المجال ما بعد السوڤيتي

روسيا ومحيطها السوڤيتي السابق: التحديات والآفاق

سيكون أكبر نجاح لموسكو في محيطها السوڤيتي السابق، هو تحويل المنطقة إلى مورد استراتيجي حقيقي، وسيكون أكبر فشل لها هو تحولها إلى عبء استراتيجي. يستخدم مصطلح «المجال ما بعد السوڤيتي» للإشارة إلى دول الاتحاد السوڤيتي السابق، التي تسمى أيضًا بلدان «المحيط القريب» وهو مفهوم روسي حصري، وإرث ورثته موسكو بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي. سواء أرادت روسيا ذلك أم لا، لا يمكنها إلا أن تقبل تراثها الإمبراطوري.

من المعروف على نطاقٍ واسع أن لروسيا تأثيرًا مهمًّا بشكلٍ خاص على «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» ولكن عادةً ما يتم إيلاء القليل من الاهتمام لدور هذه المنطقة عند دراسة السياسة الخارجية الروسية. في الواقع، إن تأثير الجوار السوڤيتي السابق على الدبلوماسية الروسية كبير للغاية. هذه المنطقة إلى حدٍّ ما، تُحدد هيكل الدبلوماسية الروسية وكذلك أهدافها، وتؤثر على الفكر الدبلوماسي، وهي نقطة مواجهة بين روسيا والولايات المتحدة والغرب.

إن «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» ليست فقط موردًا إستراتيجيًّا لموسكو، ولكنها تمثل أيضًا عبئًا في ظل الظروف غير المواتية. يمكن أن تكون نقطة انطلاق استراتيجية للسياسة الخارجية الروسية أو بمثابة رادع استراتيجي لها.

دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي في تكوين الدبلوماسية الروسية

تمثل «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» عاملًا رئيسيًّا في تشكيل هيكل الدبلوماسية الروسية وتسلسلها الهرمي؛ حيث يحتل هذا المحيط القريب منها المرتبة الأولى في سلم أولوياتها؛ وهذا يعكس الدور التكويني لهذه الدول في الدبلوماسية الروسية. في السنوات الأخيرة، ظلت «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» مركز الاهتمام ومجال الأولوية للدبلوماسية الروسية، وهو ما ينعكس في المراجعة السنوية لأنشطة وزارة الخارجية الروسية. في الواقع، لا يسع أي دولة سوى إيلاء الكثير من الاهتمام لحدودها والدول المجاورة لها، والعديد من الدول لديها مفاهيمها الخاصة للتفاعل مع الدول المجاورة، لكن علاقات روسيا مع جوارها له خصوصية واضحة؛ حيث تعتبرها موسكو المنطقة الخاصة بها. على الرغم من أن المسؤولين الروس يقولون في كثير من الأحيان إن موسكو لا تريد إنشاء مناطق نفوذ، فإن أي ظهور لقوى عظمى أخرى في هذه المنطقة يثير رد فعل حساسًا للغاية ومعقدًا من قبل روسيا.

كما أن هذه الدول مهمة للكرملين، ليس فقط من وجهة نظر المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية، ولكن أيضًا من النواحي التاريخية والثقافية والإنسانية. تنتهج موسكو أيضًا سياسة في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» تختلف عن نهجها في العلاقات مع الدول المجاورة بشكلٍ عام.

تواجه الدبلوماسية الروسية أيضًا مهمة طويلة الأمد تتمثل في استعادة العلاقات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية الخاصة والحفاظ عليها مع هذه المنطقة. منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، كان هذا هو الهدف الدائم والثابت لموسكو؛ حيث حدد شكل علاقاتها في كلٍّ من العلاقات الثنائية مع الدول الأخرى والسياسة الإقليمية بشكلٍ عام. كما دارت أشكال مختلفة من العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف حول هذه الأهداف. حيث عززت روسيا بلا كلل التكامل الإقليمي في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» بما في ذلك إنشاء كومنولث الدول المستقلة، والمجموعة الاقتصادية الأوراسية، والاتحاد الجمركي الأوراسي، ولاحقًا الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، والاتفاقية الاتحادية مع بيلاروس، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي. على الرغم من أن هذا المسار كان شاقًّا ومتعرجًا، إلا أن موسكو لم تستسلم مطلقًا. بمعنى ما، كان هذا السعي أيضًا نتيجة لتصور روسيا عن «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» كمنطقة خاصة.

لقد حدث عدد كبير من التطورات الحادة والمعقدة لروسيا في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي». يمكننا القول إنه منذ التسعينات، ظهرت معظم التحديات الخطيرة التي واجهتها من هذه المنطقة. وهي تشمل كلًّا من المشاكل الناشئة عن علاقات روسيا مع الدول السوڤيتية السابقة، والمشاكل الناشئة عن العلاقة بين هذه الدول، فضلًا عن المشاكل الداخلية لكل دولة على حدة: (ترانسنيستريا، والعلاقات بين دول البلطيق وروسيا، والصراع في ناغورنو قره باغ/أرتساخ، والمواجهة بين روسيا وجورجيا في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، ومشكلة شبه جزيرة القرم، والأزمة في شرق أوكرانيا) وغيرها من المشاكل المماثلة طويلة الأمد والمستعصية. بالإضافة إلى ذلك، من وقتٍ لآخر، تحدث حالات الطوارئ، مثل عدم الاستقرار الدائم للنظام السياسي في قيرغيزستان والصراع العرقي الخطير الذي دار على أراضيها في عام 2010، والصراع العسكري في أوسيتيا الجنوبية مع جورجيا في عام 2008 والثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا. كما مثلت الاحتجاجات في بيلاروس في عام 2020، وما إلى ذلك مصدرًا ضخمًا ومعقدًا من المشاكل والأزمات والتي تستهلك قدرًا هائلًا من الموارد والطاقة التي تنفقها الدبلوماسية الروسية، وإلى حدٍّ ما تُقيد يديها.

في حقبة ما بعد الحرب الباردة، ظهرت العديد من بؤر الصراع والتناقضات الجديدة بين روسيا والغرب في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي». بعد انضمام دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق إلى الناتو، بدأ توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا وبرامج التكامل للاتحاد الأوروبي بالتأثير على حدود روسيا ومصالحها. إذا كانت روسيا قد تحملت بصعوبة توسع الناتو في أوروبا الشرقية وبحر البلطيق، فإنها تعتبر توغل الناتو الإضافي في «محيطها القريب» أمرًا غير مقبول تمامًا. تسبب نشر القواعد العسكرية الأمريكية في قيرغيزستان وأوزبكستان في احتكاك متقطع بين روسيا والولايات المتحدة لمدة 13 عامًا في السنوات القليلة الماضية، استمرت الصراعات بين روسيا والغرب في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي». كان أكثرها خطورة الحرب الروسية الجورجية عام 2008، والأزمة الأوكرانية التي اندلعت في عام 2014، والقضية اللاحقة لشبه جزيرة القرم والنزاع المسلح في شرق أوكرانيا. في سياق هذه الأحداث، شهدت روسيا والغرب اشتدادًا للنزاعات، مما أدى إلى أجواء شبيهة بالحرب الباردة. حيث فرض الغرب عقوبات واسعة النطاق على روسيا ودخلت علاقتهما في أزمة عميقة.

لا تزال تحديات المستقبل خطيرة

حققت روسيا إنجازات مهمة في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي». كما تم الحفاظ على علاقات موسكو مع معظم دول المنطقة وتطويرها. على سبيل المثال، فإن سلطة روسيا ونفوذها في آسيا الوسطى آخذان في الازدياد، ينعكس هذا بشكلٍ خاص في تحسين العلاقات مع أوزبكستان. لا تزال (منظمة معاهدة الأمن الجماعي – CSTO) تمثل عامل استقرار، ويواصل (الاتحاد الاقتصادي الأوراسي – EAEU) تطوره؛ حيث يتجه نحو تنفيذ الهدف المحدد لعام 2025، لإنشاء سوق مشتركة للسلع والخدمات ورأس المال والعمالة. كما توسطت روسيا بنجاح في نزاع ناغورنو قره باغ/أرتساخ، بين أذربيجان وأرمينيا، وساعدت بيلاروس، على استقرار نظامها. مع ذلك، فإن التحديات المستقبلية لروسيا في جوارها القريب لا تزال هائلة ويمكن أن تصبح خطيرة بشكلٍ متزايد.

لا يمكن حل مشكلة النقاط الساخنة في «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» على المدى القصير. ينطبق هذا بشكلٍ خاص على مشكلة ناغورنو قره باغ أرتساخ، وقضايا مثل أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، والصراعات الدبلوماسية حول شبه جزيرة القرم، والصراع في شرق أوكرانيا. ستصبح قضايا الصراع في محيطها القريب، والانقسام والمواجهة التي تسببها، مصادر لاضطراب إقليمي كبير.

إضافة إلى ذلك، تعاني بعض الدول المجاورة من مشاكل داخلية خطيرة، وعدم استقرار سياسي، وتخلف اقتصادي، ومشكلات اجتماعية حادة يمكن أن تؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. من المرجح أن يزداد تواجد الناتو في الدول السوڤيتية السابقة، بشكل أساسي في منطقة بحر البلطيق ومنطقة البحر الأسود والقوقاز. مما سيحول المنطقة إلى ساحة معركة لحرب باردة جديدة بين روسيا والغرب، وهو ما سيؤدي لازدياد الوضع الأمني لموسكو سوءًا وشعورها بانعدام الأمن، الأمر الذي قد يؤدي إلى تناقضات وصراعات جديدة.

إذا اعتبرنا روسيا كنقطة انطلاق للعمليات في هذه المنطقة، فإن الاتجاهات في الدول السوڤيتية السابقة، تجعل نمو قوى الطرد المركزي متفوقة على نمو قوى الجاذبية المركزية. يعني هذا أن التوجه نحو موسكو كمركز سيشهد تراجعًا نسبيًّا، في حين أن جاذبية مراكز القوة الخارجية، ولا سيما أوروبا والولايات المتحدة ستشهد تزايدًا نسبيًّا.

اختارت جورجيا وأوكرانيا الغرب بالفعل في التنافس بين روسيا والغرب. في البلدان المجاورة الأخرى، أصبح النفوذ الأوروبي والأمريكي أكثر وضوحًا في دبلوماسيتهما المتعددة الأوجه. تحولت مولدوڤا إلى الغرب وتنجذب أذربيجان بشكلٍ متزايد إلى تركيا. أرمينيا هي الحليف التقليدي لروسيا، لكن الحكومة الأرمينية الحالية أظهرت أيضًا علامات على التحول نحو أوروبا. في غضون ذلك، كلما تأخرت عمليات الاندماج مع الدول السوڤيتية السابقة، كان الوضع من حول موسكو أكثر تعقيدًا. منذ توقيع المعاهدة الاتحادية في عام 1997، لم تحقق دولة الاتحاد الروسي-البيلاروسي، هدفها الأصلي المتمثل في إنشاء اتحاد متكامل. مع نمو قوى المعارضة في بيلاروس، أصبحت احتمالات التحالف أكثر قتامة. في المحيط الخارجي لروسيا، وبصرف النظر عن آسيا الوسطى، يتمتع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي بفرص ضئيلة لمزيد من التوسع، كما أن تطوير تكامل أعمق وشامل على غرار الاتحاد الأوروبي ليس على جدول أعماله. في هذا الصدد، هناك فجوة محتملة بين مقاربات روسيا والدول السوڤيتية السابقة. إن شركاء موسكو الإقليميين أكثر حذرًا بشأن سيادتهم واستقلالهم، ولديهم تحفظ حول الاندماج السياسي. عندما يصل تكامل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي إلى هذه النقطة، ستصبح الفجوة في فهم التكامل بين روسيا وأقرب شركائها الأجانب واضحة.

الخيارات الممكنة لروسيا

سيكون أكبر نجاح لموسكو في محيطها الخارجي القريب، هو تحويل المنطقة إلى مورد استراتيجي حقيقي، وسيكون أكبر فشل لها هو تحولها إلى عبء استراتيجي. بالنظر إلى الوضع داخل المنطقة وخارجها، من الواضح أن القيادة الروسية ستجد صعوبة بالغة في التعامل مع هذه المهمة وتحقيق هدفها الأقصى. في الدول السوڤيتية السابقة، يتضح أن الكرملين يجد صعوبة بالغة في تسجيل النقاط مقابل سهولة في خسارتها؛ نظرًا لأن روسيا كان لها تقليديًّا التأثير الأكبر في هذه المنطقة، فإنها تنتهج سياسة «متشددة» تجاه مجالها القريب، وبالتالي، فإن أي نجاح للدبلوماسية الروسية يكمن فقط في استعادة النفوذ الأصلي أو الحفاظ عليه، وأي فشل يعني فقدان هذا التأثير الأصلي. من المهم بالنسبة لروسيا أن تتجنب تحويل دول الجوار السوڤيتي السابق إلى عامل تقييد استراتيجي يحد من الأنشطة الدبلوماسية لموسكو في الساحة الدولية، بجانب منع الغرب من استخدام دول المنطقة كوسيلة منخفضة التكلفة لزيادة الضغط على روسيا.

من أجل تحقيق نجاح كبير في الجوار السوڤيتي السابق، تحتاج روسيا إلى الانخراط ليس فقط في السياسة الخارجية ولكن أيضًا في تنميتها. تاريخيًّا، كان نفوذ روسيا في المنطقة لا يرجع فقط إلى قوتها العسكرية ولكن أيضًا إلى مستوى تطورها المرتفع نسبيًّا، فضلًا عن جاذبية ثقافتها وأسلوب حياتها في نهاية المطاف يجب أن يكون هذا بمثابة الأساس لروسيا للحفاظ على نفوذها وتطويره في بلدان الجوار. تتشابه بلدان الاتحاد السوڤيتي السابق إلى حدٍّ كبير مع روسيا في نظامها وهيكلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. كان لتحولات الدولة وتطور روسيا تأثير واضح على بلدان المنطقة. بعد انهيار الاتحاد السوڤيتي، استعارت العديد من الجمهوريات بوعي أو بغير وعي من روسيا صورة وهيكل إدارة الدولة. السؤال هو ما إذا كانت روسيا قادرة على استعادة هذا النفوذ والحفاظ عليه في المستقبل. يكمن المفتاح فيما إذا كانت موسكو كمركز قادرة على تطوير مجتمعات تلك المنطقة في اتجاه تقدمي، لضمان حيوية الاقتصاد، وهو ما سيجعلها جاذبة لجيرانها تلقائيًّا مع ما تتمتع به من تأثير ثقافي وطريقة حياة جذابة.

العلاقات الاقتصادية مهمة للغاية، لكنها لا تمثل ضمانة مطلقة للشراكة الاستراتيجية. تجلى ذلك بشكل كامل في أمثلة جورجيا وأوكرانيا. في حين أن روسيا هي أكبر شريك تجاري لهما، فإن ذلك لم يمنعهما من التحول إلى الغرب والدخول في صراع مع موسكو. حتى إنهما قررتا دفع ثمن اقتصادي مقابل ذلك.

من ناحية أخرى، حتى لو قطعت بعض دول الجوار والأجنبية علاقاتها السياسية مع الكرملين، ستظل روسيا أكبر أو أهم شريك تجاري رئيسي لها، كما حدث على سبيل المثال، مع أوكرانيا. على الرغم من أن العلاقات السياسية والعلاقات الاقتصادية متشابكة بشكل وثيق، إلا أنهما ليستا متزامنتين دائمًا، والعلاقات السياسية غالبًا ما تكون أكثر أهمية. هذا يعني أنه فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، لا يمكن افتراض أن العلاقات الاقتصادية ستقرب تلقائيًّا الدول المجاورة من روسيا. لذلك، فقط الروابط الاقتصادية ووجود شراكات واستثمارات وتنسيق آلية عملها مع السياسية يمكن أن توفر ضمانًا موثوقًا به.

العلاقات بين سكان روسيا والجمهوريات السوڤيتية السابقة هي أيضًا عامل مهم لا غنى عنه. هذا هو أساس تشكيل الرأي العام لتنمية علاقات حسن الجوار. يُظهر عدد كبير من الأمثلة أنه عندما تنشأ صراعات بين روسيا والغرب في البلدان السوڤيتية السابقة، فإن تعاطف ودعم السكان المحليين عادةً ما يرجح كفة أحد الطرفين في النهاية. لذلك الرأي العام هو أساس مهم للغاية. خاصةً في عصر الإنترنت، يمكن للرأي العام أن ينتشر بسرعة وينمو بأشكال مختلفة، وتأثيره على السياسة الخارجية والعلاقات مع الدولة غير مسبوق. وبالتالي، تظل قدرة أي دولة في الحفاظ على صداقة الشعوب والإحسان عاملًا مهمًّا فيما إذا كانت روسيا قادرة على الحفاظ على نفوذها في المستقبل.

تجدر الإشارة إلى أن التنمية المتنوعة للمحيط القريب لروسيا، تمثل اتجاهًا طبيعيًّا يتطلب فهمًا موضوعيًّا. لدى هذه البلدان احتياجات معقولة وعقلانية للتنمية المتنوعة، حيث ساهمت الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية والجغرافية أيضًا في تنميتها في اتجاهات مختلفة، بما في ذلك أوروبا وآسيا الوسطى وآسيا والمحيط الهادئ والهندي. العالم ومناطقه تتغير. في «بلدان ما بعد الاتحاد السوڤيتي» ينمو جيل جديد من النخب الشابة الذين لديهم وعي ضعيف بالتكامل «ما بعد السوڤيتي». كما يزداد لديهم الوعي القومي والمستقل. كما تتعزز هويتهم الذاتية الثقافية والحضارية بحيث تزداد حتمًا درجة انفتاح البلدان السوڤيتية السابقة على الخارج، ومن المستحيل بالفعل استعادة توجيههم إلى مركز واحد فقط.

تتمثل الخطة المثالية لروسيا في تشكيل مجتمع إنمائي شامل من مجالها السوڤيتي السابق والدول المجاورة الأخرى. تعكس الشراكة الأوراسية الكبرى التي اقترحتها روسيا هذه الفكرة. في هذا الصدد، العلاقات الروسية الأوروبية لها أهمية خاصة. أوروبا هي أيضًا جار مهم وشريك وثيق للعديد من «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» كما أن لها جاذبية اقتصادية وسياسية طبيعية ومزايا جغرافية للدول السوڤيتية السابقة.

سيكون من الأفضل لموسكو أن يتم دمج أوروبا في الشراكة الأوراسية الكبرى أو في تعاون آخر مماثل عبر أوراسيا. سيشكل هذا إطارًا واسع النطاق يغطي أوروبا وروسيا ودول آسيا، بما في ذلك بالطبع «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي». بالتالي ومن خلال هذا التعاون، يمكن أن تحل إلى حدٍّ ما، روسيا مشاكلها مع محيطها السوڤيتي السابق. لكن، ولسوء الحظ، فإن الوضع الحالي للعلاقات الروسية-الأوروبية لا يوفر سوى القليل من الأمل لمثل هذا الخيار لتنمية المنطقة.

بالنسبة لروسيا ودورها في المنطقة، فمن الواضح أن موسكو والدول المجاورة لها بحاجة إلى بعضها البعض، مع ذلك، فإن روسيا قوة عظمى ذات اقتصاد وفرص كبيرة، والدول المجاورة لها اهتمام أكبر بها. لأسباب تاريخية وظروف موضوعية، لا غنى عن روسيا لدول الجوار في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية والأمنية. لا تستطيع «دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي» إلا أن تتعامل مع روسيا، ولا يسعها إلا أن تولي اهتمامًا خاصًّا لروسيا لأنها ببساطة لا تستطيع تجاهل وجودها.[1]

ترجمة: وحدة الرصد والترجمة في مركز الدراسات العربية الأوراسية

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير 

[1] Zhao Huasheng – Valdai Discussion Club – Russia and Its Near Abroad: Challenges and Prospects – 09.03.2021, https://valdaiclub.com/a/highlights/russia-and-its-near-abroad-challenges-and-prospect/