موقف اليهودية التقليدية من الأيديولوجية الصهيونية

الصراع غير المقدس على الأرض المقدسة

ابتداءً من القرن السابع عشر، نشأت فكرة إعادة توطين اليهود في الأرض المقدسة، ونضجت في أذهان البروتستانت الإنجليز والأمريكيين، الذين اعتقدوا أن هذا من شأنه أن يعجل بالمجيء الثاني للمسيح.

أصول الصهيونية

وضع تيودور هرتزل، المجري ذو الأصول اليهودية (1860-1904)، الذي كان علمانيًّا، وبعيدًا كل البعد عن الدين، فكرة إنشاء وطن قومي لليهود داخل قالب سياسي، وجذب إليها مجموعة من اليهود. مع ذلك، ظلت الصهيونية مجرد حالة هامشية داخل الأوساط اليهودية، يتم تناولها ونقاشها في إطار مجموعة محدودة من البرجوازيين والمثقفين ذوي المكانة الرفيعة في أوروبا الوسطى، ولولا تبنيها ثم قيادتها فيما بعد، من جانب اليهود الروس، الذين كانوا أقل شأنًا بكثير من نظرائهم الأوربيين، ربما لم تكن لتخرج عن ذلك النطاق الضيق؛ لذلك ليس من باب المبالغة الحديث عن التأثير الروسي الكبير في الفكر الصهيوني والمجتمع الإسرائيلي الممتد حتى اليوم.

كان النشطاء اليهود من روسيا هم من أصروا دون غيرهم على أن تكون فلسطين، وليس أوغندا، “الوطن القومي” الجديد لليهود، على الرغم من استعداد هرتزل لقبول هذا العرض من السلطات البريطانية، ليكون نقطة انطلاق لتحقيق الحلم الصهيوني. كما كان هؤلاء الروس أول من اعتبروا أنفسهم من ذوي “الهوية اليهودية”، ولهم- مثل جميع القوميات- الحق في تقرير مصيرهم. (لا يزال مفهوم “القومية اليهودية”، الذي استُخدِم أيضًا في الاتحاد السوڨيتي، يشكل حجر الزاوية في الهيكل الصهيوني للدولة الإسرائيلية). لقد أصبحوا أول المستوطنين الزاهدين الذين أنشأوا مجتمعهم المنفصل، دون أن يحاولوا حتى الاندماج في عالم اليهود والمسلمين والمسيحيين الذين عاشوا في فلسطين في ذلك الوقت، فقد شكلوا- اقتداءً بتجارب الاستعمار الاستيطاني الأخرى- الهيكل السياسي والمفاهيمي القائم على فكرة التطور المنفصل، الذي لا تزال الدولة الإسرائيلية قائمة عليه حتى اليوم.

مع مرور الوقت، نشطت المقاومة اليهودية للصهيونية، وأصبحت كذلك أكثر نشاطًا في روسيا. ويثير مفهوم “الهوية اليهودية” المذكور أعلاه، الذي يحل محل الهوية الدينية التقليدية لليهود اعتراضًا خاصًا لدى معارضي الصهيونية.

أهداف الحركة الصهيونية

بشكل عام، أحد أهم أهداف الأيديولوجية الصهيونية، خلق عرقية معينة، أو شعب، أو طائفة من المجتمع الروحي لليهود، وهو ما عارضه كبار الحاخامات والمفكرين في كل من روسيا والخارج، معتبرين أن هذه الخطة ليست خطيرة وغير إنسانية فحسب؛ بل تتعارض بشدة مع التقليد الديني اليهودي كله.

تقوم دولة إسرائيل على أيديولوجية القومية العرقية التي نشأت في القرن قبل الماضي في وسط أوروبا وشرقها. لحل “القضية اليهودية” التي كانت متأصلة في أوروبا، تم خلق نسختها “اليهودية”، على غرار القومية الألمانية، أو البولندية، وذلك عبر الصهيونية؛ ونتيجة لذلك تم تشكيل دولة وفقًا للأنماط الأوروبية على أراضي فلسطين.

من المعروف أنه في قلب أي شكل من أشكال القومية، يوجد نوع من “المجتمع المتخيَّل” (Imagined Community)، لكن بعض المجتمعات يتجلى اصطناعها بوضوح من الوهلة الأولى. اعتمدت القومية العرقية في أوروبا على السكان المحليين، ولغتهم، وثقافتهم، وكان هدفها إنشاء الدولة القومية وحمايتها. أما الصهيونية فقد تميزت بأن مُنظّريها اختلقوا “شعبًا يهوديًّا” واحدًا من خلال مجموعات بشرية منتشرة في جميع أنحاء العالم، لا يجمعهم شيء سوى الدين، “يتحدثون لغات مختلفة، وتتباين لديهم الآداب، والموسيقى، وثقافة الطعام”.

أهداف الخطة الصهيونية

لم يكن على الصهاينة، الذين انفصلت الغالبية العظمى منهم عن الدين، واحتقروا اليهودية، أن يشكلوا ويغرسوا في اليهود وعيًا قوميًّا علمانيًّا مستحدثًا عليهم على غرار النمط الأوروبي فحسب؛ ولكن أيضًا أن يجعلوا لهم لغة مشتركة. باختصار، كانت الخطة الصهيونية هي صناعة حركة قومية لها أربعة أهداف رئيسية:

  1. خلق تحويل في الهوية الدينية التي تتجاوز الحدود الوطنية وتقوم على التوراة والوصايا، لتصبح هوية وطنية مقبولة في أوروبا.
  2. إنشاء لغة مشتركة على أساس لغة التوراة والكتابات اللاهوتية، وهي العبرية.
  3. إعادة توطين اليهود في فلسطين.
  4. فرض السيطرة السياسية والاقتصادية على فلسطين.

إذا كان هدف القوميين البولنديين أو المجريين يكمن في السيطرة السياسية والاقتصادية على بلدهم فحسب، فقد كان هدف الصهاينة يكمن في محاولتهم حل جميع المشكلات الأربع في وقتٍ واحد؛ لذا كانت مهمتهم أكثر صعوبة.

كانت هذه الأفكار جديدة على معظم اليهود، فقد كتب المفكر المصري البارز ومترجم التوراة إلى العربية، الحاخام سَعْدِيا غاون (سعيد بن يوسف الفيومي) (882- 942) “يمكن اعتبار اليهود أمة- كان يكتب بالعربية، واستخدم كلمة (أمة)- فقط لأنهم يقدسون التوراة ووصاياها؛ لذلك قوبلت الصهيونية- التي تعد حركة ثورية تعمل بخطى ثابتة على اقتلاع اليهود من جذورهم التاريخية في محاولة لإنشاء مجتمع جديد- في البداية بالمعارضة من اليهود أنفسهم”.

موقف اليهود من الصهيونية وإسرائيل

اليوم، تبدو المقاومة اليهودية للصهيونية متناقضة بالنسبة إلى الكثيرين؛ لأن الناس غالبًا ما يخلطون بين اليهود والصهاينة، واليهودية والصهيونية، والتقاليد اليهودية العريقة واليهودية القومية الحديثة، ومصالح دولة إسرائيل ومصالح اليهود في جميع أنحاء العالم. بما أن هذا الخلط يعد جزءًا من الأيديولوجية الصهيونية، فإنه من الضروري عند الحديث عن إسرائيل التمييز (أي التفريق الواضح) بين المفاهيم التالية: (الصهيونية واليهودية، وإسرائيل كدولة وكبلد وكأرض مقدسة، ويهود إسرائيل ويهود باقي العالم، والإسرائيليون اليهود وغير اليهود، والصهاينة المسيحيون والصهاينة اليهود)، وأخيرًا (مناهضو الصهاينة المسيحيون واليهود). وفقًا لأستاذ الفلسفة في جامعة تل أبيب يوسف أغاسي، فإنه عندما تدعى دولة إسرائيل بأنها “يهودية”، يحدث خلط حقيقي وخطير جدًا بين مفهوميّ الدين والجنسية.

إن فكرة إعادة توطين اليهود في أرض الميعاد هي فكرة بروتستانتية الأصل، حيث تحمل كلمة “العودة” في التقليد اليهودي معنًى مختلفًا تمامًا، ولها أهداف مختلفة؛ “فهي جزء من إعادة تنظيم جذرية مسيانية للعالم، وليست قرارًا بالانتقال إلى الأرض المقدسة”. رفض معظم اليهود في بداية القرن العشرين فكرة الصهيونية الغريبة عن الوعي اليهودي، التي لم تظهر في الأوساط البروتستانتية فقط؛ بل تم الترويج لها ترويجًا رئيسيًّا كذلك من الملحدين واللاأدريين من ذوي الأصول اليهودية.

أسباب المقاومة اليهودية للصهيونية

هناك عدة أسباب للمقاومة اليهودية للصهيونية. فالمصادر اليهودية، خاصة التلمود، تحذر اليهود من أي محاولات للعودة الجماعية إلى الأراضي المقدسة، لا سيما دون موافقة السكان المحليين. اعتبر اليهود الذين كان معظمهم متدينًا آنذاك، الصهيونيةَ بدعة راديكالية اختلقها الملحدون الذين كان هدفهم تدمير هوية ما أسماه سَعْدِيا غاون بـ “الأمة”. كما كانت الحركة الصهيونية ذات طابع أوروبي بحت، ولم تجد لها أي دعم تقريبًا من يهود دول آسيا وإفريقيا. وحتى في أوروبا، كانت الدعوة الصهيونية إلى “العودة إلى الوطن” تشبه كثيرًا شعارات الفاشيين الأوروبيين، الذين لم يعتبروا اليهود جزءًا من الأمة الفرنسية أو الألمانية، وكانوا يصرخون في وجهوههم “أيها اليهود، ارحلوا إلى فلسطين!”.

وفقًا للفيلسوف يشعياهو ليبوڤيتش (1903-1994) العالِم الإسرائيلي ومفسر التوراة: “نشأت فجوة لا تزال تنمو في إسرائيل حتى اليوم، وهي الفجوة بين اليهودية كقومية واليهودية كديانة”. هذا الاختلاف- اليهودية كقومية واليهودية كديانة- ظهر في روسيا في القرن التاسع عشر.

اليوم، يعد هذا الاختلاف طبيعيًّا جدًا في اللغة الروسية، إلى درجة أنه مذكور في بداية مقالة كتبت عن اليهود على “ويكيبيديا” الروسية. إضافة إلى ذلك، ونظرًا إلى أن اليهود من الإمبراطورية الروسية هم أول من استعمر فلسطين وأقام فيها المستوطنات الصهيونية على تخوم القرنين التاسع عشر والعشرين، يبدو أنهم هم من أدخلوا هذا الاختلاف في اللغة العبرية الحديثة، حيث أصبحت كلمة ” إيڤري” تعني يهوديًّا جديدًا، و”إي- أودي” تعني بالروسية يهوديًّا تقليديًّا (أي يراعي التعاليم الدينية). من الجدير بالذكر أنه لا يوجد هذا الاختلاف في اللغات الأخرى، كما لا يوجد مفهوم “القومية اليهودية”. لكن مع مرور الوقت فقدت كلمة “إيڨري” معناها الثوري، وصيغ المصطلح الإسرائيلي “ليوم يهودي” لهذا المفهوم؛ مما يعكس حدوث خلط متعمد في المفاهيم؛ فالأيديولوجية الصهيونية تعتبر أي يهودي- شاء أم أبى- إسرائيليًّا محتملًا.

منذ بداية الاستعمار الصهيوني لفلسطين، أدان كثير من القادة اليهود الازدراء الذي تعامل به القادمون الجدد مع السكان المحليين، حتى إن أحد منظري الصهيونية البارزين من أوديسا، آشر جيرش جينسبيرج (1856-1927)، الشهير بآحاد هعام (Ahad Ha’am) أو (“رجل الشعب”)، بعد إحدى زياراته لفلسطين، عبَّر عن غضبه من معاملة المستوطنين الصهاينة للعرب على أنهم همج، أو يكادون يكونون بهائم. بعد ذلك، شعر بالمعاملة نفسها اليهود القادمون من البلدان الإسلامية الذين وصفتهم عالمة السياسة الشهيرة والأستاذة في جامعة نيويورك إيلا شوحط (Ella Shohat)، بـ “ضحايا الصهيونية من اليهود”. ويعد هذا أحد مظاهر الاستشراق التي تناولها في كتابه بدقة أستاذ جامعة كولومبيا إدوارد سعيد (1935-2003).

أخيرًا، كان كثير من اليهود- ولا يزالون- مستائين من استخدام العنف والتهجير الذي تقوم عليه دولة إسرائيل. وفي عام 1948، عام الإعلان الأحادي الجانب عن قيام الدولة الإسرائيلية في فلسطين، حذرت حنة أرندت (Hannah Arendt)، (1907- 1995)، أعظم مفكرة سياسية في القرن العشرين، وكانت يهودية هربت من ألمانيا إلى الولايات المتحدة، وناشطة صهيونية سابقة، حذرت من أنه: “حتى لو انتصر اليهود في هذه الحرب… سيجد المنتصرون أنفسهم محاصرين بسكان عرب معادين، ومحاصرين داخل حدودهم تحت تهديد دائم، وفي قلق مستمر بشأن الأمن”.

صارت سياسة القوة الإسرائيلية سببًا رئيسيًّا للانقسامات داخل المجتمعات اليهودية، وداخل الأسر كذلك. بالنسبة إلى كثير من اليهود، حلت إسرائيل محل الله والتوراة والوصايا، وفي حين أنهم يعيشون في جميع أنحاء العالم إلا أنهم لا يصرفون أنظارهم عن هذا الكيان السياسي، وعلى الرغم من توفير الدعم الأخلاقي والسياسي والاقتصادي غير المشروط لإسرائيل، فإنه ليس لهم أي تأثير في سلوكها؛ لذا فإن أعمال العنف التي غالبًا ما تتعرض لها الجاليات اليهودية من جانب أولئك الذين يغضبون من أفعال إسرائيل هي أعمال غير عادلة تمامًا. ولسخرية القدر أصبحت الدولة الإسرائيلية التي من المفترض أنها أقيمت لحماية اليهود مصدرًا للخطر عليهم في الواقع.

في الوقت نفسه، فإن كثيرًا من اليهود، وخاصة الشباب، وبعضهم أبناء وأحفاد لصهاينة حتى النخاع، لا يدينون إسرائيل علنًا لقمع ملايين الفلسطينيين وطردهم فحسب؛ بل أيضًا يشاركون بنشاط في الاحتجاجات وحملات مقاطعة إسرائيل. تعد فكرة “الدولة اليهودية” في ذاتها غريبة بالنسبة إلى الكثيرين، حيث إنها تجسد التمييز العرقي والديني غير المقبول لديهم. كما يوجد هذا الانقسام في إسرائيل أيضًا، مع أن المجتمع الإسرائيلي بشكل عام- كما توقعت أرندت- يتحول بثبات إلى اليمين، ويتحرك نحو “الفصل العنصري والفاشية”، وذلك بحسب رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، أو الرئيس الإسرائيلي الحالي إسحاق هرتصوغ على سبيل المثال. ووفقًا لاستطلاعات الرأي، فإن موقف الأغلبية غير العربية من سكان إسرائيل يتدهور تجاه العرب من عام إلى آخر.

على عكس اليهودية، التي تعد واحدة من أقدم الديانات في العالم، فإن الصهيونية حركة سياسية حديثة، وكثيرًا ما تستخدم المصطلحات الدينية. وفي هذا الصدد، أشار العالم الإسرائيلي أمنون راز كروكوتسكين ساخرًا: “باختصار، فإن مطالباتنا بإسرائيل تتمحور في أن الله ليس موجودًا، ولكنه قد وعدنا بهذه الأرض”.

بعد مضي أكثر من قرن على الوجود الصهيوني في فلسطين، بدأت القومية العلمانية المتأصلة في الصهيونية في العقود الأولى، تتلاشى الآن. في غضون ذلك، تتنامى حركة اليهودية القومية، التي يحاول أتباعها تأصيل الصهيونية في الاستمرارية الروحية اليهودية. ويعدًّ أتباع اليهودية القومية الصهيونيةَ أنفسهم “تعبيرًا عن الإرادة الإلهية”.

في الوقت الحالي، يشكل أنصار القومية اليهودية الأقلية الأكثر نشاطًا من الناحية السياسية في إسرائيل، وهم الذين يسكنون الأراضي المحتلة منذ عام 1967، ويقفون في طليعة القومية اليمينية. نذكر منهم نفتالي بينيت الذي تولى منصب رئيس وزراء إسرائيل في صيف عام 2021. وبالمناسبة، هو أول رئيس وزراء ليست لديه أصول روسية؛ حيث إن جميع قادة إسرائيل من دافيد بن غوريون (1876-1973) إلى نتنياهو- هم وآباؤهم- قد ولدوا داخل الإمبراطورية الروسية. كما طرأت التغييرات أيضًا على يهود الحريديم الذين غالبًا ما يُطلق عليهم في المصادر الغربية “الأرثوذكس المتطرفون”. مع أنهم يشكلون الهيكل الأيديولوجي للمقاومة اليهودية للصهيونية على مدار أكثر من قرن، فإن استطلاعات الرأي العام كشفت عن آراء كثير منهم المعادية للعرب في الحياة الواقعية. في الوقت نفسه، لا يخدم معظمهم في الجيش أو الشرطة؛ ومن ثم لا يشاركون في القمع الممنهج للفلسطينيين.

 التأثير الخارجي وحدوده

تشتهر إسرائيل بديناميكيتها في الاقتصاد، والتكنولوجيا، والشؤون العسكرية، وكثير من المجالات الأخرى. ومع ذلك، فإن سياستها تجاه السكان الفلسطينيين المحليين تتسم بثبات تُحسد عليه. إضافة إلى ذلك، يتجنب مؤسسو الصهيونية العالمية، وكذلك قادة الدولة فيما بعد، التحديد الدقيق للحدود التي يطالبون بها. هذا بالضبط ما فعلوه خلال المفاوضات مع القوى العالمية بشأن إنشاء دولة إسرائيلية منفصلة.

أثبت هذا التكتيك فعاليته، وفي مايو (أيار) عام 1948، عندما أُعلِن قيام دولة إسرائيل ضد إرادة غالبية سكان فلسطين وجميع البلدان التي تقع على حدودها، لم تُرسَم حدودها. إن التوسع في الأراضي متأصل في كل التاريخ الإسرائيلي، بحيث إن حدودها، مثل الحدود الأمريكية، تتغير باستمرار، إلا أن هذا الاستيطان للأوروبيين في أمريكا لم يقتصر على ذلك. في كلتا الحالتين، يحاول القادمون الجدد احتلال أقصى مساحة من الأراضي، والتقليل- بقدر الإمكان- من عدد السكان المحليين الذين يعيشون عليها.

تقاوم إسرائيل الضغط الخارجي بنجاح؛ لأنه على عكس جنوب إفريقيا في الماضي، انتهاكاتها غير مصحوبة بأي عقوبات؛ لذلك فإن قرارات الأمم المتحدة الكثيرة، وإدانات منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك اليهودية، ليس لها تأثير ملموس في إسرائيل. بالإضافة إلى ذلك، يزداد الغرور في خطابات الدبلوماسيين الإسرائيليين؛ بل العدوانية في كثير من الأحيان. يمكن اعتبار الاستثناء الوحيد هو الموقف الذي نسيه الكثيرون، والذي يعود إلى أحداث حرب السويس عام 1956، عندما سحبت إسرائيل، بضغط من الولايات المتحدة والاتحاد السوڨيتي، قواتها من الأراضي المصرية المحتلة. كما انسحبت إسرائيل من الأراضي المصرية نتيجة إبرام معاهدة سلام مع مصر. لكن إسرائيل تواصل استيطان الأراضي الفلسطينية، مما يلغي عمليًّا احتمال تحرير هذه الأراضي. كان القادة الإسرائيليون قادرين ليس فقط على الدفاع بمهارة عن مواقفهم؛ ولكن أيضًا على الهجوم. وبتأثير من إسرائيل وحلفائها المحليين، أصدر كثير من الدول قوانين تحظر ليس فقط مقاطعة البضائع الإسرائيلية؛ بل انتقاد الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، تحت ستار محاربة معاداة السامية.

لا شك أن التاريخ يأخذ منعطفات غير متوقعة، ولكن في الوقت الحالي، تقيم إسرائيل، الواثقة بقدراتها، والمتطورة اقتصاديًّا، والمتقدمة تقنيًّا، تعاونًا مع حكومات كثير من الدول، دون الخوف من إجراءات جادة من “المجتمع الدولي” الذي تتحكم فيه- إلى حد كبير- الولايات المتحدة. كما تتعاون إسرائيل بنشاط مع روسيا والصين اللتين تقاومان هذه التحكم الأمريكي، في كثير من المجالات، بما في ذلك مجال التكنولوجيا العالية. إن المجمع الصناعي العسكري القوي لإسرائيل الذي ينتج ويشغّل الأسلحة النووية والتقليدية يسمح لها بالسيطرة على منطقتها. وفقًا للخبراء، لا يمكن لأي جيش عربي، ولا للجيوش العربية مجتمعة، مواجهة القوات المسلحة الإسرائيلية.

تعتمد دولة إسرائيل على الدعم السياسي والاقتصادي من الدوائر الحاكمة في كثير من الدول. على سبيل المثال، بعد بضعة أشهر من الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة في شتاء 2008- 2009، الذي أسفر عن مقتل 1400 فلسطيني و9 إسرائيليين، تم قبول إسرائيل بالإجماع عضوًا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي منظمة من الدول التي تعترف بمبادئ الديمقراطية واقتصاد السوق. ولم يكن للاتهامات التي وجهها خبراء الأمم المتحدة إلى إسرائيل بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان وجرائم حرب خلال الهجوم، أي تأثير في نتائج التصويت في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. بعد بضع سنوات، دعمت الدول الغربية إسرائيل مرة أخرى من خلال إغلاق المجال الجوي والبحري أمام دعاة السلام من مختلف البلدان، الذين حاولوا السفر إلى غزة والضفة الغربية للتعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين، ويستمر هذا الموقف المؤيد لإسرائيل حتى الآن.

إذا كانت إسرائيل قد اعتمدت في بداياتها على المساعدات العسكرية التقنية الأجنبية، فإنها اليوم تعمل بنشاط على تطوير أنظمة أسلحة جديدة وتصديرها، بما في ذلك البرمجيات المتقدمة. كما أصبحت خبرة رجال أجهزة المخابرات المخضرمين وجيش الدفاع الإسرائيلي عنصرًا مهمًّا للتصدير.

أسباب دعم الغرب لإسرائيل

كما تدعم الدول الغربية إسرائيل؛ لأنها تعدُّ المستوطنات التي نشأت منها الدولة في الواقع أوروبية، وأنها تشبه في نواح كثيرة المستعمرات الأوروبية القديمة في القارات الأخرى.  وفيما يخص الشعور بالذنب نتيجة الإبادة الجماعية النازية التي تعرض لها اليهود- الذي يبرر به البعض هذا النهج المتسامح- فإنه اليوم يؤدي دورًا أقل من دور مصالح الغرب الإستراتيجية التي تمثلها إسرائيل في المنطقة. تعد إسرائيل بالنسبة إلى الإستراتيجيين العسكريين الأمريكيين “حاملة طائرات غير قابلة للغرق”. إضافة إلى ذلك، من الناحية الأيديولوجية، تعلن إسرائيل عن نفسها مدافعًا عن الغرب ضد التهديدات القادمة من الشرق الإسلامي.

تفضل السلطات الإسرائيلية الاعتماد على الدعم السياسي الخارجي من المسيحيين الإنجيليين الذين لديهم نفوذ كبير في كثير من بلدان العالم، وهم يدعمون إسرائيل من منطلق مشاعرهم الدينية، دون إثارة أسئلة غير مرغوب فيها، على عكس اليهود. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدد الصهاينة من المسيحيين يشكل أضعاف عدد السكان اليهود في العالم. ولا تزال الصهيونية تجد أتباعها الأكثر جدارة بالثقة في البيئة البروتستانتية التي نشأت فيها؛ لذلك فإن “اللوبي الإسرائيلي” في الولايات المتحدة والدول الأخرى لم يعد يهوديًّا، حيث يتضاءل دور اليهود فيه بشكل تدريجي.

الختام

تعد الصهيونية حركة سياسية حديثة، وتشكل الأيديولوجية الأساسية لدولة إسرائيل، وتحديًّا لوجهة النظر اليهودية التقليدية للعالم التي تشكلت عبر آلاف السنين من اعتناق اليهودية، التي تعد أحد أقدم أشكال التوحيد. على الرغم من وجود توجه متزايد في العقود الأخيرة نحو استخدام الخطاب الديني في المجال السياسي، لا سيما بين أتباع اليهودية القومية، لا ينبغي الخلط بين الصهيونية بوصفها أيديولوجيا واليهودية بوصفها ديانة، ولا ينبغي اعتبار كل اليهود صهاينة؛ لأن هناك كثيرًا من الصهاينة المسيحيين في العالم، وهناك اليهود الذين يدخلون ضمن منتقدي إسرائيل، ويؤدون دورًا مهمًّا في ذلك.

الصراع الحالي ليس صراعًا مقدسًا، ولا علاقة له بالدين؛ وإنما صراع على الأراضي والاستيطان، وجزء من الصراع الاستعماري المرتبط بأهداف جيوسياسية واقتصادية.

على الصعيد السياسي، يتجه المجتمع الإسرائيلي إلى اليمين. ويعلن قانون القومية الذي صدر عام 2018 سيادة اليهود صراحةً. تصنف إسرائيل نفسها على أنها “دولة للشعب اليهودي”، وليست دولة لجميع مواطنيها. إنها تحظى بإعجاب القوى اليمينية في كثير من دول العالم، وتجذب إليها هذا النوع من اليهود القوميين. وفي الوقت نفسه، فإن الشباب اليهود الإسرائيليين الذين يرفضون هذا التوجه “يصوتون بأقدامهم” على رفض هذا النهج، عبر الهجرة إلى دول أخرى.

لم تسفر المحاولات الخارجية لجعل سياسة إسرائيل أكثر انفتاحًا تجاه الفلسطينيين عن نتائج ملموسة. كما أن إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول العربية لم يحسن من موقف الفلسطينيين. عمليًّا، كان السلام قائمًا بين إسرائيل وجميع الدول العربية منذ عدة عقود، لكن هذا النوع من السلام هو غياب للحرب أكثر من كونه تعايشًا سلميًّا لشعوب هذه البلدان. أما فيما يخص الخطوات الأخيرة للسلام، ومدى نجاحها في خلق اختراق وتعاون لأنها تعتمد على روابط اقتصادية قوية مع عدة جهات إسرائيلية، فهو ما سيظهره الوقت، وما إذا كان هناك سبيل لنجاح هذا النوع الجديد من العلاقات، ومدى تأثيره في تخفيف التوترات المزمنة في المنطقة.

المشروع الصهيوني قائم على الاستيطان، وليس مجرد نهب خيرات الشعوب والسيطرة عليها كما كانت الظاهرة الاستعمارية الغربية، وعليه يظل بقاء الفلسطينيين على أرضهم أعظم مقاومة لإفشال هذا المشروع، وهو ما يتطلب حنكة من القيادات الفلسطينية في التوحد، وخلق الظروف الملائمة لعدم هجرة الشباب والكفاءات الفلسطينية، ومع الوقت، وأمام سياسات الاستيطان الإسرائيلية المتنامية، سيدرك الجميع أنه لا حل عسكريًّا لهذا الصراع، وأن التعايش في دولة واحدة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط، هو سبيل النجاة للجميع، أو ستدفع إسرائيل باتجاه حل الدولتين لضمان عدم خسارتها معركة الديموغرافيا أمام الفلسطينيين.

كما يتضح من الشرح السابق، الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لا علاقة له بالدين، ولا اليهودية، وكل محاولة لجعله صراعًا على أسس دينية من بعض الأطراف الفلسطينية أو الإقليمية، يخدم فقط وحصرًا دعاة الصهيونية القومية والدينية، ويدفع يهود العالم الذين باتوا أكثر من ينتقد السياسات الإسرائيلية إلى دعمها، بجانب الطوائف البروتستانتية من أتباع الصهيونية المسيحية، ويجلب لإسرائيل التعاطف والدعم الدولي، ويعزز من دعايتها بأنها تمثل حائط صد أماميًّا لحماية الغرب من “التمدد” الإسلامي، وقوى التطرف التي ستندفع بعدها نحو أوروبا.

 

ما ورد في المقالة يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير.