المتوقع من قمة پوتين-بايدن؟

قمة پوتين-بايدن في چنيف

بعد سلسلة من التصريحات الحادة، والتحركات العسكرية على حدود أوكرانيا، والاتهامات المتبادلة وصولًا لتأكيد بايدن أن ڤلاديمير پوتين «قاتل»؛ وهو ما كرره مجددًا للتأكيد على أن تصريحه لم يكُن كما وصفه البعض «زلة لسان»، قائلًا: «كنت أتحدث بكل صدق عندما وصفت پوتين بالقاتل». يجتمع كلا الرئيسين في العاصمة السويسرية چنيف، لعقد ما تسمى «قمة پوتين-بايدن» للتباحث حول الخلافات المشتركة فيما بينهما وكيفية إيجاد آلية لحلها إن أمكن ذلك، وعناصر الاتفاق لتعزيزها.

بعيدًا عن التفاؤل المبني حصرًا على افتراض أن اجتماع زعيمي بلدين كبيرين يعتبر مؤشرًا على انفراجة في العلاقات بين الطرفين، تظل المشكلات والخلافات بينهما أكبر من أن تحدث فيها تغييرات جوهرية نتيجة عقد لقاء قمة؛ وهو ما يطرح السؤال حول الهدف منها، ودوافع وحسابات كل طرف وما يراه مكسبًا من عقدها في ظل إدراكهم بعدم خروجها بشيء كبير يذكر.

الدوافع الأمريكية

قد يكون من المفيد والمهم أيضًا عند تقييم تحركات السياسة الخارجية الأمريكية، عدم عزلها كما كان يحدث في الماضي عن السياسة الداخلية وبالتحديد في ظل الأزمة الحالية العميقة التي تضرب المجتمع السياسي الأمريكي، وكان ترامب، أحد إفرازاتها، وإن عمل على تعزيزها بينما لم يصنعها كما يحلو للبعض تبسيط الأمور.

لقد أصبحت روسيا كدولة، وشخص ڤلاديمير پوتين، جزءًا لا يتجزأ من الجدل السياسي الداخلي بين فريق يسمى «الواقعيين» الذين ينتقدون سياساته ولكنهم في الوقت نفسه يحذرون من خطورة التصعيد الخطابي تجاه روسيا، وما قد ينتج عنه من احتكاكات ربما تخرج عن نطاق السيطرة وتؤدي لصدام عسكري مباشر بين البلدين النوويين الكبيرين، والفريق المسمى «التقدميين» ومعهم الكثير من الليبراليين بل بعض المحافظين، المعتقدين بأن پوتين يسترشد بما كتبه عام 1864، الشاعر والدبلوماسي الروسي فيودور تيوتشيڤ: «إن السياسة الطبيعية الوحيدة لروسيا تجاه الغرب يجب أن تتمثل في السعي ليس إلى التحالف مع القوى الغربية، بل العمل على تفريقها وانقسامها». وعليه ينبغي محاسبته على هذه التدخلات والرد عليها بقوة، وفريق حزبي في الغالب من بعض «الجمهوريين» المؤمنين بأن الصين- وليست روسيا- المنافس الأخطر الذي ينبغي أن تتوجه جميع الطاقات الأمريكية لكبح تقدمها، وأن روسيا ربما تكون حليفًا لأمريكا في هذه المواجهة مقابل بعض المكاسب الإقليمية فيما تسميه روسيا «المجال ما بعد السوڤيتي»؛ أي بلدان الاتحاد السوڤيتي السابقة المرتبطة بأمنها القومي والاقتصادي، ومن الجدير بالذكر أن السياسي الأمريكي الشهير هنري كيسنجر، من المؤيدين لهذا التوجه.

سعى بايدن، فيما يبدو، لإرضاء هذه الأطراف كافة قد الإمكان– وصف پوتين بـ«القاتل» وانتقد بشدة ملفي حقوق الإنسان والحريات في روسيا وسجن المدون المعارض أليكسي ناڤالني، ودعم الحكومة الأوكرانية؛ وإن اقتصر هذا الدعم على التصريحات لا أكثر، ووقَّع أمرًا تنفيذيًّا بفرض عقوبات جديدة على بعض المقربين من پوتين، وبهذه السياسية التي تبدو «متشددة» أرضى التيار المناهض لروسيا، والداعي للتصدي لها بقوة، وأبرز نفسه في صورة الزعيم القوي الذي يحافظ على «القيم الأمريكية الليبرالية»، والتأكيد على شعاره الذي رفعه بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية «أمريكا عادت»، وحشد الحلفاء الأوروبيين خلف واشنطن في مواجهتها مع الصين التي لا تبدو أنها متحمِّسة لها عبر إثارة التوترات مع روسيا، وحاجتهم للغطاء السياسي والعسكري الأمريكي لمواجهة «تحرشاتها»، وتأكيد أنه يختلف عن سلفه ترامب، الذي سبق أن وصفه بأنه «جرو بوتين»، والانتقام مما يصفه بعض الديمقراطيين بـ «سرقة الانتخابات الرئاسية لعام 2016 منهم بسبب التدخلات الروسية».

