النضال الروسي من أجل الاعتراف الأمريكي

بعيدًا عن بعض المبالغات من المفكرين الروس، أو المتعاطفين مع الموقف الروسي، يناضل الكرملين منذ وصول پوتين إلى السلطة من أجل حصول روسيا على اعتراف غربي بمكانتها، وعقد شراكة ندية- إلى حدٍ ما- معها. كان التعويل الروسي في البداية على أوروبا، واستغلال الأجواء الجديدة التي وفرتها نهاية الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوڤيتي، وتخلي روسيا عن الشيوعية، ووجود قيادة جديدة شابة ممثلة في پوتين، في أن تُنهي أوروبا “الستار الحديدي” الذي فرضته- كما يعتقد الروس- على علاقاتها مع موسكو، والبدء بمشروع أوروبا الكبرى (Greater Europe)، وخلق فضاء اقتصادي، وأمني، وسياسي، من الضفة الأطلسية إلى أوروبا في لشبونة، إلى الضفة الروسية على المحيط الهادئ في ڤلاديڤوستوك.

خريطة ڤلاديڤوستوك ولشبونة

أدركت روسيا مع الوقت أن مشروعًا كهذا لا تقوى أوروبا على المضي قدمًا فيه دون موافقة أمريكية، وهو ما دفع پوتين، في مؤتمر ميونخ للأمن 2007، إلى التصريح الحاد برفضه الهيمنة الأمريكية، ومع مرور الوقت فقد الكرملين أي أمل في أوروبا.

توجهت الأنظار نحو أمريكا، وخلق تفاهم معها، ولكن الأخيرة لم تأخذ مطالب روسيا على محمل الجد، وذلك لضعف اقتصادها، وخروجها مهزومة من الحرب الباردة، ووفق هذا الوضع بدأت موسكو تشاغب في كل مكان؛ من أجل دفع أمريكا إلى هذه الصفقة.

الوضع الداخلي الروسي وصل- كما يصف كثير من المراقبين والمحللين الروس- إلى نقطة اللاعودة. هناك تدهور ديمغرافي كبير، وفساد يضرب جميع المؤسسات، وتراجع اقتصادي مع كتلة شابة لا تحمل تقديرًا لپوتين، ولا لما قام به؛ نتيجة عدم إدراكها مرحلة التسعينيات الصعبة، ولا يمكن لپوتين أن ينال في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2024 فوزًا سهلًا دون مشكلات داخلية إن ظل الوضع الحالي كما هو، وتأمين بديل له في السلطة مسألة قد تفقده السيطرة على مؤسسات الدولة نتيجة توجه كل مؤسسة لدعم مرشحها المفضل، وهو ما ينذر بحالة من الفوضى، وهناك حاجة ماسة إلى التغيير، شبه متفق عليها، ولكن الخلاف بشأن كيف؟ وبأي شكل؟

تمتلك روسيا ثروات طبيعية قد تجعلها- إذا استُغِلَّت- الدولة الأكثر ثراءً في التاريخ، ولكن قدراتها المالية والبشرية والتكنولوجية لا تؤهلها للاستفادة منها دون مساعدة خارجية، وإذا قررت انتهاج سياسة انفتاح اقتصادي ستبادر الصين إلى الدخول بثقلها، وهذه الثروات في غالبيتها في منطقة سيبيريا والشرق الأقصى ذات الكثافة السكانية الضعيفة جدًا، ومقابلها كثافة سكانية صينية ضخمة (350 مليون صيني على الضفة الأخرى من الحدود مع الصين مقابل 6 ملايين روسي فقط في المنطقة بكاملها)، وهو ما يستلزم إدخال اليابان، وكوريا الجنوبية، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وصنع توازن في الاستثمار.

لا تمتلك روسيا ميزة وفرة العمالة ورخص تكلفها مثل الصين عندما بدأت إصلاحاتها مع دينغ شياو بينغ، ولا تقنيات ذات شأن، ولو حتى مقلدة، على غرار بدايات الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، ولا صناعة لديها فيها تميز على غرار ألمانيا، وهو ما يعني- إذا حدث انفتاح اقتصادي كبير- اعتمادها على عمالة أجنبية، ستكون في الغالب تركية عرقيًّا، ومسلمة دينيًّا من بلدان “الستانات” الخمسة، الموجودين بكثافة أصلًا في روسيا، ويثيرون فزع سكانها بسبب زواجهم بروسيات، وإقامتهم وحصولهم على الجنسية. وكذلك لا تمتلك روسيا ميزة تقنية أو تصنيعية، ولا رأس مال؛ وعليه، ووفق وضعها الجيوسياسي الحالي، ستكون رهينة إما للغرب وإما للصين، ولن يكون بمقدورها امتلاك هامش مناورة، ويد عليا في ضبط هذه العملية.

مصدر القوة الوحيد لروسيا، إلى جانب مواردها الطبيعية، هو القوة العسكرية، وهو ما تسعى إلى استثماره بعد فشل جميع محاولاتها لعقد صفقة مع أمريكا بالوسائل السلمية، أو المشاغبة، وكانت أوكرانيا الأرض التي عليها أرادت أن تثبت جبروتها وقوتها، وتحويلها إلى مكسب سياسي يمنحها حق الفيتو والنفوذ الأكبر فيما يسمى “المجال ما بعد السوڤيتي”، وعقد صفقة مع أمريكا بشأن الاستثمار والتنمية الاقتصادية، والتعاون الأمني، والسياسي، وتأمين كل طرف لمصالح الآخر في مناطق نفوذه؛ باختصار، ما يشبه “مؤتمر يالطا”، ولكن بدون بريطانيا، أو أوروبا، وهو ما يفسر- إلى حد كبير- الاندفاع البريطاني الشديد نحو الضغط على موسكو منذ بدء الأزمة، وكذلك عدم اكتراث موسكو بموقف أوروبا؛ لأنها بالفعل فقدت الأمل فيها.

