وجهات نظر روسية بشأن الأزمة الأوكرانية

في إطار التغطية المستمرة من «مركز الدراسات العربية الأوراسية» للأزمة الحالية المتفجرة بين روسيا والغرب، التي يجري أحد فصولها الآن في أوكرانيا؛ حيث يستعرض كل طرف من خلالها قوته وقدراته، تقدم «وحدة الدراسات الروسية» بالمركز في هذا التحقيق الصحفي، خلاصة لأبرز الآراء الروسية وأهمها عن آخر التطورات المحيطة بتلك الأزمة بعد حصول موسكو على رد مكتوب من الولايات المتحدة وحلفائها بشأن الضمانات الأمنية التي تقدمت بطلبها، ويعرض التقرير آراء لعدة خبراء روس بارزين خصوا بها المركز حصريًّا. وفي هذا الإطار تقدم إدارة المركز شكرها وتقديرها لوقت هؤلاء الخبراء وجهدهم، وهم:

  • البروفيسور ألكسندر دوغين، وهو فيلسوف روسي، وعالم سياسي، وعالم اجتماع، ومترجم، وشخصية عامة. حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية والعلوم الاجتماعية، وأستاذ ورئيس قسم علم اجتماع العلاقات الدولية، في كلية علم الاجتماع، بجامعة موسكو الحكومية، وزعيم الحركة الأوراسية العالمية.
  • البروفيسور أندري أوكارا، وهو فيلسوف وعالم سياسي روسي، متخصص في الفلسفة الاجتماعية والجغرافيا السياسية، ومحاضر في جامعة سانت بطرسبورغ الحكومية، وله أكثر من 100 مؤلف في الفلسفة الاجتماعية، والجغرافيا السياسية، ونظرية الحضارات، والعلاقات الروسية الأوكرانية البيلاروسية.
  • البروفيسور ليونيد ساڤين، وهو كاتب سياسي روسي، ومحلل جيوسياسي، ورئيس تحرير موقع جيوبولوتيكا، ومدير مؤسسة المراقبة والتنبؤ، ومحاضر في الجامعة الروسية لصداقة الشعوب.
  • البروفيسور ڤاليري كوروڤين، وهو عالم سياسي وصحفي روسي. مدير مركز الخبرة الجيوسياسية، ونائب رئيس مركز الدراسات المحافظة في كلية علم الاجتماع في جامعة موسكو الحكومية، ونائب رئيس الحركة الأوراسية العالمية، ورئيس تحرير مجلة بوابة المعلومات والتحليل في أوراسيا، ورئيس اتحاد الشباب الأوراسي (ECM).
  • البروفيسور أرتيوم كيربيتشينوك، وهو كاتب سياسي، ومؤرخ وفيلسوف روسي- إسرائيلي. حاصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من الجامعة العبرية في القدس.

روسيا والغرب في حالة صراع حضاري

ألكسندر دوغين

إن الأزمة الحالية في علاقات روسيا مع الغرب ليست مرتبطة بالغاز، ولا بالاقتصاد ككل. محاولات شرح هذا الصراع السياسي من خلال مبدأ “إرجينوس” القائم على «الجائزة» أو “الغنيمة” مجرد محاكاة ساخرة لصراع أكبر بكثير من ذلك؛ فنحن نتعامل مع عدة عمليات عميقة نتجت عنها تحولات حضارية وجيوسياسية، في حين أن الاقتصاد والطاقة من الملحقات الثانوية.

من وجهة نظر حضارية، يتعلق الأمر كله بأيديولوجية الديمقراطيين من إدارة بايدن، هذا التحالف المكون من دعاة العولمة المتطرفين مع المحافظين الجدد والصقور الليبراليين. إنهم يرون أمام أعينهم بوادر انهيار العالم الأحادي القطب، ومعه الهيمنة الغربية، وهم على استعداد لفعل أي شيء، حتى لو وصل الأمر إلى قيام حرب عالمية ثالثة من أجل منع هذا الانهيار.

لدى دعاة العولمة المتطرفين كثير من الأعداء- الإسلام، والشعبوية (بما في ذلك ترمب، ومن هم على شاكلته)، والمحافظة، إلخ، لكنّ قوتين فقط لديهما القدرة على تحدي تلك الهيمنة الغربية حقًا؛ إنهما روسيا والصين– الأولى عملاق عسكري، والثانية عملاق اقتصادي، وكلتاهما تتكاملان الآن، ولديهما الأهداف المشتركة نفسها في هذه المواجهة.

الصراع الروسي الغربي بشأن الأزمة الأوكرانية

في الصراع الحالي، يكون هذا هو المكان الذي تأتي فيه الجغرافيا السياسية. من المهم أن يدفع بايدن روسيا بعيدًا عن أوروبا التي تسعى جاهدة من أجل بناء سياسة مستقلة خاصة بها. ومن هنا جاءت المشكلة الأوكرانية والتصعيد الأخير في دونباس، والعملية المستمرة التي شهدت تصاعدًا في الفترة الأخيرة لشيطنة روسيا وپوتين واتهامهما بالاستعداد لغزو أوكرانيا.

وعلى الرغم من عدم وجود حقيقة يمكن الاستناد إليها لهذا الغزو المزعوم، فإن واشنطن تتصرف كما لو كان الغزو قد حدث بالفعل؛ ومن هنا جاء التهديد بالعقوبات، وحتى الأعمال العسكرية الوقائية المحتملة في دونباس. الخلافات بشأن الغاز وخط نورد ستريم 2 مجرد أدوات تخدم فقط الوسائل التقنية لحرب الجغرافيا السياسية الحالية. وينطبق الشيء نفسه على الصين، التي أنشأ بايدن لأجلها تحالف أوكوس(AUKUS) المناهض لها مع الدول الأنجلوسكسونية (أستراليا، وبريطانيا)، وتحالفًا آخر آسيويًّا، وهو الحوار الأمني الرباعي (Quad) مع (اليابان، والهند). حجر العثرة الآن هو تايوان (التي تمثل أوكرانيا في حالة روسيا). والهدف هو تعطيل التوسع الاقتصادي لمشروع “حزام واحد طريق واحد” (One Belt One Road). كل هذا الصراع مبني على أدبيات الجغرافيا السياسية الكلاسيكية، وهو تكرار حرفي تقريبًا للمشروعات الأطلسية من المفكر الجيوبولتيكي البريطاني هالفورد ماكندر (1861-1947) إلى مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبغنيو بريجينسكي (1928-2017).

في مقابل حرب الجغرافيا السياسية الغربية، ترد روسيا بشكل متماثل من وجهة نظر الجغرافيا السياسية الأوراسية- معارضة العولمة القسرية، والأحادية القطبية، والليبرالية بقيمها الغربية الجديدة- كذلك تطرح نظرية منظومة القيم الحضارية البديلة، وفي ذلك كله تلقى دعمًا صينيًّا بوجهٍ عام.

من الأسئلة التي طرحتها عليّ «وحدة الدراسات الروسية» في «مركز الدراسات العربية الأوراسية»، “كيف يمكن للعالم العربي التعامل مع هذه الأزمة والاستفادة منها؟”، وفي ذلك الشأن أطرح سؤالًا إجابته عند العالم العربي وحده، وقواه الشابة الجديدة هي القادرة على الإجابة عنه؛ على العالم العربي أن يتخذ قراره: مع من هو؟ وماذا يريد؟ أهو مع انهيار الهيمنة الأمريكية العدوانية التي وصلت إلى حد الجنون، أو مع تلك الكتلة من الدول التي تعارضها سعيًا للحفاظ على سيادة الدولة، والهوية الحضارية، والخصوصية الثقافية؟

مأساة ومهزلة الحرب الباردة الثانية.. تحول روسيا وأوكرانيا والغرب من لغة المصالح إلى لغة القيم

أندري أوكارا

بينما يحاول العالم المتحضر بأسره تخمين هدف روسيا من الغزو المحتل لأوكرانيا، وأيضًا الموعد الدقيق للغزو، ومن أي جهة، وإلى أي مدى، وبأي شكل يمكن توقع مثل هذا الغزو، فإن من يتصدر المشهد في الدولة الروسية توقف توقفًا له مغزى كبير، وترك العالم وحيدًا في سعيه إلى حل هذا اللغز. وعلى هذا الأساس، تجنب الرئيس پوتين- مرة أخرى- في المؤتمر الصحفي الذي تلا لقاءه مع الرئيس الفرنسي ماكرون، إعطاء إجابة قاطعة: “نعم” أم “لا”؟

أسباب الأزمة الأوكرانية بين روسيا والغرب

إن الأسباب الرئيسية للأزمة الدولية الحالية، التي تتطور أمام أعيننا لتشكل حربًا باردة ثانية، مع احتمال تصاعدها في ظل ظروف معينة، لتشعل حربًا إقليمية “ساخنة” تمامًا، وقد تصل إلى حرب عالمية، ليست اقتصادية، أو سياسية؛ لكنها وجودية أيضًا: تلك التصورات الذاتية لمولدات التوتر بشأن الخير والشر، بشأن الحياة والموت، بشأن الوجود والعدم، بشأن العدالة والخداع، بشأن “إذلال” روسيا و”تعظيمها”. وبقدر ما يمكن للمرء أن يقيم الوضع من خلال تصريحات الرئيس الروسي وأقواله وأفعاله، فإنه يعتزم “تصحيح” هذه “الأخطاء” و”المظالم” التاريخية في أقرب وقت ممكن؛ من خلال استعادة نظام الأمن الدولي الثنائي القطب (أو الثلاثي الأقطاب: الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) وترسيخه عبر اتفاقية “يالطا 2″، وإحياء سياسة “الخطوط الحمراء” و”مناطق النفوذ”، وتصفية حلف الناتو أو تجميده، و”إعادة توحيد الشعب الروسي” (الذي يعد الأوكران والبيلاروس جزءًا منه أيضًا)، وتصحيح “أخطاء التاريخ” المسماة “أوكرانيا” و “بيلاروس”، وإقامة مساحة جيوسياسية وجغرافية واقتصادية واحدة على أراضي الاتحاد السوڤيتي السابق (إن أمكن، دولة واحدة)، بالاضافة إلى تدعيم “الجزء الخاص بنا” من الإنسانية على أساس القيم المعادية للغرب، وأفكار الحرية الزائفة، والتشكيك في أوروبا، وانتقاد الديمقراطية، والدعوة إلى الاستبداد المطلق.

أي إننا لا نتحدث فقط عن التغييرات المحلية، مثل محاولة إجبار الغرب على الاعتراف بشبه جزيرة القرم كجزء من روسيا، ولا حتى عن تحول الاتحاد الروسي إلى الإمبراطورية الروسية/ الاتحاد السوڤيتي من الناحية الجغرافية؛ نحن نتحدث عن إعادة هيكلة كاملة للعالم، ونظام الأمن العالمي بكامله بناءً على نماذج ومبادئ وقيم جديدة (أكثر دقة وتحديثا).

يحاول پوتين والدائرة المقربة منه، بشكل لا شعوري، إعادة بناء العالم الذي كان موجودًا في السبعينيات، في الوقت الذي كانوا فيه شبانًا مفعمين بالحيوية والطاقة، حين ساد “الأسلوب الراقي” للحرب الباردة الأولى. ففي المواجهة الحالية بين الغرب وروسيا يكمن صراع اللغة واتجاهات السياسة، صراع أنماط التفكير السياسي: سياسات ما بعد الحداثة في القرن الحادي والعشرين- مع أنماط القوالب غير الواضحة وغير المعبرة والمجهولة الوجه من سياسيين مهمشين يختبئون خلف نظرية كانط عن “السلام الدائم”- ضد سياسيي النصف الثاني من القرن العشرين، وشخصيات سياسية من العيار الثقيل كستالين، وروزفلت، وتشرشل، وغاندي، وتاتشر، وريغان، حتى بريجنيڤ، بصلابة الاستقطاب الأيديولوجي، والفكرة الهيغلية للحرب كعنصر ضروري في تطوير “روح الأمة” وإطلاقها وتجديدها.

ومع ذلك، فإن أي محاولة، في ظروف ما بعد الحداثة، لإعادة خلق شفقة المأساة الكبيرة تتحول دائمًا إلى مهزلة غير مضحكة، ولكن تبين أن تكتيك “بلطجي الشوارع” فعال جدًّا- ضد “الكانطيين الجدد” الأوروبيين والأمريكيين أيضًا. فعند الرد على الإنذارات الروسية، يبدأ قادة الدول الغربية من وقت إلى آخر في التردد، لكن حتى الآن (غالبًا بسبب الضغط المعنوي الأوكراني) يرفضون الحوار مع روسيا بشأن القضايا الأساسية- بشأن “تقسيم العالم” الجديد، بشأن عدم توسع حلف الناتو، بشأن “مناطق النفوذ” و”الخطوط الحمراء”. تحاول باريس وبرلين، وحتى واشنطن، دوريًّا، الضغط على كييڤ من أجل إجبار أوكرانيا على الامتثال للجزء السياسي من اتفاقيات مينسك في تفسير الكرملين وتحويلها إلى جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوڤيتية الثانية التابعة إلى موسكو. لكن حتى الآن، تمكنت أوكرانيا- بشكل فعال- من الخروج من الفخاخ الدبلوماسية والجيوسياسية. إضافة إلى ذلك، فقد عادت قضية القرم مؤخرًا إلى سياق المناقشات الدولية، وهي التي تم حلها حلًا قاطعًا وإغلاقها نهائيًا كما أكد الكرملين طوال هذه السنوات، لكن اتضح أنها لم تُحل، ولم تُغلق: تحولت النقطة، كما في خاتمة أغنية “الربيع في شارع زاريشنايا “، إلى ثلاث نقاط (…).

أسباب انخفاض احتمالية نشوب حرب بين أوكرانيا وروسيا:

(1) التهديد بفرض “عقوبات كارثية” شديدة من الغرب، بما في ذلك رفض التصديق على تشغيل خط الغاز “نورد ستريم 2”.

(2) زيادة الاستعداد القتالي للقوات المسلحة الأوكرانية، بفضل توريد الأسلحة من دول الناتو.

(3) الدعم المعنوي والسياسي المقدم من الغرب، الذي لم يكن متاحًا حتى عام 2014.

(4) الحافز المعنوي للجيش الأوكراني، المستعد للقتال من أجل وطنه، مقابل فقدان نفس هذه المشاعر لدى الروس، الذين لا يرى معظمهم أن عملية عسكرية محتملة ضد أوكرانيا يمكن اعتبارها “حربًا عادلة”؛ فلا يعارض الحرب المثقفون الليبراليون الروس غير الموالين فقط، ولكن كثير من الخبراء العسكريين الموالين للحكومة والجنرالات المتقاعدين: لم تعد هناك أي حرب خاطفة، أو إمكانية “استنساخ” نموذج القرم كما حدث عام 2014، كما يعتقدون.

ومع ذلك، بالإضافة إلى الغزو الشامل الذي يمثل خطورة بالنسبة إلى روسيا، هناك سيناريوهات أخرى أيضًا: “عمليات خاصة على أراضي أوكرانيا، وهجمات صاروخية موجهة على المنشآت العسكرية الأوكرانية، والبنية التحتية الحيوية، وحرب تجارية واسعة النطاق”. ومع ذلك، فإن حقيقة عدم اليقين بشأن موقف الكرملين من الحرب- على خلفية حشد القوات العسكرية على الحدود- يمكن اعتبارها أيضًا شكلاً من أشكال العدوان الهجين: “الوصول إلى الإرهاق النفسي للمجتمع الأوكراني، وهروب رأس المال الأجنبي من البلاد، وخلق أزمة اقتصادية”. غير أنه بدلًا من ظهور مظاهر الذعر في أوكرانيا، لا تزال لديهم عزيمة ثابتة.

يُذكر أن القرار بشأن إمكانية البدء في عملية عسكرية لا يُتخذ بشكل جماعي- كما كانت الحال عندما اتُّخِذَ القرار بشأن الحملة الأفغانية عام 1979، ولكنه يُتَّخذ من رئيس الاتحاد الروسي فقط، بناءً على أفكاره الشخصية عن العدل، والخير والشر، ومكانة روسيا في تاريخ العالم. إن الموقف ذاته، عندما يتوقف السلام في منطقة منفصلة، بل الحياة على الأرض، على شخص واحد فقط، هو أعلى قمة في تطور الحياة السياسية التي لا يمكن تحقيقها إلا في الظروف الحديثة (أطلق عليها الفيلسوف الفرنسي ريني غينون “قيصر العالم”، ويطلق عليها الشاعر والفيلسوف الروسي ڤيليمير خليبنيكوڤ ” رئيس كوكب الأرض”).

ومع ذلك، يتولد انطباع بأنه في حالة فشل برنامج الحد الأقصى (إعادة هيكلة جذرية لنظام الأمن العالمي بكامله وفقًا للشروط الروسية)، سينتقل الكرملين إلى الحد الأدنى من البرنامج (خفض التصعيد في مقابل اعتراف المجتمع الدولي بشبه جزيرة القرم جزءًا من الاتحاد الروسي)، وإذا تم هذا الاعتراف (حتى لو كان بشكل غير رسمي، فحتى وقت قريب جدًا كان افتراضًا محتملًا فقط) فإن الصراع الحالي حين تنتقل الأطراف تدريجيًّا من لغة المصالح إلى لغة القيم والضرورات القاطعة، سيكون مستبعدًا جدًّا.

يشكل النزاع العسكري الواسع النطاق مع أوكرانيا تهديدًا مباشرًا لروسيا نفسها قبل كل شيء؛ فهو قادر على محو النظام السياسي الروسي الحالي، وإعادة تشكيل الدولة بكاملها بطريقة جذرية وغير متوقعة (موضوع منفصل– النموذج الجديد).

أما أوكرانيا، وفي سياق جميع التقلبات الحالية، فيحدث معها تحول مثير للاهتمام: بلد يعاني أزمة اجتماعية واقتصادية، ولديه نظام سياسي غير مستقر، وآفاق غامضة للعضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وفي وجود فساد كبير مع نخبة سياسية طفيلية غير مسؤولة، يتحول أمام أعيننا إلى واحد من قادة العالم الغربي المستعدين لنضال لا هوادة فيه من أجل القيم والمبادئ والمثل العليا. وحتى الآن، لا يبدو هذا الاستعداد مهزلة ما بعد الحداثة وحسب؛ بل هو مأساة كبرى.

حرب اقتصاديات الغاز

ليونيد ساڤين

إن الأزمة الحالية في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، ليس لها بُعد سياسي فحسب؛ بل لها بُعد اقتصادي أيضًا. والمسألة الأكثر حساسية لكلا الجانبين هي قضية إمدادات الطاقة التي تؤدي فيها أوكرانيا دور المحفز في هذا الصدد، كما يتضح من تصريحات عدد من السياسيين الغربيين الذين يتحدثون علانية عن العلاقة بين خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2، والعلاقات الروسية الأوكرانية. في نهاية العام الماضي، أدى عدم اليقين بشأن إمدادات الغاز الروسي لأوروبا إلى قفزة في أسعاره العالمية، مما يدل على التسييس الشديد لهذه القضية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. في الوقت نفسه، استغلت واشنطن الموقف من خلال عرض غازها الطبيعي المسال على المشترين الأوروبيين. ومع ذلك، فإن إمكانات الولايات المتحدة في هذا الشأن محدودة. كإجراء مؤقت لحل الأزمة، ساعد هذا العرض على موازنة النقص في الغاز في منشآت التخزين الأوروبية، ولكن على المدى الطويل، سيكون من الصعب الحفاظ على هذا الخط بثبات تام.

تتمتع واشنطن بخبرة واسعة في الإدارة والتدخل في العمليات السياسية والجيواقتصادية في الفضاء الأوراسي؛ حيث حاولت كسب شركاء من منطقة الشرق الأوسط إلى جانبها. ومع ذلك فمن المعروف أن قطر رفضت تجديد الكميات اللازمة للمستهلكين الأوروبيين، ويرجع ذلك إلى احتياجات السوق، والتزاماتها مع مستهلكين دائمين، والقدرات الفنية للدولة. جميع خطوط الإنتاج والسفن التي تخدم توصيل الغاز الطبيعي المسال في قطر محملة بشكل كافٍ. إذا شعر المشترون الآسيويون بعدم الارتياح تجاه الإمدادات القادمة من الدوحة بسبب تغيير الأولويات في بيع الغاز، فإن هذا لا يهدد فقط بتأثير الدومينو في الاقتصاد الإقليمي، ولكن أيضًا بعواقب جيوسياسية خطيرة؛ لأنه من الواضح للجميع أن الولايات المتحدة في هذه الحالة هي المحرض الرئيسي.

كذلك من المشكوك فيه أيضًا أن يزيد منتجو الغاز الطبيعي الآخرون، مثل النرويج، وأذربيجان، والجزائر، الإنتاج، ويعيدوا توجيه المبيعات إلى الأسواق الأوروبية. إذا كانت النرويج لا تزال قادرة- إلى حدٍ ما- على مساعدة جيرانها، مثل هولندا، حيث يوشك حقل غاز خرونينجن على الإغلاق، فمن المرجح أن تتخذ الجزائر وباكو موقفًا مؤيدًا لروسيا؛ نظرًا إلى تعاونهما الطويل الأمد مع موسكو. بطبيعة الحال، لن تتماشى إيران وتركمانستان، وهما منتجان رئيسيان للغاز الطبيعي مع المصالح الأمريكية. تركمانستان لديها عقود مع روسيا لإعادة بيع الغاز الطبيعي، وتبيع الجزء الآخر للمستهلكين الآسيويين، وللصين في المقام الأول. تخضع إيران لعقوبات، لكن حتى لو رُفِعَت فلا توجد لديها قدرة تقنية لبيع كميات كبيرة من الغاز إلى أوروبا.

بعبارة أخرى، إذا كان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مهتمين بفرض حظر على إمدادات الغاز الروسي، فإن هذا يتطلب خطة إستراتيجية واستثمارات بمليارات الدولارات، إذا تم البدء فيها بشكل جاد من الآن فستكون بحاجة إلى خمس سنوات لتنفيذها على الأقل (في مجموعة مثالية من الظروف، التي من المستحيل في الحياة الواقعية، لا سيما في ظل الاضطرابات الجيوسياسية الحالية، توافرها)، خاصةً أن خط أنابيب الغاز نورد ستريم 2، تم الانتهاء منه بالفعل. بالإضافة إلى ذلك، إذا تم ممارسة مزيد من الضغط على موسكو، فقد تنسحب روسيا من اتفاق (أوبك +) في إطار العقوبات المضادة، وهو ما سيؤثر في سعر النفط العالمي. على أي حال، في المستقبل القريب، كل ما يمكن للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي القيام به هو تقليل مبيعات الغاز الروسي (وستظل شركة غازبروم تحقق ربحًا)، ولن يستطيع الأوروبيون التخلي تمامًا عنها. وكجزء من التحول نحو الشرق والاحتياجات المتزايدة للدول الآسيوية (الصين، والهند، وباكستان، وكوريا الجنوبية)، ستعيد موسكو تدريجيًّا توجيه جزء من صادراتها إلى هذا الاتجاه. باختصار، موسكو درست الوضع جيدًا، ولديها خيارات كثيرة في هذا الشأن.

وصول أوكرانيا إلى نهايتها المنطقية

ڤاليري كوروڤين

خلال الثلاثين عامًا الماضية، منذ انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوڤيتي، بنى الروس كشعب، وروسيا نفسها كدولة، مجموعة من الركائز التي أقيمت عليها الدولة الأوكرانية المصطنعة في بداية القرن العشرين، والتي بدأ في الحقبة السوڤيتية، ومنذ انفصالها، تدميرها بشكل منهجي.

الركيزة الأولى الأساسية للدولة الأوكرانية هي الانتماء إلى فضاء ثقافي وحضاري مشترك مع روسيا، تم العمل على تقليصه تقليصًا متسارعًا منذ انفصالها، واستبدال قوانين ثقافية غربية به، وإعادة توجيه سياساتها نحو الغرب، وهذا يغير تمامًا الأساس الموضوعي الذي قامت عليه هذه الدولة، ويقضي تمامًا على أسسها الحضارية.

الركيزة الثانية هي الغالبية من المتحدثين بالروسية، الذين كانوا رافعين للدولة، والمحافظين على هويتها وانتمائها، وهو ما لا يمكن للمجموعات العرقية الأخرى في أوكرانيا القيام به؛ لأنهم، ولأسباب طبيعية، ليسوا من حملة وعي الدولة.

الركيزة الثالثة هي النموذج الاجتماعي للدولة، الذي تم تفكيكه بالكامل تقريبًا، على مدى العقود الثلاثة الماضية.

أوكرانيا المتعددة الأعراق والثقافات والقوميات، شكلت الروسية عامل الوحدة الداخلية لها، ولغة التخاطب والتواصل بين مختلف الشعوب والجماعات العرقية الأخرى، وقد جرت محاولة وما  زالت لتصفية هذا العامل، وهو ما يعني عدم قدرة الدولة الأوكرانية على تشكيل الثقافة فقط؛ ولكن العلم والتعليم والنموذج القانوني أيضًا.

في نهاية المطاف، بعد أحدات «الميدان» عام 2014، تأثر نظام الإدارة العامة- إلى حد كبير- بسبب استبعاد الموظفين الروس والموالين لروسيا من هيكل الدولة؛ مما أدى إلى انخفاض المستوى الفكري العام للحكومة الأوكرانية، وغياب الكفاءات ذات الخبرة، وجعل الفساد هو الدافع الوحيد إلى تولي المناصب العامة. كما أدت هيمنة النخبة المنتمية إلى المناطق الغربية في إدارة هياكل الدولة، وهم من المزارعين المحدودي الثقافة، إلى إنهاء ما كان يومًا ما نظام إدارة للدولة في هذه الجمهورية السوڤيتية السابقة. أما بقايا مؤسسات الدولة، فقد أصبحت تحت السيطرة الخارجية؛ مما يعني تحول أوكرانيا إلى مجرد أداة تُستخدم لخدمة السياسة الأمريكية المعادية لروسيا في أوروبا الشرقية. لقد حولت كل هذه العوامل أوكرانيا إلى كيان غير قادر على التفاوض مثل الولايات المتحدة نفسها.

أمريكا، التي باتت تهيمن على القرار السياسي لكييڤ، دفعت أوكرانيا نحو العسكرة بهدف تحويلها إلى أداة للعدوان العسكري على روسيا لصالح واشنطن. الهدف النهائي هو محاولة إضعاف روسيا عسكريًّا، وخلق منطقة عدم استقرار بين روسيا وأوروبا، التي في هذه الحالة لن تكون قادرة على تطوير علاقات كاملة مع روسيا، وستظل تحت سيطرة الولايات المتحدة.

كل هذا معًا يجعل أي نوع من التفاعل مع السلطة الحاكمة في أوكرانيا أمرًا مستحيلًا. تتشكل معالم هذه الدولة بطريقة تجعل الطريقة الوحيدة للتفاعل معها هي الحرب. وهو سيناريو سعت روسيا إلى تجنبه ثماني سنوات بحثًا عن طرق أخرى للحوار، لكن في كل مرة كان التدخل الأمريكي يقضي على هذه المبادرات، تاركين خيارًا واحدًا لروسيا للتفاعل مع أوكرانيا؛ وهو الحرب. في الواقع، لقد جعلوا الحرب حتمية، وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحرب أصبحت الوسيلة الأخيرة، وربما الوحيدة، لروسيا؛ وذلك لأن أوكرانيا بكاملها أصبحت تمثل تناقضًا مستمرًا لكل ما هو روسي، ولروسيا؛ لذلك فإن الطريقة الوحيدة لإزالة هذه التناقضات هو قيام مؤسسي هذه الدولة الأوكرانية، وأعني هنا روسيا، بإلغائها من الوجود.

الحشد الروسي الحالي هو محاولة أخيرة للتأثير بغرض إجبار أوكرانيا على السلام، وحماية الأغلبية الروسية من الأقليات الأوكرانية المتطرفة، ولكن إذا فشلت كما تريد واشنطن الراغبة في بدء الحرب، فلسوف تحصل عليها، حتى لو كانت النتيجة تصفية كيان الدولة الأوكرانية من الوجود، وخسارة كل المجهودات الأمريكية التي بذلتها لتجعل من هذه الدولة مخلب قط ضد روسيا.

كيف يخلق الصراع بين روسيا والغرب صعوبات لإسرائيل

أرتيوم كيربيتشينوك

المشكلة الأكثر أهمية لإسرائيل من جراء الصراع الحالي بين روسيا والغرب، ما سينتج عنه من تراجع آخر للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط. الآن، يتركز كل اهتمام واشنطن على أوروبا الشرقية؛ حيث في هذه المنطقة تُنقَل الوحدات الأمريكية من جميع أنحاء العالم، وبطبيعة الحال فإن هذا الوضع يتيح مجالًا أوسع لكل من إيران والصين- من منطقة الخليج إلى لبنان واليمن وصولاً إلى القرن الإفريقي. وقد أعرب وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد عن قلقه من “أنه بسبب الأزمة في أوكرانيا، فقد نسي الجميع المحادثات في فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني”.

صعوبة أخرى تنتظر إسرائيل، ولكن هذه المرة في علاقاتها مع روسيا؛ حيث أشار مقال نشره معهد القدس للإستراتيجية والأمن الإسرائيلي (JISS) إلى أنه في العقود الأخيرة، وصلت الاتصالات بين موسكو وتل أبيب إلى مستوى عالٍ غير مسبوق. حجم التبادل التجاري بين البلدين يصل إلى ثلاثة مليارات دولار، وروسيا تغمض عينيها عن الهجمات الإسرائيلية على الميليشيات والمنشآت الإيرانية في سوريا، وهناك روابط ثقافية وثيقة بين البلدين. حتى وقت قريب، كانت واشنطن متسامحة مع العلاقة الخاصة بين إسرائيل وروسيا، لكن إذا استمر التصعيد بين الكرملين والبيت الأبيض، فقد تطالب الإدارة الأمريكية إسرائيل بالانضمام إلى العقوبات المناهضة لروسيا. وفقًا لخبراء إسرائيليين، في هذه الحالة يمكن لتل أبيب أن تقدم نفسها وسيطًا بين أوكرانيا وروسيا، وكذلك بين روسيا والولايات المتحدة، وكسب تفضيلات سياسية إضافية من كلا الجانبين.

هناك أيضًا مشكلة مرتبطة بالشتات اليهودي. كما كتب كاتب العمود إلياكيم هايتزنى (Elyakim Haetzni) في يديعوت أحرونوت: “حان الوقت لمناشدة صانعي القرار لمقاومة الإغراء، والبقاء محايدين تمامًا بأي ثمن؛ نظرًا إلى وجود مئات الآلاف من اليهود في كل من روسيا وأوكرانيا، وكل مجتمع يقف إلى جانب بلده”. في الوقت نفسه، يعيش مئات الآلاف من المواطنين السابقين لهذه الدول في إسرائيل نفسها. خلال الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، قام المهاجرون الإسرائيليون من باكو والأرمن بقتال شوارع في القدس. قد تؤدي الحرب بين البلدين إلى زيادة التوتر بين الإسرائيليين الذين يظلون موالين لوطنهم القديم. عادة ما تتخذ الصحافة الإسرائيلية مواقف معادية لروسيا، ولكنها- كقاعدة عامة- تقتصر على إعادة طبع منشورات وسائل الإعلام الغربية.

ستبقى إسرائيل بعيدة عن الصراع قدر الإمكان. ظهرت معلومات في وسائل الإعلام أن تل أبيب منعت دول البلطيق من نقل أسلحتها الإسرائيلية إلى أوكرانيا، وقد سبب هذا الموقف سخطًا في كييڤ، وانتقد السفير الأوكراني في إسرائيل، يفغيني كورنشوك، تصريحات وزارة الخارجية الإسرائيلية بأنه “قد لا تكون هناك حرب في شرق أوكرانيا”. وبحسب الدبلوماسي الأوكراني، فإن إسرائيل تتبع “الدعاية الروسية”؛ ومن ثم فإن الحياد الإسرائيلي مفيد لموسكو أكثر من كييڤ. من المؤكد أن هذا الموقف الإسرائيلي يزعج القوميين الأوكرانيين، الذين- وفقًا لعالم الاجتماع ڤولوديمير إيشتشنكو- يريدون رؤية بلادهم كنوع من “إسرائيل في أوروبا الشرقية” التي “تحمي الحضارة الغربية من البرابرة الذين يجلسون في لوغانسك ودونيتسك.

 

ما ورد في التقرير يعبر عن آراء الباحثين ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير 

 

تحرير: عمرو عبد الحميد – مدير مركز الدراسات العربية الأوراسية.

مراجعة: وحدة الدراسات الروسية.

ترجمة: د. أحمد عتيق – د. أحمد قاسم.