بعد أن حقق بايدن، ما أراده من التصعيد مع روسيا في الداخل والخارج، حان وقت تقديم نفسه في صورة «رجل الدولة» الذي بادر بالموافقة على تمديد «معاهدة ستارت الجديدة» بشأن الحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية، وبادر بطلب عقد لقاء قمة مع پوتين، لمناقشة الخلافات بين الطرفين بشكل «صريح» والتوصل مع روسيا لتفاهم حول «سياسة مستقرة يمكن التنبؤ بها» كما صرح؛ وعليه فقد أراد أن يؤكد للأطراف المختلفة حول كيفية التعامل مع روسيا في الداخل الأمريكي، أن هناك معادلة جديدة للعلاقة بين البلدين، يمكن من خلالها التصدي لسياساتها «العدوانية»، وفق الوصف الأمريكي ولكن دون الوصول لنقطة المواجهة الخطرة، والاتفاق على النقاط التي تخدم المصالح الأمريكية، وتجاهل حل الخلافات التي ليس من مصلحتها التوصل لاتفاق لها على الأقل بالوقت الحالي. وفق ما يصفها السياسيون الروس «السياسة الأمريكية الانتقائية» بالتعامل مع روسيا، أو حسب وصف المفكر السياسي الروسي فيودور لوكيانوڤ: «المشي ومضغ العلكة في الوقت نفسه».

الدوافع الروسية

«إن روسيا ما بعد العهد السوڤيتي، لا يمكنها التباهي بأي شيء أو التفاخر بمنجز ما، وإن كان فهو من نتاج تلك الحقبة» – الفيلسوف الروسي «أندريه فورسوف».

في ظل نمط الحياة الاقتصادية «الرديئة» التي يعيش فيها الشعب الروسي، والتي وإن شهدت بعض التحسن في فترتي رئاسة پوتين الأولى (2000-2008) مقارنةً بحقبة بوريس يلتسن، إلا أن هذا «التحسن» كان نتاجًا لزيادة أسعار النفط، والظروف الدولية التي رافقت تلك المرحلة من أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، وحربي أفغانستان والعراق. بينما تعيش روسيا حاليًّا أوضاعًا اقتصادية صعبة، ليس بسبب العقوبات الغربية فحسب، بل نتيجة لطبيعة النظام السياسي وتحكمه في الاقتصاد بالمقام الأول، وهيمنة مجموعة من الأوليغارشية المرتبطة بالكرملين على أكثر من (%70) من مقدراته، وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة كافة تقريبًا، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، والتفاوت الطبقي الذي لم يكُن ربما يخطر على بال كارل ماركس وفريدريك إنجلز، في أسوأ كوابيسهما عند إصدار «البيان الشيوعي» في 21 فبراير (شباط) 1848. هذا لو سلَّمنا بأن النظام الاقتصادي الروسي الحالي يمكن وصفه بـ «الرأسمالي».

يصف الفيلسوف الروسي «أندريه فورسوف»، نظام پوتين، بالقول: «كان نظام يلتسن راكعًا أمام الغرب، بينما نظام پوتين في هذا المجال مختلف ونظرًا لأن السياسة الخارجية مختلفة، كان من الضروري أن تُستوعب على نحو مختلف تمامًا الحقبة السوڤيتية التي كانت زمن الانتصار المؤزر لروسيا على صعيد السياسة الخارجية، وتبعًا لذلك تغير الموقف من الماضي السوڤيتي، ولكن في الأساس فإن إعادة تمثل الماضي تسير على الخط الجيوسياسي وخط الإنجازات الخارجية، أما الإنجازات الاجتماعية الاقتصادية فمن غير المألوف الحديث عنها، والسبب مفهوم– في هذا الشأن هناك مفارقة غريبة، في عهد يلتسن (الراكع للغرب) كان عندنا فقط ثمانية أشخاص يملكون المليارات رغم أن العداء للماضي السوڤيتي كان على أشده أيديولوجيًّا على مستوى الدولة. بينما في ظل نظام پوتين، ارتفع عدد أصحاب المليارات إلى (96) مليارديرًا، رغم أن الموقف من الماضي السوڤيتي قد أصبح أكثر لينًا».

عندما يلتقي پوتين مع بايدن، وبعد كل التصعيد الكلامي والعقوبات الأمريكية، وموجة طرد الدبلوماسيين المتبادلة مع الغرب، يعطي پوتين ووسائل الإعلام الروسية، التي هي في الحقيقة تابعة بأكملها للكرملين، الإشارة لبدء حملة من الدعاية الداخلية، والتي مفادها «انظروا لعظمة بلادنا تحت قيادة رئيسنا پوتين، وكيف يتمتع باللياقة واللباقة والحيوية، ورغم كل الضجيج أدرك الأمريكيون أنه لا غنى عن التفاوض المباشر مع رئيسنا». مثل هذه الدعاية جزء مهم ومفيد لنظام الرئيس پوتين، لتغذية الشعور القومي لدى مواطني روسيا. فكرة الوطن والقومية في روسيا مختلفة بشكل كبير عنها في الغرب، وكذلك تقييم الروس لمقومات «الدولة العظمى».

لقاء پوتين مع بايدن يمنح نظام پوتين، شعورًا بالقوة تجاه معارضيه من «الليبراليين» المتهمين من قبل الحكومة بأنهم «طابور خامس» أو «أتباع للغرب»، في الغالب ستخرج وسائل الإعلام الروسية للحديث عن «خيبة أمل أتباع الغرب» في الداخل الروسي، من قدرة السيد بايدن على تقديم المعونة لهم، أو وصول العلاقة بين البلدين للقطيعة وبالتالي «استخدامهم» لضرب استقرار روسيا في الداخل.

يوفر أيضًا لقاء بايدن- پوتين، للأخير القدرة على إرسال رسالة لحلفاء واشنطن في البلطيق وأوروبا الشرقية، وتحديدًا حكومات كييڤ والتشيك وبولندا ومن يصفهم المسؤولون الروس بأصحاب «الرؤوس الساخنة» في المنطقة، بأن «الرهان» على الأمريكيين ليس في محله، ولا ينبغي لكم أن تنساقوا خلف دعايتهم بالتصعيد ضدنا– كذلك سيمثل هذا اللقاء عامل إحباط لبعض الأطراف التي تخيلت أن الإدارة الأمريكية الجديدة عازمة على مواجهة روسيا، وحشد أوروبا والعالم خلف هذه المواجهة.

استنتاجات حول المتوقع من قمة پوتين-بايدن

تبدو القضايا الداخلية وربما الإقليمية مع بعض المخاطر المتفق عليها بين الجانبين سلفًا هي الحاضر الأبرز الذي ستخرج به نتائج هذه القمة، ولا يتوقع أن تحقق اختراقًا ما في العلاقة بين البلدين.

سيخرج بايدن وأنصاره للتأكيد في الداخل الأمريكي وللحلفاء، أن موقف الإدارة الأمريكية صلب وعازم على التصدي لأنشطة موسكو «الخبيثة»، حسب وصفهم، وسيخرج پوتين وأنصاره لقول الشيء نفسه.

يتوقع إلى حد كبير أن تفضي نتائج القمة لاتفاق بين الطرفين حول دراسة المقترح الروسي للتعاون في مجال الأمن السيبراني، والنقاش بين المسؤولين الروس والأمريكيين حول القضايا الخلافية في أوكرانيا وبيلاروس وسوريا وليبيا وإيران، وضمان عدم حدوث احتكاكات عسكرية خطيرة، وهو في كل الأحوال حوار قائم بالفعل.

سيؤكد بايدن على مواقفه تجاه ملفات حقوق الإنسان والديمقراطية والتدخلات الروسية بالشأن الداخلي الأمريكي، وسيرد پوتين بالشكوى المعتادة من توسع حلف الناتو، وعدم وفاء واشنطن بوعودها «غير المكتوبة» لغورباتشوف بعدم تمدد الناتو بعد ألمانيا «بوصة واحدة».

يبدو أن كلا الطرفين پوتين-بايدن، راضيين مسبقًا عن النتائج التي ستخرج بها القمة؛ كون القضايا الداخلية لكليهما هي الأكثر إلحاحًا بتلك المرحلة، مع عدم وجود نية لدى أي طرف للتصعيد وصولًا للمواجهة.

أخيرًا، تكافح روسيا پوتين، من أجل أن تأخذها الولايات المتحدة على محمل الجد، والأخيرة ترى روسيا بلدًا مهزومًا في الحرب الباردة، واقتصاده أضعف من أن يشكل أي تحدٍّ أو عامل جذب لأمريكا، وكما سبق أن صرح زبغنيو بريجينسكي: «على الولايات المتحدة، احتواء پوتين، ما وسعها ذلك وفي الوقت نفسه تضع مخططاتها لمرحلة ما بعد پوتين». وفق الاعتقاد الأمريكي المبني على دراسة أحداث التاريخ الروسي شبه المتكررة، يعقب أي زعيم روسي قوي، زعماء أقل كفاءة وشعبية؛ وذلك لأن طبيعة الدولة المركزية، والحكم الفردي الاستبدادي في روسيا، وغياب المؤسسات الفعالة، لا تسمح إلا ببقاء الأضعف، وعندها ستعمُّ الفوضى التي يمكن استغلالها لصالح واشنطن؛ وهذا هو التحدي الأكبر للسياسة الروسية التي تبدو «تكتيكية أكثر منها إستراتيجية بعيدة المدى»، وفق وصف المعارض الروسي غاري كاسباروڤ.