تعتقد موسكو أن تأمين مصالحها في “الجوار القريب” لها، يمنحها شعورًا بالاطمئنان للانفتاح الاقتصادي مع الغرب والشرق، ولديها ميزة الموارد الطبيعية، والقوة العسكرية، والنفوذ في محيطها الإقليمي الذي يجعلها في مأمن من ضغط رأس المال عليها، وتوجيهه لسياساتها الخارجية، أو الداخلية.

أخيرًا، لا تسعى موسكو إلى هدم النظام العالمي الحالي؛ بل العودة به إلى ما كان عليه في الحرب الباردة؛ من خلال تقاسم مجالات النفوذ، ولا تسعى أن تعيد العالم إلى الثنائية القطبية؛ فهي تدرك عدم قدرتها على قيادة قطبية كما كانت في العهد السوڤيتي، وعلى تكاليف وأعباء هذه القيادة التي لا تستطيع تحملها، ولا تريد إزاحة الولايات المتحدة من مركز الصدارة؛ بل بقاء أمريكا قائدًا عالميًّا مميزًا، ولكنه ليس القائد الحصري غير المكترث بمصالح الآخرين من القوى المعتبرة، وعلى رأسها روسيا، ولا تريد من أوروبا شيئًا سوى التعاون الاقتصادي من تحت المظلة الأمريكية، وأن تحصل أمريكا على كل النفوذ فيها، مقابل نفوذ روسي في أوراسيا، وتكامل الطرفين لضبط النمو الصيني للحفاظ على القيادة الغربية المسيحية في العالم، التي تعد روسيا نفسها جزءًا منها، أمام القيادة الصينية المتوقعة، وهو ما يفسر- إلى حد كبير- ميل التيارات اليمينية في الغرب إلى روسيا وسياساتها.

هل تنجح روسيا في عقد هذه الصفقة، أم ستطبق واشنطن هذه الصفقة بالفعل؛ لإدراكها أن المواجهة مع بكين تستدعي وجود موسكو معها، ولكن بعدما تضعف موقف روسيا لتحصل على ما تقرره لها أمريكا، لا ما تطلبه، أم سيصل الطرفان إلى صفقة لا يحقق فيها كل طرف أهدافه كاملة، وتحافظ على الاستقرار الإستراتيجي، والاتفاق على بعض النقاط، وحسم المتبقية في جولات أخرى؟ سنرى ذلك في الأيام المقبلة.

الخاتمة

قد يكون من الأنسب، عدم المبالغة في ادعاء ما لم تدّعِه موسكو، واعتقاد أنها تريد بناء نظام عالمي جديد مغاير للحالي، وقد يكون من الأوقع أيضًا القول: “تريد موسكو الإبقاء على النظام العالمي الحالي، مع منحها دورًا رياديًّا في محيطها الإقليمي”. كذلك، اعتقاد وجود عداء شعبي، أو نخبوي روسي، تجاه أمريكا، قد ينطوي على مبالغة أيضًا؛ فالروس- شبابًا ونُخبًا- يريدون أمريكا، ولديهم إعجاب بها، وبنموذجها، وقدرتها وقوتها، ونمط حياتها، ويسعون إلى عقد شراكة وتفاهم معها. بالتأكيد هناك اختلافات، على سبيل المثال في النظرة المحافظة الروسية، مقابل الأمريكية، فيما يخص الإجهاض، وحقوق المثليين، وغيرهما من القضايا المشابهة، وكذلك الديمقراطية؛ حيث ترفض روسيا الديمقراطية الليبرالية، وتروج في مقابلها لما تسميه “الديمقراطية السيادية”، أي ديمقراطية غير ليبرالية، والشق الديمقراطي فيها قائم على الانتخابات، وحق أي فرد في الترشح.

بعض الأصوات الروسية من مفكرين وفلاسفة ناقدين للغرب، أو الولايات المتحدة، أو مدعين رغبتهم في إزاحتها من موقع الصدارة وبناء نظام عالمي جديد، لا تعدو كونها أصواتًا تعبر عن أفكار خاصة بأصحابها، أو رد فعل لرفض “العروس” الأمريكية لهذا الحب الذي يبدو من طرف واحد، وقد يتم الاستعانة بهم روسيًّا من أجل الشجار في استوديوهات القنوات الفضائية في البرامج الحوارية، وعلى صفحات الصحف والمجلات، وبعض الكتب والدوريات السياسية؛ لخلق توازن داخل الرأي العام الروسي إذا اضطرت الحكومة إلى التصعيد مع واشنطن، وكذلك لاجتذاب بعض الشعوب الرافضة للأحادية القطبية، والحصول على دعمها؛ ظنًا منها أن هناك ضوءًا في آخر النفق لفجر نظام عالمي جديد تناضل موسكو لإقامته، وهذا أمر مفهوم في ظل صراع جيوسياسي يسعى فيه كل طرف إلى الترويج لنفسه، تمامًا كما يعتقد بعض المثقفين العرب أن الانتصار الأمريكي الكامل على قوى “الاستبداد” الصينية والروسية، يعني بزوغ شمس الديمقراطية في عالمنا العربي، وسيادة دولة القانون، والحريات، والحقوق.

ما ورد في التقرير يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير