حدود التأثير السياسي للقومية الدينية بين الهند وإسرائيل

مقدمة

بين عامي 1947 و1948، أدّت الهوية الدينية دورًا أساسيًّا في ظهور دولتين على الساحة العالمية، هما: الهند، وإسرائيل، حيث اعتمدت الأولى على الهوية الهندوسية في إقرار وجودها ضد دعوات تقسيم الأرض بين المسلمين والهندوس، في حين لجأت الثانية إلى الرؤية الصهيونية المدعومة بقوة السلاح لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين العربية. ومنذ تاريخ التأسيس، تسعى القيادات الهندية والإسرائيلية إلى توفيق أوضاعها بين القواعد العلمانية للدولة والتصورات القومية للهوية الدينية.

وبوصفهما دولتين حديثتين نسبيًا في بيئة دولية حددتها الحرب الباردة، كان هناك بعض أوجه الشبه الواضحة بين الهند وإسرائيل. فكلتاهما كانت في السابق ضمن الأراضي البريطانية التي كان عليها أن تتعامل مع الإرث الصادم للتقسيم على أساس الهوية الدينية، وهو إرث تضمن حدودًا غير مستقرة مع جيران مسلمين. وكلتا الدولتين قادها، في الطور الأول لتكوين الدولة، حُكام ذوو توجهات غربية اشتراكية؛ ونتيجة لهذا واجهت النخب الحاكمة ذات الميول العلمانية في كلتا الدولتين مهمة إدارة الصدام مع سياسات الهوية الدينية. ومع ذلك، فقد خضعت السياسة الخارجية لكل من الهند وإسرائيل- إلى حد كبير- للاختلافات فيما يتعلق بالجغرافيا، والمساحة، والدين، والتاريخ الاستعماري وما قبل/ بعد الاستعمار.

لذا تتتبع هذه الدراسة تاريخ العلاقات الهندية- الإسرائيلية، وفاعلية القومية الدينية الهندوسية التي أصبحت وثيقة الصلة فيما يتعلق بمركزية العلاقات بين البلدين، لا سيما مع صعود أحد رجال اليمين المتشدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت، وبقاء رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو قومي هندوسي في منصبه منذ عام 2014.

العلاقات الهندية- الإسرائيلية ما قبل عام 1950

في النصف الأول من القرن العشرين، كانت سياسة الهند تجاه إسرائيل محصورة بتأثير مُناهضة الاستعمار، والمنظور الإسلامي للنزاع نتيجة لجهود مفتي القدس أمين الحسيني (1895- 1974)، وأدى هذا إلى أن يأخذ الزعيم الهندي جواهر لال نهرو (1889- 1964) وحزبه المؤتمر الوطني الهندي، والزعيم الروحي للهند مهاتما غاندي (1869- 1948) موقفًا ضد الصهيونية بوصفها حركة تخضع مباشرة لتأثير الإمبريالية البريطانية، وتخدم المصالح الأمريكية.

إبان الحرب العالمية الثانية، حاولت الوكالة اليهودية إقامة اتصالات مع غاندي ونهرو؛ في محاولة لتغير موقف الأول، فقد كانت كتابات المهاتما تؤكد أن فلسطين أرض عربية، وأن إعطاء أي جزء مِن فلسطين لليهود كوطن قومي لهم سيكون جريمة ضد المسلمين، وكذلك ضد الإنسانية؛ ما دفع الصهاينة الأمريكيين إلى اتهام غاندي مباشرة بالتحيز، والظلم تجاه اليهود، والتغاضي عن الحاجة الوجودية الماسة إلى وطن لهم، لكن غاندي رد على هذا الاتهام، مُعبرًا عن إدانته اضطهاد اليهود في أوروبا، لكنه لا يرى أي سبب ليغير رأيه بشأن فلسطين. أما نهرو فبقى على رؤيته لمشكلة فلسطين بأنها صراع قومي عربي ضد الإمبريالية البريطانية، في حين أن القضية اليهودية ما هي إلا مشكلة دينية لأقلية عززتها السياسات البريطانية بشكل أساسي؛ وعليه قدم نهرو اقتراحًا بعمل فيدرالية في فلسطين تضمن الحقوق الدينية لكل المواطنين.

سياسة الهند تجاه القضية الفلسطينية

أدّت الهند تحت قيادة نهرو دورًا كبيرًا لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، خاصةً عندما عرض البريطانيون، عام 1947، قضية الانتداب على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وأيدت نيودلهي إلغاء الانتداب، وكانت راغبة في عضوية أي لجنة تقصي حقائق متعلقة بفلسطين؛ لذا أصبح من أولويات نهرو إعادة صياغة موقف الهند بوصفها مراقبًا أكثر توازنًا للصراع، مؤكدًا مقترحه المتعلق بالفيدرالية، التي كان يجب أن يوافق عليها العرب في الأساس، لكن لشدة الانقسامات آنذاك فضل نهرو أن يأخذ موقفًا غامضًا، ويبقى محاورًا للطرف العربي والصهيوني على السواء، وتمثل هذا في دعوة الهند إلى اللجنة العربية العليا ممثلة بالمفتي الحسيني؛ للتحدث أمام لجنة تقصي الحقائق، ودعوة الوكالة اليهودية إلى التحدث أيضًا.

مع اقتراب تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن قضية فلسطين، حاولت الوكالة اليهودية الضغط على نيودلهي لتخوّفها من دعم نهرو للعرب، وقد أدى أعضاء الكونغرس الأمريكي دورًا ملحوظًا في تكثيف الاتصالات مع الجانب الهندي، خاصةً أن منهم مَن كان داعمًا للكفاح الهندي من أجل الاستقلال، مثل: عضو الكونغرس الأمريكي الصهيوني البارز إيمانويل سيلير (1888- 1981). وبالرغم مِن تأكيدات نهرو لحياد الهند وموضوعيتها، فإن الأخيرة بقيت داعمة للفيدرالية، التي رُفضت مِن كلا الجانبين العربي واليهودي.

إبان إعلان دولة إسرائيل، في 14 مايو (أيار) 1948، أرسل وزير الخارجية في حكومة إسرائيل آنذاك موشيه شاريت برقية إلى نهرو للحصول على اعتراف الهند الرسمي بدولة إسرائيل الجديدة، كما أرسل أول سفير إسرائيلي في الولايات المتحدة إلياهو إيلات برقية أخرى للاعتراف إلى القائم بالأعمال الهندي في واشنطن. ونظرًا إلى عدم وجود رد فعل رسمي من نيودلهي، استخدمت إسرائيل- بنشاط- قنوات الاتصال مع الدبلوماسيين الهنود في واشنطن ونيويورك للضغط من أجل الاعتراف. كما حاول الدبلوماسيون الإسرائيليون استخدام علاقات الهند الوثيقة مع الولايات المتحدة للضغط على الهند لتغيير سياستها، وذلك نظرًا إلى أن صانعي القرار الهنود اعتبروا الدعم المالي الأمريكي في ذلك الوقت ضروريًّا لنجاح خطة الهند الخمسية الأولى، وسرعان ما أبدى الهنود بعض المرونة مع الجانب الإسرائيلي.

لذا، في سبتمبر (أيلول) 1948، بعد توقيع وقف إطلاق النار العربي – الإسرائيلي الثاني، أشارت الهند إلى إمكانية الاعتراف بإلياهو سفيرًا لإسرائيل في واشنطن، وفي وقت لاحق من عام 1949، أي مع الاعتراف بدولة إسرائيل في الأمم المتحدة، وفي خلال زيارة لنهرو إلى واشنطن، التقى السفير الإسرائيلي إلياهو، وعضو الكونغرس سيلير، مُعبرًا عن عزمه الاعتراف بإسرائيل، لكن يجب التعامل مع المعارضة الداخلية لهذا الاعتراف بحذر. وبالفعل أرجأت الهند الاعتراف بدولة إسرائيل حتى سبتمبر (أيلول) 1950، وقررت تأجيل إقامة العلاقات الدبلوماسية إلى أجل غير مسمى.

العلاقات الإسرائيلية – الهندية ما بعد عام 1950

خلال السنوات السبع عشرة التي قضاها نهرو في السلطة، برزت الهند رمزًا للدول المستقلة حديثًا في آسيا وإفريقيا، ورفضت التحالف مع كل من الغرب والشرق خلال الحرب الباردة، وكانت زعيمة في حركة عدم الانحياز، ومع أن عدم الانحياز كان خيارًا إستراتيجيًّا لنيوديلهي، فإنه أسهم في إنشاء سلطة أخلاقية، جنبًا إلى جنب مع إرث غاندي الناجح في الكفاح اللاعنفي ضد الاستعمار البريطاني، ولا يزال يُنسب إلى نهرو الفضل في منح الهند “القوة الناعمة” في الساحة العالمية.

ومع ذلك، اعتبر القوميون الهندوس أن هذا الإرث قائم على الوهم. لا سيما أن سياسة نهرو عطلت العلاقات الهندية- الأمريكية خلال ثلاثة عقود، حيث تضاربت مصالحهم بشكل مُباشر مُنذ أن أنشأت الولايات المتحدة تحالفًا عُرف بحلف بغداد، عام 1955، الذي أُنشئ رسميًا لاحتواء التوسع السوڤيتي في غرب آسيا، والذي شمل باكستان، إلا أن الأخيرة حصلت على دعم عزز ترسانتها العسكرية؛ ومن ثم فشلت أي تسوية دبلوماسية بين نيودلهي وإسلام آباد للنزاع في كشمير. وهكذا وجد نهرو نفسه أمام خيار وحيد؛ هو تبني وجهة نظر مشتركة مع الدول العربية بشأن معظم قضايا غرب آسيا، بما في ذلك النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. وكان لهذا أثر مُباشر في العلاقات الهندية- الإسرائيلية.

شكّل عام 1967 نقطة تحول في سياسات كل من إسرائيل والهند، ففي الأخيرة، بعد ثلاث سنوات من وفاة نهرو، عانى حزب المؤتمر، الذي ينتمي إليه، أول انتكاسة شديدة له في الانتخابات الوطنية تحت قيادة ابنته أنديرا غاندي، وحصل حزب بهاراتيا جانا سانغ الشوفيني الهندوسي (سيصبح فيما بعد حزب بهاراتيا جاناتا) على ما يقرب من عُشر الأصوات الانتخابية ليؤدي دور المعارضة الرئيسية لحُكم حزب المؤتمر الوطني الهندي. أما في إسرائيل، فقد اندلعت حرب الأيام الستة، وأثبتت أنها حدث تحولي في السياسة الداخلية والخارجية لتل أبيب، حيث قوّضَت الأحزاب اليمينية للصهاينة المتدينين المتشددين سلطة حزب العمل.

يمكن مُلاحظة التأثيرات المتعلقة بالقومية الدينية بين تل أبيب ونيودلهي، في عدة أحدات:

  • عام 1965، وخلال الحرب الهندية الباكستانية، أدّت الهوية الدينية دورًا محوريًّا في صياغة معادلات القوة في صراع الهند بشأن كشمير مع باكستان، خاصةً على السياسة الخارجية تجاه إسرائيل، حيث قدم العالم الإسلامي (بما في ذلك الأردن، وتركيا، وإيران، والمملكة العربية السعودية، باستثناء مصر) دعمًا كبيرًا لإسلام آباد، سواء أكان عسكريًّا، أم ماليًّا، أم سياسيًّا، فيما عرضت تل أبيب الدعم العسكري على نيوديلهي التي ترددت- بدورها- في الإفصاح عن أي دور إسرائيلي في الصراع؛ رغبة في إبعاد العالم الإسلامي عن إسلام آباد.
  • عام 1967 شكل فرصة للهند لكي تؤكد قيمها العلمانية عندما هاجم الجيش الإسرائيلي فلسطين ومصر والأردن وسوريا، في حرب الأيام الستة، التي أدّت فيها القومية الصهوينية الدينية دورًا محوريًّا في حشد أنصارها في العالم، في حين وجدت الهند فرصة لإعادة تأكيد تضامنها مع القضية الفلسطينية، وتقاربها مع العالم الإسلامي، على عكس عدوتها باكستان التي كانت دائمًا جزءًا من الأحلاف الإمبريالية الأمريكية آنذاك.
  • عام 1969، استمر التركيز الهندي على هدف التقارب مع العالم الإسلامي عبر التضامن معه في حريق المسجد الأقصى، كما طلب نيوديلهي المُشاركة في قمة الرباط (1969) ذات الطابع الإسلامي، مع تأكيدها أن موقفها من حادثة الأقصى كان قائمًا على منطق غير ديني، وإصرارها على أن تكون جزءًا من مؤتمر، ما هو إلا رغبتها في تكوين مسار عمل مشترك مع بلدان العالم الإسلامي. لكن الواقع السياسي يشير أن الهند كانت تشارك المواقف السياسية الرسمية ضد إسرائيل بسبب العدد الكبير لسكانها المسلمين، وبسبب صراعها مع باكستان، التي لا يمكن للهند أن ترك لها مساحة مفتوحة لكسب تعاطف الدول الإسلامية في غرب آسيا. لكن نيوديلهي أخفقت في هدفها نتيجة الدعوات التي أطلقها كثير من الأعضاء، بقيادة باكستان، لعدم إدراج الوفد الهندي في المؤتمر. وكانت حادثة الرفض في الرباط مثالًا واضحًا لكيفية تنامي المخاوف بشأن المسائل الدينية في سياسة الهند الخارجية نحو العرب المسلمين لتتقارب تجاه إسرائيل.
  • عام 1977، شكلت زيارة الرئيس المصري محمد أنور السادات لإسرائيل، ثم اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978، تحولًا في المنظور الهندي للعلاقات مع إسرائيل عبر التوسط لإجراء تسوية مع الفلسطينيين تمهد للتواصل المباشر بين نيودلهي وتل أبيب، وبالفعل عُقدت محادثات سرية بين الجانبين في هذا الصدد، عام 1979، بل أعطت اتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية دفعة قوية لأحزاب مثل: بهاراتيا جانا سانغ، وحزب سواتانترا، وحزب براجا الاشتراكي، التي كانت من المؤيدين التقليديين لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، لكن هذه الأحزاب افتقرت إلى التمثيل السياسي، وعدم قدرتها على الضغط على الحكومة بقيادة حزب المؤتمر الوطني، لكن هذا الأمر لن يستمر مع مطلع الثمانينيات، وبزوغ نجم حزب بهاراتيا جاناتا.

الأيديولوجيا والممارسة السياسية لحزب بهاراتيا جاناتا

لفهم الأساس الأيديولوجي لحزب بهاراتيا جاناتا، وحركته السياسية، وعلاقته مع إسرائيل، يجب فهم ماهية “الهندوتفا”، تلك الفكرة القومية الهندوسية المُسيسة التي صاغها ڤيناياك دامودار ساڤاركار (1883- 1966)، وتعود جذور المصطلح إلى البنغالي تشاندراناث باسو (1844-1910) الذي لم يتبع أيًا من المدارس العَقَدية القديمة، ومع ذلك فهو لم يهدف إلى إنشاء واحدة بقدر ما هدف إلى المقارنة بين المذاهب الرائدة في الهندوسية وتلك الخاصة بالديانات الأخرى، واستمر مَن سار  في دربه حتى قارنوا وربطوا بين الحضارة الهندوسية الهندية في إسرائيل وحضارتها اليهودية من خلال بناء سرد تاريخي واجتماعي يصور كليهما على أنهما تاريخان “مشتركان” لدول قومية حديثة قائمة بشكل فريد في نطاق جُغرافي تتعرض فيه- أولًا- لتهديد مِن العدو (المُسلم/ الآخر)، وثانيًا: إنهما تمثيل لحضارتين قديمتين قائمتين على الدين.

تميل الأغلبية إلى التعامل مع الهندوسية كدين للهند، وهو نمط فكري لا يميز بين الدين والثقافة، فالهندوسية مجرد واحدة من الديانات الموجودة في الهند، التي تعايشت مع كثير من الديانات الأخرى، مثل اليانية، والبوذية، والسيخية، والزرادشتية، واليهودية، والمسيحية، والإسلام. فالهندوسية هي الاسم الذي يطلق على الديانات القديمة في شبه القارة الهندية، أما الهندوتفا فهي أيديولوجية اليمين الهندوسي، وبشكل أكثر دقة يمكن تخيل الفارق بين الهندوسية (دين) والهندوتفا (أيديولوجيا) في نموذج شرق أوسطي للفارق بين الدين الإسلامي والتيار الأيديولوجي للإسلام السياسي.

أدّى الاستعمار البريطاني منذ عام 1871 دورًا في إحداث هذا التشويش المعرفي للبيئة الدينية في الهند، حيث قام بحملات تعداد سُكاني قائمة على مفهوم الدين أوروبيًّا، أي اعتبار (اليهودي، والمسيحي، والمسلم) أصحاب ديانات مُختلفة (على الرغم من حقيقة أنهم يعبدون الإله نفسه)، وهذا يعد اختلافًا رئيسيًّا بين الهندوسية والأديان التوحيدية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، حيث تتمتع الأولى بمفهوم للتعددية، عكس الثانية حيث يمكن للمرء في الديانات الهندية أن يتبع أكثر من ممارسة دينية معًا، فعلى سبيل المثال، يرى النيباليون أنفسهم على أنهم هندوسيون وبوذيون.

واجهت هذه الهوية الدينية المتعددة التي سادت داخل التقليد الديني الهندي خطر التخريب نتيجة لعملية التعداد البريطاني، ولم يكن الهنود آنذاك في موقف يسمح لهم بتحدي السلطات الاستعمارية مباشرة؛ لذلك حاولوا مواجهتها أيديولوجيًّا باستخدام التمييز بين الدين والثقافة، حيث صيغت كلمة (هندوتفا) للإشارة إلى (الهندوسية)، لكن ليس كدين؛ بل كثقافة. وهكذا، خلق الهنود نظامًا ثقافيًّا موحدًا يوازي النظام البريطاني الذي تعامل مع الديانات الهندية (اليانية، والهندوسية، والبوذية، والسيخية) كأربع ديانات مُختلفة، إلا أن هذه الديانات تشترك في ثقافة واحدة (هندوتفا)، حيث يشترك فيها جميع مَن كانت الهند بالنسبة إليهم أرض ولادتهم وولادة دينهم، عكس الأديان التوحيدية.

يساعدنا توضيح الفارق على فهم النمط السياسي الهندي، حيث يعتبر العلمانيون الهنود الهندوتفا أو الهندوسية المُسيسة تفرعًا من الأديان الهندية، في حين يرى القوميون الهنود أن الأديان الهندية هي مَن تتبع الهندوتفا، حيث الأخيرة هي التي تحفظ للأولى تعدديتها. وقد أدى هذا إلى نشوء نظرتين هنديتين إلى التاريخ، وإلى السياسة أيضًا.

يميل مناهضو هندوتفا (العلمانيون: ليبراليون ويساريون غالبًا) إلى تجذير الفهم العلماني للتاريخ؛ لمحاولة مُعالجة الاختلاف بين الهند والغرب، حيث شهدت الأولى حُكمًا للأقليات (المسلمون أولًا ثم المسيحيون) على الأغلبية (الهندوس) عدة قرون، ويجادل العلمانيون أنه خلال الوجود الطويل للمسلمين في الهند أصبحوا هنودًا بحكم إقامتهم؛ استنادًا إلى مفهوم المواطنة ذي الطابع الإقليمي، ما يعني أن أي شخص يولد داخل أراضي الهند هو هندي، بغض النظر عن الدين الذي ينتمي إليه؛ ومن ثم فإن النضال من أجل الاستقلال عن البريطانيين المسيحيين كان صراعًا انخرط فيه (الهندوس والمسلمون) معًا. وهذه الرؤية العلمانية الحديثة للهند، المنصوص عليها في الدستور الهندي، صيغت في الأصل باللغة الإنجليزية كإشارة إلى حداثتها. وهذه الرؤية تشاركها أيضًا قادة حركة الاستقلال في الهند، لكنّ مؤيدي هندوتفا يرون التاريخ بشكل مختلف؛ فقراءتهم ترى الصراع في شبه القارة الهندية بين الهندوسية والإسلام، ويُنظر إلى الاستعمار البريطاني للهند على مدى 200 عام على أنه مجرد فترة استراحة في هذا الصراع المستمر منذ ألف عام، مستندين إلى أن لحظة استقلال الهند كانت أيضًا لحظة تقسيم الهند البريطانية إلى الهند وباكستان، حيث تشكلت الدولة الأخيرة بشكل صريح كوطن لمسلمي الهند. لتبدو شبه القارة الهندية مقسمة بين باكستان المسلمة والهند الهندوسية. لكن يبقى هُناك رد على هذه القراءة التاريخية القومية الهندوسية المسيسة بأن الفارق بين نيودلهي وإسلام آباد يكمن في علمانية الأولى، ودينية الثانية.

التاريخ اللاحق للهند ما بعد الاستقلال يتبع مسارًا لا يمكن وصفه إلا بأنه علمانية غير متكافئة، حيث شعرت مصالح الأغلبية الهندوسية بأنها تعرضت للخطر، ما جعل قراءة مدرسة هندوتفا التاريخية تسود، التي تنص على أن الهندوس هم السكان الأصليون للأراضي الهندية، حيث طوروا حضارة عظيمة في الماضي. ولسوء الحظ، فقد خضعوا للحكم الأجنبي مِن المسلمين، ثم المسيحيين بداية مِن عام 1200 حتى عام 1947، وكانا نظامين مُعاديين للهندوسية التي تمكن بطريقة إعجازية من النجاة من تلك الفترة المُظلمة.

ومن اللافت للنظر إعادة مؤرخي هندوتفا تقييم حركة الاستقلال الهندية ورموزها، خاصةً المهاتما غاندي (1869- 1948)، الذي يحظى بمكانة مُقدسة في الأدبيات الغربية، والليبرالية، واليسارية بوصفه رمزًا سلميًّا للتحرر، لكنه في التاريخ القومي يعد المُتسبب في تقسيم الهند، وانخرط في عملية استرضاء للمسلمين، ثم أجبر الحكومة الهندية الناشئة على تسليم الأموال لباكستان حتى خلال حرب كشمير، بل يذهب القوميون أبعد من هذا؛ حيث يرون أن استقلال الهند الذي ينسب إلى الحركة اللاعنفية التي انطلقت عام 1920، بقيادة غاندي، يتجاهل حقيقة الدور الثوري المسلح لطرد البريطانيين ما قبل 1920 بقيادة سوبهاش شاندرا بوز (1897- 1945) الذي أسس الجيش الوطني الهندي، وتحالف مع ألمانيا النازية واليابان خلال الحرب العالمية الثانية، وأحدث انقسامات كبرى في الجيوش البريطانية في شبه الجزيرة الهندية؛ ما جعل الإمبراطورية البريطانية تستبعد إمكانية اعتمادها مرة أخرى على المكون الهندي داخل جيوشها لتأمين مستعمرتها ومصالحها هناك، وهذا هو السبب الرئيسي للاستقلال في نهاية المطاف.

واستند حزب حزب بهاراتيا جاناتا إلى الهندوتفا من أجل خلق لحظة سياسية وثقافية مُغايرة لمشروع نهرو القائم على فصل الهند عن تاريخها، حيث ظن نهرو أن كل ما سبق الاستقلال هو قوى رجعية يجب التخلص منها من أجل دولة هندية علمانية على الأسس الأوروبية، وهذا ما خلق فجوة بين النخبة الحاكمة في البلاد والقاعدة الشعبية من الناخبين، المتمسكة بجذورها الثقافية والحضارية.

فهندوتفا التي يتبناها حزب بهاراتيا جاناتا ليست حركة خطية متجانسة؛ بل لها مسارات متعددة تشمل تصور دولة هندوسية صناعية حديثة توفر إنهاء للنظام الطبقي، وتُحدث تحولًا اجتماعيًّا سريعًا، مع تأكيد أن المجتمع الهندوسي يرسم- لأول مرة- طريقه بدلًا من إجباره على مسار تاريخي مُعد سلفًا، وذلك مع الإبقاء على النظرة الرومانسية لحياة القرية الهندية الإقطاعية الزراعية القديمة[1].

وهذا ما يفسر جزءًا من شعبية رئيس الوزراء الهندي الحالي ناريندرا مودي، خاصةً بين جيل الألفية (أولئك الذين ولدوا بين عامي 1981 و1996)، الذي يشكّل قاعدة انتخابية تضم أكثر من 400 مليون هندي[2]، حيث يمثل مودي رمزًا للتحرر الاقتصادي، وللطبقة الوسطى الجديدة، ولتفكك التسلسلات الهرمية الاجتماعية، وذلك عبر أجندة هندوتفا التقدمية التي تسعى إلى دولة حديثة، ولكن عبر فخرها الوطني بجذورها الثقافية.

وانطلاقًا من الجذور الثقافية، نتوقف عند قضية اللغة، فاللغة الإنجليزية هي اللغة السائدة في الهند، مع أن نحو (12%) من السكان يستخدمونها، لكن موقف العلمانيين الهنود والقوميين الهندوس تجاهها يختلف؛ حيث يميل العلمانيون الهنود إلى اعتبار الشخص الذي لا يعرف اللغة الإنجليزية في الهند على أنه متدني التعليم، في حين يرى القوميون الهندوس أن الهندي الذي لا يعرف سوى اللغة الإنجليزية غير متعلم، لكن، بعد سنوات من هيمنة سلالات ناطقة بالإنجليزية من عائلات نهرو/ غاندي، بحث الهنود الشباب اليوم عن قدوة يعتقدون أنها منهم، وانجذبوا إلى السياسيين الذين يشاركون معهم معتقداتهم، ويتحدثون ويصلون مثلهم؛ لذا في انتخابات عام 2019، كوفئ السياسيون الناطقون باللغة الهندية، حيث صوّت ما يقرب من (40%) من الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 35 عامًا لحزب بهاراتيا جاناتا في تلك الانتخابات.

كما أن قيادات حزب بهاراتيا جاناتا مثّلوا تحديًا للنظام الطبقي الصارم في الهند، حيث لا ينتمي رئيس الوزراء مودي، وأميت شاه؛ أحد رموز الحزب البارزين، إلى البراهمة (الطبقة العُليا في الهندوسية)، بل ينحدر مودي من طبقة صُنفت أعلى قليلًا من طبقة المنبوذين، وهذا على عكس التكوين السياسي للطبقات العلمانية المُعارضة لحزب بهاراتيا جاناتا، التي تُعارض النظام الطبقي، ولكنهم في الغالب ينتمون إلى الطبقات العُليا.

وبعد سنوات تحت حُكم النخبة التقليدية بقيادة حزب المؤتمر الوطني الهندي، ونتيجة للنظام التعليمي ذي الطابع الاستعماري، الذي منع قرونًا من التقدم في مجالات العلم، والأدب، والفن، والسياسة، واللغة عن مواطني الهند ما بعد الاستقلال، حدثت قطيعة بين الفهم الشعبي والفهم النخبوي الحاكم للمؤتمر الوطني، خاصةً فيما يتعلق بالهندوسية؛ حيث ينظر إليها الأخير بعين الاحتقار، وبضرورة تفكيكها، في حين يتناغم الفهم الشعبي مع نظرة الهندوتفا للهندوسية بوصفها حتمية تاريخية ليست مرتبطة بصعود حزب بهاراتيا جاناتا- على الرغم من استفادة الحزب من هذا- ولكن تتعلق بانتقال الهند من مجتمع إقطاعي زراعي إلى مجتمع حضري.

وفي ظل هذا الانقسام، بحث جيل الألفية الهندي عن قادة يعدون بالاستقرار والأمن، وقد استثمر الزعيم مودي وحزبه هذا بنتائج مبهرة بين عامي 2014 و2019، حيث لم يعد جيل الألفية هو نفسه الجيل الذي عاش فترة الإصلاح الاقتصادي عام 1991؛ وإنما هو جيل يريد أكثر من مجرد البقاء على قيد الحياة؛ إنهم يريدون الازدهار في عالم يتصلون به عبر الإنترنت، وعلى دراية بكل المتغيرات على الساحة الدولية، ويتحدث مودي بلغتهم وتطلعاتهم، حيث يقدم لهم قطارات سريعة، ومدنًا عالمية المستوى، وبلدًا يبزغ على المسرح العالمي.

لذا يبدو أن نقد المعارضة المحلية والدولية لمودي لن يجد صدى لدى الناخب الهندي قريبًا، فوفقًا لنتائج الانتخابات الأخيرة عام 2019، التي فاز فيها مودي بولاية جديدة لرئاسة الوزراء، كما فاز حزب بهاراتيا جاناتا بعدد غير مسبوق من المقاعد بلغ (303) من أصل (542) مقعدًا في الغرفة الأدنى من البرلمان الهندي، وكان هذا فوزًا ساحقًا تفوق على شعبيته في عام 2014؛ وبهذا يصبح أول حزب يفوز بأغلبية بمفرده منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإن الناخب الهندي لم يتأثر بالآراء السلبية لمودي ضد العلمانية، أو الفيدرالية، أو الديمقراطية، كما استثمر مودي جائحة كوفيد- 19، التي قتلت آلاف الهنود، حيث كان شهر أغسطس (آب) 2021، بالتزامن مع موجة ثانية شديدة من الجائحة، هو الشهر الذي قامت فيه نيودلهي بتلقيح عدد أكبر من دول مجموعة السبع مُجتمعة.

وبالمثل، لم تكن الصراعات في كشمير، وعلى الحدود الباكستانية، والحدود الصينية، فاشلة كما يراها مُعارضو مودي، حيث أضافت إلى رصيده بوصفه حاميًا للهندوس من خطر الأعداء المحليين والدوليين. كما أدّت سياسته الاقتصادية التي تُركز على الرفاهية، وتبتعد عن الرومانسيات اليسارية، دورًا في تدعيم شعبيته، حيث يركز مودي وحزبه على توفير السكن بسعر مُناسب، وهو يستهدف بذلك توفير منازل لفقراء الحضر، وقد أتم بناء خمسة ملايين منزل للفقراء، بالإضافة إلى العمل في نحو تسعة ملايين أخرى، والانتهاء من مشروعات طاقة تربط كل قرية في الدولة بشبكة الكهرباء، إلى جانب تجديد شبكات النقل العام، فبداية من عام 2014، عندما تولى مودي السلطة، خطط لبناء أكثر من 100 مليون مرحاض لإنهاء التغوط في العراء، وذلك بالتعاون مع شركة السكك الحديدية الهندية- وهي إحدى أكبر شبكات السكك الحديدية في العالم- التي سوف تبني مراحيض لإنهاء وصول الفضلات إلى المسارات، التي كانت تُنظَّف يدويًّا بواسطة مواطنين غالبًا ما ينتمون إلى أدنى طبقة في النظام الهرمي التقليدي في الهند؛ وبهذا تكون مراحيض مودي ليست فقط إنهاء لمشكلة النظافة؛ ولكن أيضًا خطوة جديدة في برنامجه لإنهاء مشكلة التمييز والنبذ.

وفي ظل حكومة مودي، كان هناك اهتمام بتوفير الخدمات الرقمية/ الإنترنت الرخيصة، وقد ارتفع استهلاك البيانات في الهند بنحو (1300%)، لتصبح نيودلهي تمتلك أرخص سعر بيانات في العالم، بمعدل (0.09) دولار/ جيجابايت، وهناك خطة حكومية تسعى إلى ربط كل قرية بالإنترنت العالي السرعة.

شعبية حزب بهاراتيا جاناتا

ويمكن تلخيص شعبية حزب بهاراتيا جاناتا، وكاريزما شخصية مودي في عدة عوامل، على النحو التالي:

  1. التوق إلى قيادة قوية تعيد ضبط الجموح العلماني المُتغرب مع طبيعة المجتمع الهندي الدينية التعددية.
  2. الحاجة إلى حامٍ، لا سيما بعد الشعور بالتهديد الأمني الإقليمي للهند من باكستان والصين، والتوترات داخل كشمير. وبالفعل أضاف مودي وقيادات حزبه لقب الحارس (Chowkidar) إلى حساباتهم الشخصية إبان مقتل 40 من عناصر القوات الهندية في هجمات شنها جيش مُحمد (مقره في باكستان) داخل كشمير ، عام 2019.
  3. النمو الاقتصادي السريع خلق طبقة جديدة طموحة في الدولة تريد مساعدة الحكومة على الازدهار، ولكن ليس بالضرورة من خلال المحسوبية، وقد تمكن مودي وحزبه من إقناع هؤلاء الناخبين بأن نموذج الرفاهية الخاص بهما، المتمثل في “التمكين”، يتفوق على النموذج السابق “للاستحقاقات”.
  4. ضمنت التحسينات في القوانين، وإجراءات الدعم التي أجرتها حكومة مودي، أن يعتقد مزيد من الناس أن البرامج الحكومية بدأت تصل إلى المستفيدين المقصودين.

هندوتفا والسياسة الخارجية الهندية- إسرائيل نموذجًا

خلال التسعينيات، ومع تفكك الاتحاد السوڤيتي، وانهيار المنظومة الشيوعية، تلاشت المواجهة الأيديولوجية العالمية التي ساعدت على تحديد الصديق والعدو؛ ما جعل الهند أمام مآزق سياسي وجودي في التكيف مع النمط العالمي ما بعد القطبين، حيث شهدت الفترة من عام 1989 إلى عام 1991 ثلاث حكومات، وانتخابات عامة مرتين تركت السياسة الخارجية في حالة من الفوضى والارتهان بالتوترات المفاهيمية، وعدم اليقين الإستراتيجي، والقيود الجيوسياسية بسبب الانشغال بالقضايا الداخلية، والعلاقات مع الجيران، مما حال دون الاستجابة السريعة للتحديات الخارجية للدبلوماسية الهندية، التي قدم أحسن تعبير عنها السفير الهندي السابق لدى الولايات المتحدة، عابد حسين، مُشيرًا إلى تردد السياسة الخارجية الهندية، واصفًا بلاده بـ “النمر في قفص، عندما يُفتح يُظهر هذا النمر قوته الحقيقية، لكن القفص الآن مفتوح، والنمر يرفض الخروج!”.

يشير تردد نيودلهي في الخروج من قفص سياسات الحرب الباردة في الوقت نفسه إلى مُعضلة مركزية واجهت إعادة تنظيم السياسة الخارجية للهند في ضوء تفكك الاتحاد السوڤيتي، وضرورة الاعتراف بفشل عدم الانحياز، وهي عدم القدرة على الاختيار الواضح بين النزعة العسكرية التي يطورها المتنافسون (الصين وباكستان على سبيل المثال) في الإقليم، والنزعة الأخلاقية من خلال الاندماج في المنظومة الدولية، خاصةً مع التحالفات الغربية.

جماعات الهندوتفا والحزب الحاكم في الهند

وقد قدمت الأيديولوجيا الهندوسية المُسيسة (هندوتفا) نفسها بوصفها حلًا ناجحًا بشكل لا يصدق لمواجهة تلك المُعضلة في السياسة الخارجية الهندية في فترة ما بعد الحرب[3]، خاصةً أنها أكدت عدة محاور، على النحو التالي:

  1. القومية تتعلق- أولًا، وقبل كل شيء- بالطبيعة، والطريقة المناسبة لتشكيل الدولة.
  2. سرديات هندوتفا تشكل استجابة فعالة للجهاز البيروقراطي الهندي لإعادة توجيه سياسات الدولة في ظل النظام العالمي الجديد.

لذا تميل التحولات في السياسة الخارجية الهندية إلى الارتباط بالحكومات التي شارك فيها حزب بهاراتيا جاناتا، وصعود هندوتفا، حيث كان للمعايير الثقافية للقومية الهندوسية المُسيسة تأثيران حاسمان في صياغة السياسة الخارجية الهندية؛ هُما:

  1. الطبيعة الطبقية للمجتمع الهندوسي تعزز وجهة النظر القائلة بأن المجتمع الدولي/ العالمي قائم على تسلسل هرمي بشكل صارم.
  2. يؤدي الاتجاه الهندوسي التعددي إلى تحالفات دولية متناقضة ظاهريًّا، مبنية على المصالح، لا الأخلاقيات المُجردة.

بالإضافة إلى أن هندوتفا وفرت في ظل تآكل الأيديولوجيات المُفسرة (لا سيما الشيوعية) رواية وطنية بديلة تستند إلى:

  1. إعادة تفسير الماضي.
  2. التغلب على عوامل عدم اليقين التي تكتنف العولمة.
  3. الإنتاج الاجتماعي للسياسة الداخلية والخارجية.

يمكن فهم مدى التحول الجيوستراتيجي في السياسة الخارجية الهندية خلال الأزمة الاقتصادية الهندية عام 1991، ومع اختفاء الشريك السوڤيتي التقليدي لنيودلهي، حيث تغيرت السياسات الهندية الاقتصادية تغيّرًا جذريًّا، وسعت إلى الاستثمارات والقروض من المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، وكذلك من الولايات المتحدة، واضطر الساسة الهنود إلى تحييد جميع العقبات في واشنطن للحصول على قروض عاجلة تنقذ الاقتصاد الهندي؛ لذا أيّدوا- أولًا- قرارًا قدمته الولايات المتحدة لإلغاء قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3379) الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية، في ديسمبر 1991، ثم أخيرًا أعلن رئيس الوزراء الهندي ناراسيمها راو إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مطلع عام 1992.

بعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الهند وإسرائيل أصبحت العلاقات مُقتصرة على الجانب الدفاعي، وخاصةً مبيعات الأسلحة الإسرائيلية إلى نيودلهي، وفي الواقع عارضت واشنطن- في البداية- مبيعات السلاح الإسرائيلي، ومنعت نقل التكنولوجيا المشتركة معها، وحظرت أي تعاون مُتعلق بالنشاط النووي بين تل أبيب ونيودلهي، لكن في عام 1997، زار الرئيس عيزر فايتسمان الهند، وتفاوض من أجل صفقة أسلحة كبيرة، ليأتي في العام التالي حزب بهاراتيا جاناتا في حكومة ائتلافية (عام 1998) ويشهد هذا العام تحولًا كبيرًا في السياسة الهندية مرة أخرى، وهو بداية سباق التسلح النووي بين الهند وباكستان.

في ظل حضور حزب بهاراتيا جاناتا، وتصاعد أيديولوجيته (هندوتفا)، حسمت الهند أحد أكبر ملفاتها في السياسة الخارجية، حيث قررت عبر تجاربها النووية اختيار سياسة القوة بديلًا عن سياسة الأخلاق وضبط النفس من جانب واحد في السعي وراء المصالح الهندية.

وأظهرت تداعيات الاختبار النووي الهندي بداية احتضان نيودلهي قوتها الوطنية الشاملة، وهو نهج يراه القوميون الهندوس مزيجًا بين القوة الاقتصادية والعسكرية سيمكن البلاد من حماية مصالحها، ومنع الانتهاكات ضدها، ويعطيها الحق في اتخاذ أي قرار مُستقل يضمن سيادتها الوطنية. ويرى حزب بهاراتيا جاناتا التجارب النووية نقطة فاصلة مهمة في تطور الهند بعد الحرب الباردة، خاصةً بعد إحباط شعبي طويل الأمد من تهميش نيودلهي في النظام الدولي، وهذا ما مثّل إهانة لا تُغتفر بالنسبة إلى القوميين الهندوس، ليس بوصفهم ممثلي دولة بقدر ما يظنون أنهم ممثلو حضارة، وقد ارتبط موقفهم هذا بإعادة تقييم علاقتهم مع الدول في ضوء موقف الدول من تجاربهم النووية.

بعد التجارب النووية عام 1998 وضعت الولايات المتحدة كلًا من الهند وباكستان تحت العقوبات الاقتصادية، التي تضمنت حظر المساعدة الاقتصادية الأمريكية، وتصدير المواد والتكنولوجيات الدفاعية، لكن على عكس واشنطن، وحتى موسكو، لم تُدن تل أبيب التجارب النووية الهندية، ولم تنضم إلى العقوبات ضد نيودلهي، وبدلًا من ذلك، وبعد أيام قليلة من التجربة النووية، زار وفد إسرائيلي متخصص في صناعات الفضاء الهند؛ من أجل صفقة بيع طائرات بدون طيار إسرائيلية الصُنع، وتسليح الطائرات الهندية بمعدات عسكرية إسرائيلية، وعلى الرغم من اعتراض واشنطن على الصفقة بدعوى أنها انتهاك للقانون الدولي، أوفت تل أبيب بالتزاماتها مع نيودلهي.

تمكن حزب بهاراتيا جاناتا من القفز خطوات مع إسرائيل، مُتفقًا على شراء منظومات دفاع محمولة جوًا، بلغت تكلفتها (1.1) مليار دولار عام 2000، ولم تتمكن الإدارة الأمريكية من وقف تلك الصفقة التي تضمنت نقل تكنولوجيا متطورة إلى نيودلهي، خاصةً أن واشنطن أجبرت تل أبيب على إلغاء صفقة مليارية أخرى مع الصين. وقد كان نجاح تلك الصفقة العسكرية بين تل أبيب ونيودلهي انعكاسًا لمدى النفوذ السياسي المتوسع لحزب بهاراتيا جاناتا في واشنطن، خاصةً أن الحزب اعتمد على مساعدة المنظمات اليهودية الأمريكية للحصول على موافقة الإدارة الأمريكية لتسليح نيودلهي بأسلحة إسرائيلية. كما قامت المنظمات الهندية الأمريكية، مثل لجنة العمل السياسي الأمريكية- الهندية، بمحاكاة وإنشاء روابط مؤسسية مع لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)، واللجنة اليهودية الأمريكية (AJC)؛ للضغط من أجل التقارب بين الهند والولايات المتحدة.

كما شهد عام 2003 حدثين تاريخيين في العلاقات الهندية- الإسرائيلية- الأمريكية، حيث قام آرييل شارون، رئيس الوزراء آنذاك، بزيارة تاريخية للهند، فيما ألقى أول مستشار للأمن القومي الهندي، براجيش ميشرا، خطابًا أمام اللجنة اليهودية الأمريكية في الولايات المتحدة لتحسين العلاقات مع تل أبيب وواشنطن، حيث صاغ قراءة للدول الثلاث بوصفها ديمقراطيات تشترك في قيم التسامح وتكافؤ الفرص، مُشيرًا إلى أن العلاقات القوية بينها “منطق طبيعي”، خاصةً في ظل استهداف الإرهاب العالمي لها. وقد أدّت الإدارة الأمريكية في ظل إدارة جورج دبليو بوش (الابن) دورًا في تدشين تعاون دفاعي أكثر قوة بين نيودلهي وتل أبيب؛ في محاولة لجذب الأولى لكي تنخرط في الحرب الأمريكية على الإرهاب.

وقد كانت زيارة شارون معلمًا سياسيًّا رئيسيًّا في العلاقات بين البلدين، ولم يزر أي رئيس وزراء هندي إسرائيل خلال وجوده في السلطة، وقد تغير هذا أيضًا في ظل حزب بهاراتيا جاناتا، حيث زار رئيس وزراء الهند نيريندرا مودي إسرائيل عام 2017، في الذكرى الخامسة والعشرين لتدشين العلاقات الدبلوماسية بين الهند وإسرائيل،وقد استقبله بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك، قائلًا: “رئيس الوزراء مودي، نحن ننتظرك منذ وقت طويل، ما يقرب من 70 عامًا[4]”، علمًا بأنها لم تكن المرة الأولى التي يزور فيها مودي تل أبيب، حيث سبق أن زارها عام 2006، وكان يشغل منصب قيادي آنذاك في ولاية غوجارات، المعروفة بتعاونها مع إسرائيل في كثير من المجالات الزراعية، والمائية، والبحثية.

هندوتفا في مواجهة العلاقات الاقتصادية- إسرائيل نموذجًا

للهند تاريخ طويل في دعم الشعب الفلسطيني، بداية من قيادة نهرو حتى بعد تطبيع العلاقات بين نيودلهي وتل أبيب، لكن يبدو أن الأمر في ظل حُكم منفرد لحزب بهاراتيا جاناتا قد يخضع لإعادة تقييم في ضوء العقيدة القومية الهندوسية المُسيسة التي تستثمر في الانحياز ضد قضايا الأقلية المسلمة الكبيرة، وضد الجارة المُنافسة باكستان، ليس هذا وفقط؛ بل في ضوء المصالح الاقتصادية مع تل أبيب، في ظل تنافس هندي- صيني على النفوذ في آسيا؛ لذا فالسياسة الهندية القديمة المتمثلة في الامتناع عن التصويت في الأمم المتحدة قيد المراجعة، كجزء من تقييم الحكومة الهندية لإستراتيجيتها في السياسة الخارجية.

لكن الجدير بالذكر أن الهند لا تندفع إلى تل أبيب، بل إن حزب بهاراتيا جاناتا، وعلى عكس النصوص المتشددة لهندوتفا لتأييد إسرائيل، يأخذ موقفًا لتغيير سياسة عدم الانحياز، وإبطال جاذبيتها لدى معارضيه، وفي الوقت نفسه، لا يتخلى عن ثقل تاريخه النضالي في تاريخ الشرق الأوسط، خاصةً في ظل علاقات اقتصادية كبيرة بين الهند والخليج العربي؛ لذا نجد أن الهند تحت قيادة مودي اتخذت موقفًا بإدانة عُنف إسرائيل في غزة والضفة الغربية وفقًا لقرار مجلس حقوق الإنسان عام 2014، وأبقت على عدم انحيازها، وامتنعت عن التصويت عام 2015 على قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ضد إسرائيل من أجل ما وصفته نيودلهي بـ “محاولة تعزيز حل النزاع بطريقة ثنائية مفيدة للطرفين في سياق الجهود الدولية، حيث أصبحت الهند تُشجع العلاقات بين/ ومع العالم العربي وإسرائيل على حد السواء”.

أي إن هناك عوامل هيكلية مهمة تدفع الهند إلى الحفاظ على نهج متوازن تجاه القضية الفلسطينية. فالخطاب عن “فك الارتباط” بين إسرائيل وفلسطين هو محاولة لتبرير هذه الموضوعية لأولئك الذين يسعون إلى جذب الهند إلى دعم جانب على حساب الآخر، في حين لا توجد علاقة ثنائية مستقلة تمامًا عن العلاقات الأخرى، حيث يدرك صانعو السياسة الهنود أنه في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد، فإن طريقة تعظيم النفوذ هي عمل الدول لخدمة مصالحها بدلًا من اعتبارها أمرًا مفروغًا منه من خلال عضوية في تحالف؛ لذا فإن ما رُوِّجَ له على أنه عدم انحياز مثالي أخلاقي قد تطور الآن وأعيد تسميته على أنه استقلال إستراتيجي واقعي.

كما يجب الإشارة إلى الاختلاف الجوهري الطويل الأمد بين نيودلهي وتل أبيب في أجندتيهما الإستراتيجية، فبينما تستفيد مصالح إسرائيل كثيرًا من استمرار الهيمنة الغربية العالمية، تسعى الهند إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث يُنظر إلى مودي على أنه يُعطي للهند إمكانية للتصرف بشكل أكثر استقلالية من كثير من الدول الغربية فيما يتعلق بعلاقته مع إسرائيل، ويتضح هذا في حقيقة أنه عندما تتعارض مصالح نيودلهي مع تل أبيب، لا تهتم الأولى كثيرًا برفض الثانية، فعلى سبيل المثال، لم تقلل الهند اعتمادها على النفط الإيراني، ولم تخفض من مستوى التعاون السياسي أو الاقتصادي مع طهران؛ بل تبادل مودي والإيرانيون التحية نفسها التي تبادلها مع الإسرائيليين؛ ما يعني أن التقارب الذي تظهره الأجيال المتعاقبة من القوميين الهندوس مع إسرائيل، حيث رأوا فيها تحقيقًا عمليًّا لأهداف القومية الهندية، حيث حافظ اليهود على عرقهم، ودينهم، وثقافتهم، ولغتهم، وكل ما تبقى لهم هو أرض لإكمال جنسيتهم وعودتهم الحضارية، هذا التقارب استغله الجيل الجديد من القوميين الهندوس، وعلى رأسهم مودي، لتوظيف هذا التخيل لعلاقة هوياتية مُشتركة الخصائص بين الهندوس واليهود من أجل تدعيم الروابط الاقتصادية، وخدمة المصالح السياسة الهندية في المجتمع الدولي عبر توطيد العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

فمن الناحية الاقتصادية، زادت التجارة الثنائية بين نيودلهي وتل أبيب من 200 مليون دولار فقط سنويًّا عند إقامة العلاقات الرسمية، إلى أكثر من 4 مليارات دولار سنويًّا في الوقت الحالي. كما أن هُناك تعاونًا مُزدهرًا في مجالي العلوم والتكنولوجيا بين البلدين بوصفها مراكز للتقينات العالمية التي توفر كثيرًا من فرص التعاون، خاصةً فيما يتعلق بالاتصالات السلكية واللاسلكية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيا الفضاء، وخطط التنمية الزراعية المستدامة، وترشيد المياه وتنقيتها، وأدت العلاقة العلمية إلى فتح إسرائيل قنصلية في مدينة التكنولوجيا الهندية بنغالور عام 2012؛ من أجل المساعدة على تسهيل التفاعل اليومي بين الأفراد والشركات في قطاعات التكنولوجيا بين الدولتين. وشهد عام 2014 إنشاء صندوق لتطوير الأبحاث يجمع الشركات الهندية والإسرائيلية، تخطت قيمته 40 مليون دولار.

يبدو أن البلدين شريكان مُتناغمان في الاقتصاد دون الحاجة إلى أيديولوجيا هندوتفا، فالزيادة السريعة للاعتماد على التكنولوجيا خلقت حالة من النمو غير المحدود بين البلدين، لا سيما أن إسرائيل تبتكر المنتجات وتصممها، في حين تكيّف الهند هذا المنتج، ثم تسوقه، أي يوفر كل بلد للآخر شيئًا يحتاج إليه بشكل حيوي لضمان اقتصاد ديناميكي، وفي ظل حكومة مودي هُناك تركيز شديد على اتفاقية تجارة حرة بين تل أبيب ونيودلهي لكي تضاعف حجم التبادل التجاري بين البلدين، خاصةً في مجال الأسلحة، وتجارة الماس.

على صعيد آخر من التعاون، ينخرط البلدان في برامج تبادل تكنولوجي وتعليمي رئيسية تركز على المياه والزراعة، حيث تمتلك إسرائيل تكنولوجيا زراعية، لكن القليل من الأراضي، في حين تمتلك الهند مساحة شاسعة من الأرض، لكنها تفتقر إلى التكنولوجيا اللازمة لتعظيم زراعة هذه الأرض، بالإضافة إلى كثير مِن الممارسات الزراعية غير الفعالة، والكوارث الطبيعية، وعدم كفاية إمدادات المياه، وزيادة عدد السكان بسرعة، وكل هذا يؤثر سلبًا في كمية وتوزيع وجودة إمدادات المياه والقدرات الزراعية الهندية؛ ما دفع البلدين إلى مبادرة تعاون انطلقت منذ عام 2008، وتركز على استخدام التكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية في سبع ولايات هندية.

أخيرًا، تعمل التطورات المستمرة في التكنولوجيا، والزراعة، والتعاون البحثي، والتجارة، وغيرها، على دمج المجتمعين بعمق بطريقة من شأنها أن تؤدي إلى ارتقائهم إلى مستوى من الأهمية، جنبًا إلى جنب مع العلاقات الأمنية، بل إن الشريحة الأساسية من جيل الألفية التي تدعم رئيس الوزراء الهندي مودي وحملاته المُتعلقة بالمُدن الذكية، وحملات التصنيع داخل الهند، وعمليات الأتمتة للخدمات الهندية، إلى جانب التحدي المتمثل في تدريب وتوظيف عشرات الملايين من ذلك الجيل الذي يدخل سوق العمل كل عام، تجعلنا أمام حقبة جديدة من العلاقات بين إسرائيل والهند تقودها الشركات في مجالات تكنولوجيا الموارد البشرية، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا النظيفة، وإدارة النفايات، وتكنولوجيا المدن الذكية، والتنقل والتصنيع الذكي، ويختفي في طيات ذلك الصدى الأيديولوجي لهندوتفا.

استنتاجات

  1. العلاقات الهندية- الإسرائيلية لها تاريخ طويل من التعقيد.
  2. لا تعتمد العلاقات الهندية- الإسرائيلية على العوامل الأيديولوجية للقومية الدينية المُسيسة فقط؛ بل تعتمد بشكل أكبر على العوامل الاقتصادية والسياسية.
  3. ما زال للعرب يد عُليا على العلاقات الهندية- الإسرائيلية، حيث التبادل بين نيودلهي والخليج العربي يصل إلى (121) مليار دولار سنويًّا، مقارنة بتبادل لا يتجاوز (5) مليارات دولار بين نيودلهي وتل أبيب.
  4. القضية الفلسطينية أصبحت أكثر هامشية في قراءة السياسات الخارجية للدول خارج منطقة الشرق الأوسط.
  5. إسرائيل تقدم نفسها لاعبًا مفيدًا ليس كبوابة فقط لواشنطن؛ وإنما أيضًا داعم ووسيط تكنولوجي فعال وقوي على الساحة الدولية.

 _______________________________________________________________________________________________________________

[1] On the Difference Between Hinduism and Hindutva, by Arvind Sharma, Volume 25:1 (Spring 2020) Asian Philosophies and Religions, https://www.asianstudies.org/wp-content/uploads/on-the-difference-between-hinduism-and-hindutva.pdf

[2] Viewpoint: Why India’s millennials support PM Narendra Modi, By Vivan Marwaha, Published (4 October 2021), https://www.bbc.com/news/world-asia-india-58716947

[3] INDIA AND CENTRAL ASIA THE MYTHMAKING AND INTERNATIONAL RELATIONS OF A RISING POWER, EMILIAN KAVALSKI, Published in 2010

[4] PM Netanyahu welcomes Indian PM Narendra Modi on his historic visit to Israel, 04 Jul 2017. Israel Ministry of Foreign Affairs, https://mfa.gov.il/MFA/PressRoom/2017/Pages/PM-Netanyahu-welcomes-the-Indian-PM-Narendra-Modi-on-his-historic-visit-to-Israel.asp

 مصادر إضافية:

1.History, Identity Politics and Securitization: Religion’s Role in the Establishment of IndianIsraeli Diplomatic Relations and Future  Prospects for Cooperation, Michael Mclean Bender, Florida International University. https://digitalcommons.fiu.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=3642&context=etd

2. Re-(Modi)fying India’s Israel Policy: An Exploration of Practical Geopolitical Reasoning Through Re representation of ‘India’, ‘Israel’  and ‘West Asia’ Post-2014, Tanvi Pate, Department of Politics and International Studies, University of Warwick, Coventry, UK. First Published March 30, 2020, https://journals.sagepub.com/doi/full/10.1177/2347797020906647

3.  Religious nationalism and foreign policy: India and Israel compared, Paper presented by Dr James Chiriyankandath, Department of Law, Governance & International Relations, London Metropolitan University. https://sas-space.sas.ac.uk/4673/