مأزق السياسة الصينية تجاه الأزمة الروسية – الأوكرانية

في الآونة الأخيرة، أصبح الغزو الروسي لأوكرانيا وشيكًا، حيث حُشدت القوات العسكرية الروسية على طول الحدود الأوكرانية، وبدأت الخطابات عن الحرب تتصاعد من الولايات المتحدة وأوروبا على السواء. ومنذ عام 2014، أي بعد ضم/ استعادة موسكو شبه جزيرة القرم علنًا، ودعم الحركات المسلحة في الدونباس، قدم الغرب دعمًا عسكريًّا ملحوظًا لكييڤ كي تواجه روسيا، وربما يكون هذا هو سبب قلق الروس وحلفائهم في الشرق الأوكراني؛ لذلك تصاعدت حدة خطاب پوتين ومسؤولين آخرين على مدى شهور، في محاولة لدفع حدود التماس الروسي مع القوى الأطلسية إلى وضعية الحرب؛ ليحرك بالبارود عجلة الجهود الدبلوماسية إلى الأمام. في خضم ذلك، قد تكون العلاقات بين بكين وموسكو عند منعطف حاسم، يدفع إلى تساؤل عن مستوى الدعم الذي ستقدمه الصين لروسيا في أزمتها الأخيرة مع أوكرانيا.

الأزمة الأوكرانية الروسية

عام 2022، قد تكون الأزمة الحالية في أوكرانيا هي الحدث الأكثر تأثيرًا في الواقع الجيوسياسي العالمي، فأخطار اندلاع أزمة ثانية في أوكرانيا ستكون أعلى بكثير من الأولى؛ نظرًا إلى توقع پوتين مزيدًا من الدعم من شركائه الصينيين في ظل اقتراب موسكو وبكين من صفقة ضخمة لخط أنابيب الغاز الطبيعي، لكن بكين على أعتاب استضافة دورة ألعاب أولمبية شتوية متوترة ومشحونة سياسيًّا، وقد يؤدي دعم الحزب الشيوعي الصيني المفتوح لپوتين في المواجهة مع الغرب إلى تصاعد معارضة جمهورية الصين الشعبية داخل أوروبا؛ مما يعزز الحجج المؤيدة للمقاطعة الاقتصادية. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي فشل جمهورية الصين الشعبية في تقديم الدعم الكافي لپوتين إلى الإضرار بمصالح بكين مع روسيا؛ لذا يبدو أن بكين على موعد مع السير على الحبل المشدود في الأزمة الأوكرانية الحالية.

بالعودة إلى عام 2014، كانت هناك مساحة لبكين كي تناور على مصالحها بين الغرب وروسيا، لا سيما أن تلك الفترة كانت تعيد رسم سياسات القوى الدولية بعضها تجاه بعض، حيث فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون عقوبات على روسيا، مع تعزيز قدرات الناتو على مكافحة أي غزو في أوروبا، فيما أصبحت موسكو أكثر عداءً للمصالح الغربية، وتعمل عملًا مكثفًا لتحديد خطوطها الحمراء فيما يتعلق بالأمن القومي والاقتصاد، وقد التقت مخاوف روسيا والصين وشكوكهما حيال سياسات الغرب.

لذا، بعد مدة وجيزة من القطيعة الروسية- الأوروبية، وافقت بكين وموسكو على بناء خط أنابيب غاز طبيعي بينهما عبر سيبيريا، وكانت هذه نقطة فارقة في العلاقة بين البلدين، فيما بقيت الصين حتى توقيع اتفاقية التعاون مُلتزمة بالعقوبات الغربية تجاه روسيا، خاصةً فيما يتعلق بالقطاع المصرفي، وهذا جعل الشركات الروسية تقع في أزمة البحث عن رؤوس أموال، هذا إلى جانب اكتفاء بكين بالرطانة البلاغية لخطاباتها كي تبدو مؤيدة للمواقف الروسية، ولكن بدون أي خطوات أو قرارات مُلزمة لها.

العلاقات الاقتصادية الروسية الصينية

خلال العُزلة الروسية توجه المحور الاقتصادي الروسي تجاه الصين، وعززت التجارة الاقتصادية بين روسيا والصين العلاقات السياسية، حيث ارتفعت الصادرات الروسية إلى الصين من (42) مليار دولار أمريكي عام 2014 إلى (57) مليار دولار أمريكي عام 2020، لتبلغ الصادرات إلى الصين نحو (4%) من الناتج المحلي الإجمالي الروسي، أي أكثر من ضعف مستويات ما قبل أزمة ضم شبه جزيرة القرم. وبينما صار الاقتصاد الروسي يعتمد بشكل متزايد على الصين، فإن العكس ليس صحيحًا، على الأقل عند قياسه من خلال الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغت صادرات الصين عام 2020 إلى المكسيك قدرًا يساوي صادراتها إلى روسيا، إذ شكلت تلك التبادلات الصينية- الروسية (0.3%) فقط من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، ما يعني أن حجم الصادرات الصينية إلى روسيا في انخفاض، حيث مثلت (0.5%) عام 2013، أي ما قبل العقوبات؛ ما يعني أن الصين لم تُضحِ بعلاقتها بالغرب لصالح التعاون الاقتصادي الهامشي لها مع موسكو.

لكن من منظور آخر، توفر الطاقة الروسية ضمانات مهمة لأمن الطاقة الصيني، بل للأمن القومي لبكين، التي تعتمد في وارداتها من الطاقة على النقل البحري؛ ما يعني أن للنفط والغاز الطبيعي والفحم الروسي ميزة أنه لا يمكن للولايات المتحدة، أو حلفائها في آسيا، الاعتراض على دخول أي منها إلى الأراضي الصينية؛ مما يزيد من قدرة الصين على مواجهة أي عقوبات أو حرب عسكرية ضدها من الغرب. وفي الواقع، عام 2020، مثّل النفط الروسي (15%) من حجم واردات الصين من النفط الخام، ومثّل الغاز الطبيعي الروسي (9%) من حجم واردات الغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب. ومع استمرار تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وجمهورية الصين الشعبية، يركز الحزب الشيوعي الصيني على ضمان إمدادات الطاقة الروسية بدرجة أكبر مما كانت عليه عام 2014.

وتحاول الصين الاعتماد أكثر على موارد الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والهيدروجين الأخضر، والسيارات الكهربائية؛ من أجل إزاحة، أو حتى استبدال جميع وارداتها من السلع الأساسية الروسية على المدى الطويل. ومع ذلك، يواصل الجانبان الاتفاق بشأن الطاقة بسبب مواءمة مصالحهما المحلية والجيوسياسية القصيرة الأجل، خاصةً أن بكين وموسكو على استعداد لتنظيم العلاقات التجارية من أجل مواجهة أي تهديد خارجي مشترك.؛ لهذا فإنه غالبًا ما تتحدد العلاقات الاقتصادية الثنائية بالضرورات السياسية المحلية، وتفضيلات السياسة الخارجية لكلا النظامين، وليس قوى السوق.

لذا منذ عام 2014، اقتربت روسيا والصين بسبب تصورات التهديد المشترك، ولتعزيز قدراتهما على مواجهة الغرب الذي أصبح يمثل عقبة أمام مصالحهما الجيوسياسية، بل أكثر من ذلك، تشكل الولايات المتحدة الأمريكية تهديدًا مباشرًا على الأنظمة الداخلية لكلا البلدين. وتشترك موسكو وبكين في رؤية تعتمد على القوة والمكانة الجيوسياسية لاستمرارية النظام المحلي؛ لذا تلاقت طموحات پوتين الجيوسياسية مع تصاعد قوة تشي جين بينغ بشأن أهداف وأعداء مشتركين؛ ما أدى إلى تقليل التوترات بين الصين وروسيا بشكل كبير (ولكن بالكاد يُقضى عليها).

أصبح كل من پوتين والحزب الشيوعي الصيني أكثر عداءً علنيًا للنظام الدولي الحالي منذ عام 2014. صار پوتين- على نحو متزايد- مستعدًا لكسر القواعد والتحدي العسكري المباشر، الذي قدم له عرضًا مصغرًا على الأراضي السورية عام 2015، وما لحقه من اتهامات غربية له بالتدخل المباشر في شؤون البلدان الغربية. وبالمثل، ولكن بحذرٍ أكبر، كان تشي يدعم- بشكل متكرر، ضمني وهادئ – تصرفات پوتين، خاصةً أن علاقة بكين بالولايات المتحدة أصبحت عدائية بشكل متزايد بسبب قضية تايوان، والاتهامات الأمريكية للصين بشأن جائحة كوفيد- 19، والتوسع الاقتصادي الصيني في بلدان حليفة لواشنطن، ودعم الأخيرة للاحتجاجات في هونغ كونغ، وللحركات الانفصالية داخل الصين، وغيرها من الملفات الشائكة بين البلدين.

مستقبل العلاقات الروسية الصينية

أدى هذا إلى تعزيز العلاقات الروسية- الصينية في ظل علاقتهما العدائية المتزايدة مع الولايات المتحدة وحلفائها. وتزعم موسكو وبكين أن “شراكتهما الإستراتيجية الشاملة هي بداية لعصر جديد”، وأنهما “حليفتان في الظروف كافة”، خاصةً أن كِلا البلدين ينسق الجهود السياسية والدبلوماسية والمعلوماتية، والعسكرية كذلك، بطرائق لم يكن من الممكن تصورها قبل سنوات.

لذا ستكون الأزمة الحالية في أوكرانيا لحظة حاسمة في العلاقات الروسية الصينية. ويمكن أن تنجرف بكين وموسكو إلى تحالف شبه عسكري، مع تداعيات عميقة على علاقاتهما مع الغرب. وبدلًا من ذلك، قد يؤدي ضعف الدعم الاقتصادي أو السياسي الصيني لموسكو خلال الأزمة الحالية إلى توتر حاد في العلاقات بين البلدين، وهذا ما سيكشفه حضور پوتين أو عدم حضوره دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين.

حتى الآن، من المقرر أن يسافر پوتين إلى بكين لحضور افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، لكن توقيت الرحلة قد يكون محرجًا جدًّا لكلا الجانبين، لا سيما إذا اندلعت حرب روسية- أوكرانية؛ ما سيعني أن حضور بوتين هو دعم صيني لأي عمل عسكري روسي. عمومًا، إن ما بعد مرحلة التصعيد على الجبهة الروسية- الأوروبية سيمثل حقبة جديدة في العلاقات الصينية الروسية، كما سينعكس على مستوى علاقات بكين مع الغرب.

أخيرًا، في حالة حدوث حرب، قد تقدم بكين دعمًا أكبر لپوتين مما كان عليه عام 2014، مع الحفاظ على بعض المسافة؛ نظرًا إلى حاجتها إلى علاقات اقتصادية فعالة مع أوروبا والولايات المتحدة. ومن المرجح أن تكون الصين وروسيا أكثر انحيازًا، إحداهما إلى الأخرى، في أي أزمة دولية، لكن دعم الصين دائمًا لموسكو سيخضع لحدود. وستحاول بكين موازنة موقفها في أزمة أوكرانيا، مع الإدراك بأن الأشهر القليلة المقبلة قد تحدد العقد المقبل للعلاقات الصينية الروسية.

 

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير