“ميني شنغن” في البلقان.. عوائق كبيرة بقدر الأحلام

وقع زعماء ثلاث دول من البلقان، هي صربيا، وألبانيا، ومقدونيا الشمالية، اتفاقية عُرفت بـ “منطقة البلقان المفتوحة”، أو عرفت بشكل غير رسمي بأنها “ميني شنغن/ شنغن الصغيرة”، وهي إعلان تعاون اقتصادي يضمن الحريات الأربع: حرية حركة السلع، ورءوس الأموال، والخدمات، والأفراد بين الدول الثلاث، على أمل أن تنضم دول أخرى من البلقان إلى الاتفاقية في وقت لاحق.

تعهدت دول البلقان الثلاث بحدود مفتوحة فيما بينها، وإلغاء معظم العقبات، وأهمها الأعمال الورقية غير الضرورية التي تعوق السفر والأعمال بحلول عام 2023، وهذا يلغي فترات الانتظار الطويلة للمسافرين، والأوراق المعقدة للشركات، بالإضافة إلى توحيد أسواق العمل من خلال إصدار تصاريح العمل بسهولة أكبر لمواطني كل دولة في البلدين الآخرين، والقبول المتبادل للدبلومات والمؤهلات الوظيفية، وكل ذلك يجعل القوى العاملة أكثر مرونة، ومتاحة؛ لجذب مزيد من الاستثمار. ولتعزيز هذا الاستثمار سيُعقد منتدى اقتصادي إقليمي بين شركات الدول الأعضاء للتنسيق والتعاون.

وهذا التعاون الاقتصادي الإقليمي هو أحد أهداف ما يسمى بعملية برلين، وهي مبادرة أوروبية مكملة تهدف إلى تعزيز التكامل الأوروبي مع البلقان، وقد أعلن البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، عام 2017، تقديم الدعم المالي المناسب لتشكيل منطقة اقتصادية بدون حواجز تجارية، وتنسيق القوانين مع البلقان من أجل جذب مزيد من الاستثمار.

مميزات منطقة البلقان المفتوحة

وقد استند قادة الدول الثلاث إلى البيانات الأوروبية والدولية، ومُخرجات القمة التى عُقدت فى مدينة تريستى الإيطالية لتطبيق المبادرة الأوروبية لدول البلقان عام 2017، التي تهدف إلى إجراء إصلاحات حتمية فيما يتعلق بمشروعات البنية التحتية فى مجال النقل والطاقة، وأنشطة الدعم الفنى، وتطوير قوانين الاستثمار والمشروعات؛ لذا عبر الرئيس الصربي ألكسندر ڤوتشيتش عن اتفاقية “ميني شنغن” بقوله: “نحن نقوم بذلك من أجل منفعة عظيمة لمواطنينا، ومقتنعون بأن الناس في بلادنا يستحقون مستقبلًا أفضل، ومستويات معيشية أعلى، ومعدل بطالة أقل بكثير”، في حين قال رئيس وزراء ألبانيا إيدي راما: “اجتمع قادة البلقان دون (مرشدي الاتحاد الأوروبي)، لحاجتنا إلى تطوير اقتصاداتنا، وتشجيع وتحسين ظروف حياة جميع المواطنين ونوعيتها.. ولطالما كان هدف البلدان الثلاثة أن تكون جزءًا من الأسرة الأوروبية، لكن يبدو أن هذه الأسرة لديها مشكلاتها الخاصة الآن، ولا يمكن للبلقان أن تبقى رهينة للماضي، أو للخلافات”. وفي السياق نفسه، صرح رئيس وزراء مقدونيا الشمالية زوران زاييڤ: “نرسل رسالة مفادها أن العلاقات السياسية في البلقان أصبحت أكثر مرونة، ولم تعد المنطقة برميل بارود؛ بل منطقة استقرار وتنمية اقتصادية مُكرسة جهودها للتكامل الأوروبي، وتحسين حياة مواطنيها”.

ما يُعطي أهمية لاتفاقية “ميني شنغن” هي أنها تأتي بعدما رفض الاتحاد الأوروبي بدء محادثات الانضمام مع ألبانيا ومقدونيا الشمالية، وهذا ما دفع غالبية دول البلقان أن تُعيد التفكير داخل الإقليم في مسألة الحُريات الأربع: حرية حركة السلع، ورءوس الأموال، والخدمات، والأفراد مع الاتحاد الأوروبي. وقدمت الدول الثلاث الأعضاء في هذه الاتفاقية بعض “التنازلات” من أجل شمول الاتفاقية دول البلقان كلها، وعبر الرئيس الصربي ڤوتشيتش عن هذا أن “الخلافات يجب ألا تكون عذرًا لعدم التعاون”، وقد أكد رئيس وزراء مقدونيا الشمالية زاييڤ أن “الاتحاد الأوروبي لن يحترم دول البلقان إلا وهي مُتحدة، ولو شكليًّا، فيمكن لكل دولة من دول البلقان أن تختار أي جزء من هذه الاتفاقية تريد المشاركة فيه، وفقًا لمصالحها الخاصة”.

لكن لا تكفي النيّات الطيبة في الواقع الجيوسياسي المُعقد للبلقان، فبالرغم من هذه المناشدات للدول الثلاث، فإن البوسنة والهرسك والجبل الأسود قررتا عدم الانضمام؛ لأنهما لا تريان أي فائدة معينة من الاتفاقية، حيث إن تسهيل السفر والتجارة متاح بالفعل من خلال اتفاقية التجارة الحرة في أوروبا الوسطى (Central European Free Trade Agreement – (CEFTA) الأشمل، بالإضافة إلى الاتفاقيات الثنائية بين دول المنطقة. في حين اتخذت كوسوفو موقفًا أكثر تشددًا إزاء اتفاقية “ميني شنغن”، ومثلت عودة رئيس وزراء كوسوفو السابق، ألبين كورتي، إلى السلطة مجددًا توترات مع صربيا، لا سيما مع رغبة الأول في نفي ما قد تعهد به رئيس وزراء كوسوفو السابق عبدالله هوتي بشأن الانضمام إلى الاتفاقية كجزء من اتفاق وُقِّعَ في وثائق منفصلة مع الرئيس الصربي ڤوتشيتش برعاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب في واشنطن، في سبتمبر 2020.

عوائق اتفاقية ميني شنغن

لذا ستواجه اتفاقية “ميني شنغن” التي ينظر إليها أنصارها على أنها وسيلة لإطلاق العنان للتعاون الإقليمي والاستثمار كثيرًا من العوائق، أبرزها:

  1. العضوية، فالشمولية هي ضمان نجاح هذه الخطوة، لكن بدون انضمام دول أخرى، ومنها كوسوفو، المتاخمة لمقدونيا الشمالية، وصربيا، وألبانيا، لن تقدم المبادرة سوى صيغة ثلاثية لحل القضايا الثنائية.
  2. خلل التنافسية، فصربيا هي الاقتصاد الأكثر تنافسية، وإحدى أكبر أسواق البلقان، وهذا سيجعلها تحصد فوائد ومكاسب أكبر من غيرها؛ مما يطرح سؤالًا إشكاليًّا: لماذا يجب على ألبانيا ومقدونيا الشمالية- أو دول البلقان الأخرى- الاشتراك مع اقتصاد كبير يمكنه ابتلاع الاقتصادات الأصغر، أو الأقل تنافسية؟
  3. المخاوف الأمنية التي تتعلق بالقوى الأطلسية، حيث ينظر الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى أن “ميني شنغن” وقوانينها المشجعة للاستثمار الأجنبي غير المربوط بالمؤسسات الأطلسية، والاتفاقات الحدودية والأمنية غير المرتبطة بالاندماج مع الاتحاد الأوروبي، قد تستغلها روسيا والصين في محاولة لاختراق أسواق دول البلقان، والتدخل في شؤونها.

رغم العوائق الجدية، والمخاوف والتساؤلات المشروعة لدول البلقان عن هذه الاتفاقية المسماة “ميني شنغن”، فإن محاولة تكرار مشروع الاتحاد الأوروبي في تلك المنطقة قد يؤدي إلى تغيير شامل، ليس فقط في العوائد المالية، والمنافع الاقتصادية؛ بل في المواقف السياسية التي شهدت عدوانية وتصلبًا في كثير من الأحيان، فعلى سبيل المثال، قد تُلزم “ميني شنغن” صربيا بأن تؤدي دورًا أكثر إيجابية مع كوسوفو، وقد تُدفَع الأخيرة إلى الجلوس إلى طاولة الحوار؛ ما سيكون إظهارًا للقدرة الحقيقية على التعايش المشترك، وتجاوز الماضي؛ نتيجة وجود تنسيقات، ومكاسب اقتصادية وأمنية لجميع الأطراف.  

استنتاجات

  • تجربة “ميني شنغن” تُعطي أملًا مثاليًّا، لكن لا ضرر من المثالية أحيانًا لتجاوز خلافات الماضي، وبناء صيغة تعايش.
  • تجربة “ميني شنغن” في حال نجاحها ستدفع مناطق جغرافية أخرى إلى العمل على بناء صيغ تعاون وتكامل اقتصادي وأمني مشترك.
  • الاعتماد على الطاقات الداخلية للدول بدلًا من الارتهان بأبواب الاتحاد الأوروبي، أو قوى أخرى، والتنسيق الإقليمي القائم على إدراك حقيقي للجغرافيا والتاريخ، يثبتان يومًا بعد يوم أن تجاهلهما لا يؤدي إلى صيغ تعايش؛ بل إلى تأجيل للمشكلات فقط، وأن أفضل وسيلة للحل هي المواجهة بين الفرقاء.
  • تجربة “ميني شنغن” قد تشكل نموذجًا أكثر واقعية وقربًا إلى العالم العربي، وقد يجد الأخير فيها بعض حلول لأزماته السياسية، والأمنية، والاقتصادية.