لماذا اعترف باستقلال دونيتسك ولوغانسك؟

دوافع قرارات پوتين الأخيرة

بينما كان الجميع ينتظر قيام الحرب بين روسيا وأوكرانيا حسب الدعاية الغربية، وما بدا من نيّات روسية للقيام بذلك عبر الحشود العسكرية، قرر پوتين الاجتماع علنًا بأعضاء مجلس الأمن القومي الروسي، وطرَحَ عليهم سؤالًا متعلقًا بمسألة الاعتراف باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك المعلنتين من جانب واحد، ثم ألقى خطابًا مطولًا بعد ذلك ليعلن اعتراف روسيا بهما جمهوريتين مستقلتين عن أوكرانيا. ويمكن إجمال دوافعه إلى هذه الخطوة في العناصر التالية:

  • حاولت الدعاية الأمريكية- البريطانية حشر پوتين في الزاوية؛ وذلك عبر رفض أهم بنود “الضمانات” الأمنية التي طلبها، وتزويد أوكرانيا بالأسلحة الهجومية، ورفض إعلان عدم ضمها إلى الناتو؛ لإجباره على التورط العسكري، أو التراجع وفقدان هيبته، فقرر پوتين اتخاذ طريق ثالث؛ وهو الاعتراف باستقلال كلتا الجمهوريتين.
  • يهدف قرار الاعتراف باستقلال كلتا الجمهوريتين إلى فرض السلام، وإنهاء فرضية الحرب، من خلال ما تبع هذا الاعتراف من إعلان إرسال قوات “حفظ سلام” روسية إلى أراضي كلتا الجمهوريتين، وإعلان رئيسة مجلس الاتحاد للبرلمان الروسي، ڤالنتينا ماتڤيينكو، موافقته على طلب رئيس البلاد، ڤلاديمير پوتين، بشأن استخدام القوات المسلحة الروسية خارج البلاد، وهو ما يضمن عدم محاولة أصحاب “الرؤوس الساخنة”- حسب تعبير موسكو- القيام باستفزاز عسكري، عبر دفع غربي، لتوريط روسيا في الحرب.
  • بموجب القرار الأخير، أصبح في حكم المستحيل انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، الذي يحظر العضوية على البلدان التي تعاني حربًا أهلية، أو صراعات حدودية مع جيرانها.
  • يسمح القرار الأخير للجيش الروسي بالانتشار في أراضي كلتا الجمهوريتين، مع إمكانية التمدد الروسي في باقي أراضي شرق أوكرانيا، التي كانت تسمى تاريخيًّا “روسيا الجديدة”، أو “روسيا الصغرى”، قبل أن يضمها لينين إلى أراضي جمهورية أوكرانيا السوڤيتية، وهو أمر أكثر سهولةً ويسرًا من الاندفاع عبر الأراضي الروسية مرة واحدة.
  • تمتلك روسيا مقاطعة حصلت عليها من ألمانيا تعويضًا لما لحق بها من خسائر بعد الحرب العالمية الثانية، وهي (كالينينغراد)، وقواتها موجودة في بيلاروس، والآن في شرق أوكرانيا؛ ومن ثم يمكنها تطويق الناتو من الشرق، إلى جانب نشر قاذفاتها النووية في سوريا من الجنوب؛ وعليه فقد تم خلق ردع متبادل مع الناتو الذي يريد تطويقها من جميع الاتجاهات.
  • قرار پوتين الاعتراف بكلتا الجمهوريتين، لم يتبعه- كما حدث في شبه جزيرة القرم- ضمهما إلى قوام الاتحاد الروسي؛ وعليه فقد فتح نافذة عبر تصعيد وضغط جديد محسوب للتوصل إلى تفاهم مع الغرب؛ إما بإعلان أوكرانيا نفسها تخليها عن طلب العضوية في الناتو (حسبما سُرب من المبادرة الفرنسية)، وإما بإعلان الناتو عدم وجود نية لضم أوكرانيا إلى الحلف (حسبما تُطالب ألمانيا وعدة دول أوروبية)، وإما بتطبيق اتفاقية مينسك حسب التفسير الروسي، وهو ما يعني سيطرتها فعليًّا على أوكرانيا، وحصول الغرب على مجال نفوذ فيها، ولكنه غير مؤثر في مصالح موسكو.
  • الوجود العسكري الروسي، وإعلان قبول استقلال كلتا الجمهوريتين، يعني هروب الاستثمارات الأجنبية، والسياحة، والتدفقات المالية من أوكرانيا، ومعاناتها بشكل أكبر اقتصاديًّا، وإمكانية انقلاب الشعب على النخبة الحاكمة منذ “ثورة” الميدان الأوروبي عام 2014، التي فشلت في تحقيق جميع وعودها، وفي عهدها فقدت أوكرانيا القرم، ودونيتسك، ولوغانسك، ولم تنضم البلاد إلى الناتو، أو الاتحاد الأوروبي، وتعثر مسار السلام مع روسيا وصولًا إلى صدام مباشر بين الطرفين، وهو ما يسمح لحلفاء موسكو بالعودة إلى الساحة من جديد، واعتبارهم منقذين لأوكرانيا وما تبقى منها.
  • أخيرًا، طرح پوتين أمرًا آخر، وهو ضرورة إلزام كييف باتفاقية بودابست؛ ردًا على التصريحات الأخيرة للرئيس الأوكراني ڤلاديمير زيلينسكي، بشأن إمكانية تخلي كييف عن تلك المعاهدة التي تخص إتلاف أسلحتها النووية، حيث قال پوتين إن ظهورها لدى أوكرانيا سيكون تهديدًا بالنسبة إلى روسيا، وأوضح أن: “ظهور أسلحة نووية تكتيكية لدى أوكرانيا سيمثل تهديدًا إستراتيجيًّا لروسيا، ويجب أخذ هذا الأمر في الحُسبان”. ثم تابع: “تمتلك أوكرانيا منذ زمن الاتحاد السوڤيتي كفاءات نووية واسعة بما فيه الكفاية. ثمة عدة وحدات وصناعات نووية تم تطويرها على نطاق عريض، وبشكل جيد؛ مما يمكنها من إنتاج سلاح نووي بوتيرة أسرع بكثير من الدول التي تقوم بذلك من الصفر”.

يسعى پوتين من خلال هذا القرار إلى تحويل أوكرانيا إلى بلد فاشل، وتحفيز القوميات الروسينية، والمجرية، والتشيكية، والرومانية في الغرب على المطالبة بالاستقلال والانضمام إلى بلدانها الأصلية ما قبل عام 1939، عندما اقتطع ستالين هذه الأراضي من هذه البلدان وضمها إلى قوام أوكرانيا، وذهاب لڤيڤ، عاصمة الغرب الأوكراني، ذات الأغلبية الكاثوليكية والثقافة البولندية، إلى بولندا، وذهاب الشرق الأوكراني، ذي الأغلبية الروسية على الضفة اليمنى من نهر دنيبر، إلى روسيا، وذلك كحل أخير للمشكلة الأوكرانية إذا تعذر التوصل إلى اتفاق مع الغرب، وتحولت أوكرانيا إلى عبء ومشكلة لباقي بلدان أوروبا.