الحروب السرية بين موسكو وواشنطن

في عام 1864، كتب الشاعر والدبلوماسي الروسي فيودور تيوتشيڤ: «أن السياسة الطبيعية الوحيدة لروسيا تجاه الغرب يجب أن تتمثل في السعي ليس إلى التحالف مع القوى الغربية، بل العمل على تفريقها وانقسامها». في العقود التي تلت ذلك، استجاب القادة الروس والسوڤيت لهذه النصيحة بعد قرن ونصف لا تزال الولايات المتحدة تُصارع تداعيات محاولات روسيا لتضخيم الانقسامات داخل المجتمع الأمريكي والاستفادة منها خلال حملة الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016. نتيجة لهذا التدخل، الذي تراجعت عنه بدرجة أقل في حملة انتخابات 2020، أصبحت روسيا تمثل عقبة وقضية سامة في السياسة الأمريكية لدرجة لم نشهدها منذ عهد مكارثي.

على عكس التدخل الصيني في الانتخابات، والذي يبدو أنه مصمم للتأثير على سياسة الولايات المتحدة تجاه بكين، فإن مخططات الكرملين لها هدف أكثر اتساعًا: «فقدان ثقة الأمريكيين في ديمقراطيتهم وتضخيم الاستقطاب الدراماتيكي الحادث بالفعل في المجتمع الأمريكي». إنها مهمة طموح لكنها أثمرت نتائج متباينة بالنسبة للروس. في عام 2016، كانت الجهود الأكثر أهمية لموسكو، اختراق حسابات البريد الإلكتروني لكبار أعضاء حملة هيلاري كلينتون الرئاسية، والحصول على إمكانية الوصول إلى عدد من خوادم الكمبيوتر التابعة للجنة الوطنية للحزب الديمقراطي، وتقديم المحتويات المسروقة إلى ويكيليكس، التي تم إطلاقها بعد ذلك، كما استفاد الكرملين من ميزة إخفاء الهوية التي توفرها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي من خلالها نشر الروس معلومات مضللة للأمريكيين من شأنها أن تساعد المرشح المفضل لدى موسكو، دونالد ترامب. كما استخدم الروس أدوات إلكترونية أكثر تقدمًا لاختراق أهداف أكثر صعوبة، بما في ذلك قواعد بيانات تسجيل الناخبين والشبكات التي تستخدمها حكومات الولايات المحلية.

بالطبع، ادعى الكرملين أنه لا علاقة له بأي من هذه الجرائم. لكن وكالات الاستخبارات الأمريكية، وتحقيقات المحقق الأمريكي الخاص في التدخل الروسي روبرت مولر، والتحقيق المنفصل الذي أجرته لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ الأمريكي، أوضحت جميعها أن كل حالات التسلل التي تم رصدها كان هناك ارتباط بينها وبين أجهزة المخابرات الروسية، ولا سيما (مديرية المخابرات الرئيسية – GRU).

كان أحد أسباب نجاح هذه المخططات في زرع الكثير من الفتنة والارتباك، هو أن الكرملين كان يدفع باتجاه الباب المفتوح: بفضل الاستقطاب السياسي العميق والحروب الثقافية الطويلة، أصبحت الولايات المتحدة دولة منقسمة وعُرضة لجميع أنواع التأثيرات الخبيثة، ولكن لماذا بدت واشنطن غير مدركة لهذه المخاطر؟ لماذا كانت الأنظمة الهامة، العامة والخاصة، غير محمية بالشكل الكافي؟ وهل تعلمت الدولة مما حدث شيئًا يجعلها أقل عرضة للتدخل في المستقبل؟

يتناول كتابان حديثان هذه الأسئلة من خلال الخوض في التاريخ الطويل للحرب السياسية بين موسكو وواشنطن، ويُعد كتاب «التدابير النشطة: التاريخ السري للتضليل ووسائل الحرب السياسية» لتوماس ريد، هو الأكثر شمولًا وتحليلًا، حيث استعان فيه بأبحاث أرشيفية مكثفة ومقابلات مع متخصصين سابقين وحاليين في الاستخبارات لسرد قصة مؤثرة عن المؤامرات والخداع، بينما يقدم الصحفي تيم وينر، في كتابه «الحماقة والمجد: أمريكا وروسيا والحرب السياسية 1945-2020» صورة مألوفة إلى حدٍّ ما للصراع السري بين موسكو وواشنطن ويمضي في القول بأن السياسات الأمريكية زادت من شكوك الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتين، حول نوايا واشنطن، والتي بدورها عززت تصميمه على صياغة دولة يهيمن عليها قدامى المحاربين من أجهزة المخابرات السوڤيتية.

لقد بنى  پوتين تلك الدولة، لكن من غير الواضح ما إذا كان استخدامه لها كان دائمًا لصالح موسكو، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الأمريكية الروسية. في الواقع، قد يشعر الروس بندم على تدخلهم في انتخابات عام 2016. حيث فاز مرشحهم المفضل، لكن إدارة ترامب اتبعت سياسة متناقضة تجاه روسيا: أراد ترامب عقد صفقة مع پوتين، لكن السلطة التنفيذية اتخذت موقفًا أكثر تشددًا. في غضون ذلك، أدى الغضب من الحزبين بشأن التدخل الروسي إلى قيام الكونغرس الأمريكي بفرض مجموعة من العقوبات على موسكو ستظل قائمة لسنوات عديدة، وتُشير جهود الكرملين السرية التي باتت محدودة في السنوات الأخيرة للتأثير على السياسة الأمريكية إلى أن  پوتين نفسه قد يكون لديه بعض الشكوك حول مدى نجاح هذه المخططات حقًّا.

أكاذيب حقيقية

في روسيا، يُشير مصطلح (активные мероприятия) أو «الإجراءات الفعالة» إلى أحد أشكال الحرب المعلوماتية المصممة لإضعاف الخصم. بدأت الممارسة الروسية في استخدام المعلومات المضللة منذ أكثر من قرن، وتحديدًا قبل الثورة البلشفية، ومن الأمثلة المبكرة على ذلك الكتاب سيئ السمعة «بروتوكولات حكماء صهيون» الذي ظهر لأول مرة في عام 1903، ويزعم أنه كشف مؤامرة يهودية شائنة للسيطرة على العالم. في عام 1921 كشفت صحيفة (The Times of London) أن الكتاب مزور على الرغم من أن مؤلفه الحقيقي لا يزال محل نزاع. إلا أن النظام القيصري وزعه بحماس وكان الاتحاد السوڤيتي لا يزال ينشره بشكل مُنتظم في الخمسينيات. بعد مرور أكثر من مائة عام على ظهوره الأول، لا يزال يتم بيعه بشكلٍ جيد في بعض أجزاء العالم لأنه يعزز من معتقدات الأشخاص الذين يهتمون بتعزيز تصورهم الخاص عن الواقع أكثر من معرفتهم بالحقيقة.

هذه الديناميكية تحديدًا، هي الموضوع الرئيسي لكتاب توماس ريد، والذي يروي فيه على مدار القرن الماضي كيف تغيرت تقنية المعلومات المضللة حيث غيرت الثورة الرقمية بشكل عميق وسائل توصيل المعلومات، وأتاحت القرصنة والتسريبات الآن لمجموعة أكبر بكثير من المدعين، القدرة على اختراق المجتمعات الغربية لكن بالنسبة لروسيا والدول الاستبدادية الأخرى، يظل الهدف هو نفسه: مهاجمة «النظام المعرفي الليبرالي، أو النظام السياسي الذي يضع ثقته في الحراس الأساسيين للسلطة الواقعية»، بجانب تقويض أسس المجتمعات المفتوحة، ويخلُص ريد، إلى أنه بمرور الوقت أصبحت التدابير النشطة أكثر نشاطًا وأقل قياسًا، مما يساعد على الدخول في عالم ما بعد الحقيقة؛ حيث يبدو أن المزيد والمزيد من الناس على استعداد لقبول «الحقائق البديلة».

بالطبع، لعبت الولايات المتحدة أيضًا دورًا في خلق مثل هذه الظروف. بعد الحرب العالمية الثانية، أنشأت إدارة ترومان مكتبًا خاصًّا تحت اسم «المشاريع الخاصة»؛ لتنسيق العمليات الهجومية السرية ضد الاتحاد السوڤيتي والدول التابعة له. في العقد التالي، تركزت الحرب السياسية الأمريكية في برلين وهناك قاد عميل المخابرات الأسطوري فرانك ويسنر، وزملاؤه فريقًا أطلقوا عليه اسم (Die Kampfgruppe) وتعني بالألمانية «المجموعة القتالية» وكانت مهمته «مضايقة الإدارة السوڤيتية لألمانيا الشرقية وإضعافها»، كما كتب ريد: «كان أحد التكتيكات التي استخدمها الفريق هو توزيع المجلات اللامعة لنقل رسائل تخريبية ومؤيدة للغرب إلى سكان ألمانيا الشرقية».

كانت مجموعة (Die Kampfgruppe) «المجموعة القتالية» تستهدف القوات المسلحة لألمانيا الشرقية والموظفين الشيوعيين، وتوزع مجلات أخرى على المنظمات الدينية التي قمعتها حكومة ألمانيا الشرقية.

توقفت عمليات التضليل هذه عندما بُني جدار برلين في عام 1961، وأصبح من الصعب على عملاء المخابرات الأمريكية الوصول إلى برلين الشرقية يجادل ريد، بأنه عندما يتعلق الأمر بحرب المعلومات، فإن «التكافؤ الأخلاقي والعملي» بين الديمقراطيات وغير الديمقراطيات لم يكن موجودًا إلا خلال العقد الأول أو نحو ذلك من الحرب الباردة. بعد ذلك: «تراجعت الولايات المتحدة، وأجهزة مخابراتها، من ساحة معركة المعلومات المضللة بشكل شبه كامل، لكن السوڤيت وأقمارهم الصناعية لم يفعلوا ذلك قط».

قاعة المرايا

رواية توماس ريد، مليئة بالتفاصيل الرائعة حول إجراءات الكرملين النشطة، والتي تمتد على طول الطريق إلى الحقبة البلشفية، في عام 1922، وبأوامر من الزعيم السوڤيتي ڤلاديمير لينين، أنشأت الشرطة السرية السوڤيتية، منظمة سياسية زائفة مناهضة للبلاشفة، وكان اسمها (عملية الثقة Операция Трест) وعبرها تم الإيقاع بكل مناهضي النظام البلشفي، والراغبين في عودة النظام القيصري، وكشف علاقاتهم الخارجية بالمهاجرين والجهات الأجنبية.

وجد السوڤيت أيضًا طرقًا للتدخل في سياسات الديمقراطيات الغربية، أحيانًا بمساعدة وكلاء في بلدان شيوعية أخرى، مثل ألمانيا الشرقية. في أوجها في أواخر الثمانينيات، كانت منظمة أمن الدولة لألمانيا الشرقية المعروفة باسم (شتازي) قد نفذت عمليات تجسس داخلية وخارجية، تضم أكثر من (90.000) موظف بدوام كامل لرصد تحركات 16 مليون نسمة، وحوالي (175.000) متعاون غير رسمي، أبلغوا عن جيرانهم وزملائهم في العمل وحتى أزواجهم.

كانت أنجح عمليات شتازي في عام 1972، بناءً على أوامر من موسكو، وشملت رشوة اثنين من أعضاء الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وهو حزب معارض في ألمانيا الغربية. في مقابل مدفوعات تعادل حوالي 90 ألف دولار اليوم، وافق كلا العضوين على الانفصال عن حزبهما والامتناع عن التصويت بحجب الثقة في برلمان ألمانيا الغربية الذي كان من شأنه أن يؤدي إلى عزل المستشار ويلي براندت، من منصبه. أراد الكرملين بقاء براندت في السلطة، لأنه دعم تحسين العلاقات مع الاتحاد السوڤيتي والكتلة الشيوعية، وبفضل امتناع العضوين عن التصويت، فشل التصويت بفارق ضئيل واحتفظ براندت بموقعه.

خلال الثمانينيات، تعاونت المخابرات السوڤيتية وجهاز شتازي، وغيرهما من أجهزة الاستخبارات التابعة للكتلة الشيوعية لاستغلال الانقسامات في الدول الغربية بشأن مسألة الأسلحة النووية. بينما بنى الاتحاد السوڤيتي ترسانته النووية الضخمة، وقام بتغذية معلومات مضللة حول سياساته ونواياه إلى النشطاء الساذجين المناهضين للأسلحة النووية في الغرب والعالم النامي، وقام سرًّا بتمويل النشطاء الذين دعوا إلى «التجميد النووي» والذين عارضوا تطوير القنبلة النيوترونية، ونشر صواريخ أمريكية متوسطة المدى في أوروبا. بهذه الطريقة، حتى مع زيادة المخزونات النووية السوڤيتية، تمكن الكرملين من إقناع أعداد كبيرة من الغربيين بأن الخطر الحقيقي للحرب يأتي من الولايات المتحدة.

بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي، كان المسؤولون الأمريكيون يأملون في أن تتلاشى إجراءات موسكو الاستخباراتية النشطة. لكن الرئيس الروسي بوريس يلتسين، رفض تفكيك أو إصلاح أجهزة المخابرات. بل قال يلتسين في أوائل التسعينيات: «إن جهاز الكي جي بي، هو هيكل الدولة المُنظم الوحيد الناجح الذي خلفه النظام القديم، وبالطبع قد قام ببعض التصرفات الإجرامية، مثل بعض الأجهزة الأمنية الأخرى، لكن إذا دمرناه، فسنخاطر بإطلاق العنان للفوضى الكاملة». هكذا أعاد مروجو المعلومات المضللة الروس تجميع صفوفهم وظهروا مرة أخرى بكامل قوتهم عندما تولى پوتين، الضابط السابق في الكي جي بي.

يصف ريد، بتفاصيل دقيقة إحياء الإجراءات الروسية النشطة التي أصبحت أكثر سهولة في عصر الإنترنت؛ مثل هجوم الكرملين الإلكتروني الذي شل الحكومة الإستونية في عام 2007، وحملة التضليل التي أطلقتها موسكو في أعقاب أزمة أوكرانيا عام 2014، عندما سعى الغرب لعزل روسيا. يتعمق ريد، أيضًا في قصة إدوارد سنودن، مقاول وكالة الأمن القومي الأمريكية الساخط الذي وصل إلى موسكو في عام 2013، بعد أن سرب ملايين الوثائق السرية للغاية التي كشفت أن الولايات المتحدة، نفذت عمليات مراقبة أكثر تدخلًا وشمولية مما كان معروفًا للجمهور. حصل سنودن، على حق اللجوء السياسي، وتقدم في النهاية بطلب للحصول على الجنسية الروسية. يعتقد بعض المعلقين الأمريكيين أن سنودن، كان أحد الأصول الروسية منذ وقت طويل.

وفقًا لريد بالنسبة لروسيا بدت تسريبات سنودن وكأنها إجراء أمريكي ناجح بشكل مذهل يستهدف أمريكا نفسها

جواسيس مثلنا

بالنسبة لروسيا، الحرب والسلام ليسا ثنائيتين أو خيارين حتميين. بل ترى إمكانية الجلوس بينهما في مكانٍ ما، وممارسة الإجراءات النشطة والحرب السياسية، التي تُظهر بها الدول قوتها وتفرض عبرها إرادتها ضد العدو، دون الحاجة لإطلاق الصواريخ أو إرسال قوات المارينز. في روايته الحية للتنافس بين موسكو وواشنطن أثناء الحرب الباردة وبعدها، يؤرخ وينر، إلى أن أصول الحرب السياسية الروسية تعود لعصر إيفان الرهيب، القيصر الذي أنشأ جهاز (أوبريتشنينا – Опричнина) في عام 1565، وهو نوع من الدولة داخل الدولة استخدم شبكة من الجواسيس وأطلق العنان لعهد من الإرهاب الكبير ضد أعداء إيفان المزعومين. يوضح وينر أن پوتين بنى في السنوات الأخيرة أجهزته الاستخباراتية بناءً على هذا التقليد الطويل مستخدمًا تقنيات متطورة في سعيه لإضعاف الولايات المتحدة، ودفع مواطنيها للتشكيك في أسس نظامهم السياسي، ترافق ذلك مع رسم صورة جديدة لروسيا، باعتبارها حصنًا منيعًا ضد الفوضى السياسية، ومعقلًا للقيم التقليدية، وبديلًا مُستقرًّا عن الديمقراطيات الفوضوية. على الرغم من المشاكل الاقتصادية والديموغرافية لروسيا ومواردها المحدودة، يبدو أنها أفضل بكثير في الحرب السياسية من الولايات المتحدة الأكثر منها قوة.

مع ذلك، بالمقارنة مع ريد، يركز وينر، بشكل أكبر على دور واشنطن في قصة تطور الحرب السياسية في العصر الحديث. في الواقع، أحد أبرز الشخصيات في رواية وينر، هو الدبلوماسي الأمريكي ذائع الصيت جورج كينان. في عام 1948، أقنع كينان، الذي كان وقتها مديرًا لموظفي تخطيط السياسات بوزارة الخارجية إدارة ترومان بإنشاء مديرية خاصة للعمليات السرية ضد الاتحاد السوڤيتي. بناءً على توصية كينان، تم تكليف ويسنر بالمسؤولية عن الوحدة الجديدة، التي أطلقت عددًا من العمليات الجريئة ولكنها كانت غير ناجحة. في النهاية اضطرت الولايات المتحدة، للاعتماد على الكثير من المعلومات المضللة، لطرد السوڤيت من أوروبا الشرقية.

في الستينيات، مع حصول العديد من المستعمرات الأوروبية على استقلالها، امتدت الحرب السياسية إلى ما يسمى بالعالم الثالث، وقاتلت موسكو وواشنطن من أجل قلوب وعقول الأفارقة. يكرس وينر، جزءًا كبيرًا من روايته للكونغو والحرب الأهلية التي اندلعت هناك بعد انسحاب البلجيكيين على عجل في عام 1960. دعمت الولايات المتحدة جوزيف موبوتو، المعروف لاحقًا باسم موبوتو سيسي سيكو، ضد باتريس لومومبا، المدعوم من السوڤيت. في النهاية، انتصر موبوتو، بمساعدة وكالة المخابرات المركزية، واستمر في حكم البلاد لمدة ثلاثة عقود فيما يصفه وينر، بأن حكمه كان «كرنفال للفساد».

مع ذلك، ليس من الواضح تمامًا سبب اعتقاد وينر أن هذه الحالة بالذات مهمة جدًّا. وفي اتهامه لواشنطن بدعم موبوتو وديكتاتوريين فاسدين آخرين في إفريقيا، يتجاهل تحديد سياسات بديلة أفضل ويفشل في معالجة ما إذا كان القادة المدعومون من الاتحاد السوڤيتي أقل فسادًا.

غالبًا ما كانت الحرب السياسية في العالم النامي أثناء الحرب الباردة، على حد تعبير الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، عبارة عن حالة اختارت فيها موسكو وواشنطن دعم ما اعتبره صناع السياسة «أبناء عاهرتنا».

يجادل وينر بأن اعتماد الكرملين المستمر على الحرب السياسية بعد الحقبة السوڤيتية ينبع من الاستياء الروسي مما حدث في السنوات التالية. في نظر العديد من الروس، تعرضت البلاد للإذلال في التسعينيات من قبل الولايات المتحدة المتغطرسة التي لم تأخذ المصالح الروسية في الاعتبار. هذه هي الرواية التي استخدمها پوتين لتبرير سعيه إلى جعل روسيا عظيمة مرة أخرى، ويؤيد وينر ضمنيًّا هذه السردية. القائلة: لقد أخطأت الولايات المتحدة في دعوتها دول الاتحاد السوڤيتي السابق للانضمام إلى الناتو، على عكس الوعود التي زعم أن وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر قدمها للرئيس السوڤيتي ميخائيل جورباتشوف في عام 1990. ووفقًا لما ذكره وينر، فإن هذه الخيانة أقنعت القيادة الروسية بأنها لا تستطيع الوثوق في الأمريكيين تكمن مشكلة هذه الحجة في أن الحقائق التاريخية لا تدعمها. لم تقدم الحكومة الأمريكية مثل هذه الوعود لجورباتشوف بشأن توسيع الناتو؛ لأن هذا الاحتمال لم يكُن على جدول الأعمال في عام 1990، وكما كتب جورباتشوف نفسه في عام 2014: «لم تتم مناقشة موضوع توسع الناتو على الإطلاق ولم يتم طرحه في تلك السنوات. أقول هذا بكامل المسؤولية».

في ذلك الوقت، كان السؤال الوحيد فيما يتعلق بالموقف من الناتو، هو ما إذا كان سيتم نشر أي قوات تحت قيادته في ألمانيا الشرقية السابقة بعد إعادة توحيد ألمانيا.

بط جالس

تثير هذه الكتب سؤالًا أكبر لا يُجيب عنه أي منهما بشكلٍ كافٍ: كيف يمكن للولايات المتحدة والمجتمعات الديمقراطية الأخرى أن تجعل نفسها أقل عرضة للتضليل؟ كان الرئيس الأمريكي باراك أوباما وإدارته بطيئين في فهم النطاق الكامل لما كان يفعله المتسللون الروس والمتصيدون عبر الإنترنت في عام 2016، ويمكن القول إنهم لم يفعلوا ما يكفي للرد. ستعمل إدارة بايدن، على تأمين الشبكات العامة والخاصة في الولايات المتحدة والعمل مع شركات التواصل الاجتماعي للحد من انتشار المعلومات المضللة على منصاتهم.

الانتقام من الهجمات الإلكترونية، أي الهجوم المضاد بعبارة أخرى هو أيضًا جزء مهم من مجموعة الأدوات لكن يجب استخدامها بحكمة، حتى لا تؤدي إلى التصعيد. جدير بالذكر أن روسيا عرضت في عدة مناسبات بدء محادثات مع الولايات المتحدة حول اتفاقية عدم التدخل المتبادل. بطبيعة الحال هناك شك كبير حول ما إذا كان بإمكان واشنطن الوثوق بموسكو لاحترام شروط أي اتفاق من هذا القبيل، لكن قد يكون من المفيد استكشاف ما تقترحه روسيا قبل رفض العرض.

في غضون ذلك، ربما تكون أهم الأشياء التي يمكن للولايات المتحدة القيام بها لحماية نفسها من التدخل الأجنبي هو معالجة الانقسامات الاجتماعية والسياسية الخاصة بها والتواصل بشكل أفضل مع الأمريكيين حول الفرق بين الأخبار الحقيقية والدعاية. روسيا لم تخلق الاستقطاب الذي يقسم البلاد هي فقط قامت بعملية استغلاله. كما أن روسيا، لم تخترع نظريات المؤامرة التي تسود وسائل التواصل الاجتماعي، بل فقط قامت بتضخيمها، ولم ينتخب الكرملين ترامب في عام 2016، بل زودته فقط بالذخيرة التي مكَّنته من التأكيد على تآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية الأمريكية.

من الجدير أيضًا التفكير فيما إذا كانت الفوائد التي تمتعت بها روسيا من تدخلها في عام 2016، قد فاقت التكاليف بالفعل. إن معرفة التدخل الروسي واعتقاد بعض معارضي ترامب، بأنه لم يفز في الانتخابات بشكل شرعي. جعل من روسيا موضوعًا محليًّا سامًّا طوال سنوات ترامب الأربع في المنصب، وجعل من المستحيل عليه الوفاء بوعد حملته الانتخابية بتحسين العلاقات مع موسكو. على الرغم من المتعة الصاخبة التي أخذها پوتين بوضوح عندما شكك ترامب في أحكام وكالات الاستخبارات الأمريكية، وقبل بدلًا من ذلك إنكار پوتين لمسؤوليته بالتدخل في الانتخابات، يمكن للزعيم الروسي أن يكتشف ألا فوائد حقيقية عادت عليه من جراء التدخل في الانتخابات.

لقد ظلت الولايات المتحدة منقسمة سياسيًّا منذ عام 2016، وهذا بلا شك مصدر ارتياح عميق للكرملين. لقد تضاءلت مكانة واشنطن الدولية، وقد استمتعت وسائل الإعلام المحلية والدولية التي تديرها الدولة في موسكو بوصف الولايات المتحدة بأنها قوة عظمى سابقة في طريقها نحو التدهور ومع ذلك، فقد تركت روسيا بصمات أصابع أقل على انتخابات عام 2020، عما تركته في عام 2016، ربما أدرك الكرملين أنه قد يكون من الأفضل أن يكون هناك رئيس أكثر قابلية للتنبؤ به في البيت الأبيض؛ رئيس ملتزم بدبلوماسية أكثر تقليدية مع روسيا.

يأمل المرء أن تؤدي نهاية رئاسة ترامب، إلى إحياء مناقشة أكثر منطقية حول المكان الذي يجب أن تتعاون فيه واشنطن مع موسكو، وأين سيتنافس الجانبان حتمًا. لقد تمت المبالغة في قدرة پوتين على تقويض الديمقراطية الأمريكية، لكن الإجراءات الروسية النشطة لن تختفي، ومن الأفضل أن يجعل الأمريكيون بلادهم هدفًا أقل جاذبية لمثل هذه التدخلات السامة.[1]

ترجمة: وحدة الرصد والترجمة في مركز الدراسات العربية الأوراسية

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير 

[1] By: Angela Stent – Foreign Affairs – The Meddlers – January/February 2021, https://www.foreignaffairs.com/print/node/1126893