم ترغب أنقرة في استعداء پوتين، وامتنعت عن التصويت على قرار المجلس الأوروبي بتعليق عضوية روسيا، كما أن أنقرة أعلنت أنها لن تتبع الغرب، ولن تفرض عقوبات صارمة على موسكو، واكتفت السياسة التركية بالموافقة على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين الهجوم الروسي.

بغض النظر عما ورد أعلاه، مع أن تركيا تُحاول أن تظهر كوسيط نزيه، فإن سلوكها منذ عام 2014 يصعب فهمه من خلال مفهوم (الحياد). فعلى الرغم من علاقاتها العميقة والتوافق مع روسيا، فقد رفضت أنقرة- بإصرار- ضم شبه جزيرة القرم، ودعمت وحدة أراضي أوكرانيا واستقلالها. وفي السنوات الأخيرة، استجابت للمطالب الأوكرانية للتعاون الصناعي الدفاعي، وعجلت بذلك، وقدمت أنظمة أسلحة هجومية لكييف رغم تحذيرات موسكو.

أدى رد تركيا على الحرب حتى الآن إلى توسيع نطاق الردع المضاد في المنطقة. وبعيدًا عن حرص أنقرة على علاقاتها مع موسكو، والبيئة غير المستقرة في البحر الأسود، وتصريحات بعض المسؤولين الأتراك التي تشير إلى تفهم مخاوف روسيا، وانتقاد رد الفعل الغربي، فإن هذا الموقف لم يمنع تركيا من اتخاذ موقف واضح ضد موسكو.

ألغت الحرب في أوكرانيا قواعد اللعبة لكثير من السياسات، وأبرزت الحاجة إلى زيادة الأمن والدفاع الأوروبي. وفي هذا الإطار، أصبح توسع الاتحاد الأوروبي نقطة أساسية. ولقد سئمت دول غرب البلقان من انتظار عملية الانضمام، التي قد تسرعها الحرب. وتدعم تركيا عضوية أوكرانيا في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لكنها تود أيضًا أن يفي الاتحاد الأوروبي بأولويات تركيا فيما يتعلق بتحسين العلاقات.

في السياق نفسه، تبقى الاستجابة الضعيفة من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي لم تكن كافية لطمأنة الحلفاء، ما جعل إحدى السمات الرئيسية للإستراتيجية التركية تتمثل في نهجها الذي يتجنب المخاطرة القصوى؛ إدراكًا لمحدودية قوتها، وخاصةً الانجرار إلى تصعيد غير مبرر بسبب السياسات الغربية الفاترة؛ ما قد يجعل أنقرة وحيدة في مواجهة ثنائية مع موسكو.

السياسة الخارجية التركية

بعد عام 2014، يُمكن فهم السياسة الخارجية التركية في إطار الحفاظ على التوازن غير المستقر في المجال البحري للبحر الأسود، مع أن ضم/ استعادة روسيا لشبه جزيرة القرم، وبرامج التسلح، وأخيرًا الحرب، مهدت الطريق إلى تغيير التوازن الإستراتيجي في البحر الأسود؛ لذا يبقى الموقف التركي مُلتزمًا بالحد من التدخل الغربي هناك؛ خشية تآكل الوضع الحالي المتمحور حول اتفاقية مونترو؛ لذلك اختارت أن تنحاز- بشكل انتقائي- إلى سياسة الوساطة في البحر الأسود، مع مراعاة عدم استفزاز روسيا.

مواجهة التهديدات المتصورة من الولايات المتحدة كأولوية إستراتيجية رئيسية لتركيا، طورت آليات جديدة لسياستها الخارجية؛ ففي أثناء التوتر بين أنقرة وواشنطن، ظهرت موسكو عامل موازنة وتمكين للأتراك. وعلى الرغم من وجود وجهات نظر متباينة بشأن قضايا إقليمية محددة، فإن مخاوفهما المشتركة بشأن الولايات المتحدة ولّدت فرصًا للتعاون.

تحاول تركيا أن تستفيد من هذه الحرب لمعالجة نقاط الضعف في العلاقة الإستراتيجية التي أقيمت مع روسيا في السنوات الأخيرة، خاصةً في الملف (السوري، وشرق البحر المتوسط وليبيا)، وتتصرف أنقرة وفقًا لذلك بشكل متزايد. ولقد أدت الحرب في أوكرانيا وتداعياتها المحتملة دوليًّا وإقليميًّا إلى إنهاء الغموض الإستراتيجي بشأن دوافع موسكو. ولقد أطلقت بالفعل- بشكل مدمر ذاتيًّا- ديناميكيات التوازن المضاد في أوروبا، وأثارت مخاوف على المستوى الدولي. وتستمر العلاقة التركية الإستراتيجية مع روسيا في احتواء كثير من نقاط الخلاف، لكن لا يمكن لتركيا التغاضي عن موقعها كقوة في البيئة الجيوسياسية المتغيرة بشكل جذري.

لذا لم تكتفِ تركيا بالاعتقاد بأن أهداف روسيا اقتصرت على ضمان مخاوفها الأمنية تجاه الغرب، كما أنه لا يوجد ما يبرر التصرف بطريقة حذرة جدًّا لتجنب التصعيد، أو حرب باردة جديدة؛ لأن الحرب أصبحت الآن حقيقة واقعة، وتم الإخلال بالتوازن غير المستقر في البحر الأسود بإنهاء مكانة أوكرانيا بوصفها قوة ساحلية هناك. وفي غضون ذلك، ونظرًا إلى أن المجتمع الأمني عبر الأطلسي أصبح أكثر توحيدًا، وتغلب على خلافاته الداخلية بشأن أوكرانيا، فإن مساحة تركيا للمناورة تتوسع. ويبدو أنه لا يوجد رأي سائد في البلاد بشأن النيّات الأمريكية الداعية إلى السلام. ويعتقد كثيرون في تركيا أن واشنطن ربما تحاول الاستفادة من هذا الصراع في منافستها بين القوى العظمى؛ لجر روسيا إلى وضع يستنزف مواردها.

ومع ذلك، تركز تركيا على مصالحها المتقاربة مع الولايات المتحدة؛ لأن السؤال الإستراتيجي الرئيسي هو: هل ستتجاوز روسيا أوكرانيا وتتعمق أكثر في جوارها المشترك؟

تراهن تركيا على الفوز بكل الأطراف من خلال سياستها الجديدة التي تعتمد على الحياد الظاهري، وأداء دور الوسيط النزيه، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقة وثيقة مع قوة عظمى مثل روسيا؛ للضغط على القوى الأطلسية، كما يتمثل التحدي الرئيسي لاستقلال تركيا الإستراتيجي الآن في ابتكار طرائق للتعامل مع روسيا الجديدة. وبصرف النظر عن كيفية تطور الصراع في أوكرانيا، فقد أطلقت الحرب العنان لمرحلة جديدة من سباق التسلح. وبالنظر إلى القيود الاقتصادية والسياسية الكامنة في العلاقة بين أنقرة وموسكو، ونقاط الخلاف الإستراتيجية، فإن أي توتر للعلاقات مع روسيا سيؤدي إلى مجموعة جديدة من المشكلات لتركيا، بدءًا من القوقاز والبحر الأسود، وتمتد إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ومن المرجح أن تعاني تركيا أكثر من غيرها من عدم الاستقرار الناشئ في جوارها، إذا أسيء التعامل مع المرحلة المقبلة من الحرب.

وأخيرًا، يبقى السؤال المفتوح للنقاش: ما الثمن الذي ستدفعه تركيا مقابل التعديل الإستراتيجي الجديد؟ فحتى الآن، ارتقت تركيا بالفعل إلى مستوى التحدي، ولا تزال عازمة على زيادة عملها المتوازن مع روسيا، وأوكرانيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة. ولأسباب كثيرة (في الغالب أسباب اقتصادية؛ حيث تمر تركيا بفترة اقتصادية صعبة جدًّا، وهي في حاجة ماسة إلى الاستثمار الأجنبي) اتبعت أنقرة كثيرًا من المناورات الدبلوماسية، وخففت من حدة خطابها ضد أوروبا والولايات المتحدة، ومع نهاية عام 2020، بدأت تركيا بتحسين علاقاتها مع إسرائيل، ومصر، والإمارات العربية المتحدة، كما بدأت المحادثات مع أرمينيا.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير