المحاولات الإيرانية لاختراق منطقة البلقان

تتمتع منطقة البلقان بتاريخ طويل من كونها ملعبًا لتنافس القوى الدولية، وبينما تم توجيه التركيز الإعلامي والأكاديمي الرئيسي على صراعات النفوذ (الروسية، والصينية، والأطلسية الأمريكية)، لم تحظَ إيران ومصالحها في هذه المنطقة بكثير من الاهتمام، مع أن طهران تسعى- منذ عقود- إلى إيجاد موطئ قدم لها داخل أوروبا.

يعزز الوجود الإيراني في البلقان عوامل ضعف دوله، مثل انعدام الثقة بين الفرقاء المحليين في السلطة، وقلة الاهتمام الدولي، والمشكلات المتعلقة بتبادل المعلومات الأمنية والاقتصادية. تهدف إيران إلى الاستفادة من عوامل الضعف هذه لتستغل الموقع الاستراتيجي للمنطقة، الذي يمثل جسرًا بين أوروبا وآسيا، ومنصة للعلاقات الإيرانية مع وسط أوروبا وغربها.

تاريخ علاقة دول البلقان مع إيران

خلال الحكم الشيوعي لدول البلقان، لم تكن هناك علاقات دبلوماسية فعالة مع شاه إيران، لكن مع قيام الثورة الإسلامية عام 1979، والإطاحة به، دعمت بعض هذه البلدان الشيوعية الثورة وزعيمها آية الله الخميني، وكان أبرز الداعمين لها الزعيم الشيوعي لألبانيا أنور خوجة، لكن سرعان ما توقف هذا الدعم مع ظهور الأولوية الأولى لمنظري النظام الإسلامي؛ وهي محاربة الفكر الشيوعي في إيران، وانتهى الصراع الداخلي بتشويه سمعة الشيوعيين، وإخراجهم من المشهد السياسي. في هذه الأثناء لم يُبد النظام الإسلامي الجديد في طهران اهتمامًا بإقامة أي علاقات دبلوماسية أو ثقافية مع دول البلقان.

بعد تسعينيات العقد الماضي، وانهيار الاتحاد السوڤيتي، وتفكك يوغوسلاڤيا، افتتحت طهران سفارة لها في العاصمة الألبانية تيرنا، وركزت توجهها السياسي والاقتصادي والعسكري الرئيسي على دولة البوسنة والهرسك، وبنت علاقات قوية مع الزعيم البوسني المسلم علي عزت بيغوڤيتش، وجماعته الإسلامية (الشباب المسلم)، ووفرت هذه الصلات دعمًا عسكريًا إيرانيًا للمسلمين البشناق خلال حرب البوسنة.

سبق هذه الأحداث، وبالتحديد عام 1982، ذهاب كثير من مساعدي عزت بيغوڤيتش إلى إيران لدراسة العلوم الدينية، وساهموا في تأسيس حزب العمل الديمقراطي (SDA) تحت قيادته، وكانت طهران أول وجهة خارجية له حينما كان يستعد للانتخابات التي من شأنها أن تُنهي الشيوعية رسميًّا في يوغوسلاڤيا، وذلك في مايو (أيار) 1991. سرعان ما اندلعت الحرب في البوسنة والهرسك، عام 1992، وتم دعم البوشناق المسلمين (السنة) في غالبيتهم الساحقة، بالسلاح والخبراء العسكريين بشكل أكثر ثباتًا من إيران (الشيعية)، متجاهلة الفروق المذهبية. وهذا يعني أن إيران تسعى إلى تعزز نفوذها الجيوسياسي، بعيدًا عن وجهة النظر الضيقة للفكر النظري الإسلاموي، الذي يمكن أن تستخدمه في حالات أخرى إذا خدم قضيتها القومية الرئيسية، فكان الدعم لمسلمي البوسنة والهرسك يمثل التوجه الإيراني الجيوسياسي في البلقان وأوروبا.

في أبريل (نيسان) 1994، أعطى الرئيس كلينتون ضوءًا أخضر لطهران لانتهاك حظر توريد الأسلحة لأطراف النزاع، لكي يغلق الفجوة بين سراييڤو  والنظام في بلغراد، أدت طهران المُهمة، لكنها بدأت أيضًا بإنشاء بنيتها التحتية الخاصة للبقاء في البلقان بعد فترة طويلة من الحرب، وبعد 10 أيام فقط من هذا الضوء الأخضر، عينت طهران أول سفير لها في سراييڤو، وهو محمد طاهريان، الذي عمل سفيرًا لإيران في أفغانستان عندما كانت تنقل المساعدات والأسلحة إلى المتمردين الأفغان (خلال الحرب مع السوڤييت في الثمانينيات).

تشير معلومات استخباراتية مفصلة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية أنه في غضون أسابيع من قرار كلينتون، تدفق مئات من مقاتلي الحرس الثوري الإيراني ومدربيه إلى البوسنة، كما رصدت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة- لأول مرة- وحدة تابعة للحرس الثوري الإيراني بقيادة مستقلة على الأراضي البوسنية.

بعد انتهاء الحرب عام 1995، كان ثلثا الأسلحة التي سُلِّمت للبوشناق مقدمة من إيران؛ لذا بدأت الدول الغربية بالضغط على السلطات البوسنية لقطع العلاقات معها، لكن فك الارتباط لم يكن بهذه السهولة، وإن توقفت الأنشطة العسكرية، فإن أنشطة الإيرانيين استمرت في مجال الثقافة والتعليم.

استخدام إيران للقوة الناعمة في منطقة البلقان

منذ ذلك الوقت، توسعت إيران في استخدام القوة الناعمة تجاه منطقة البلقان، عبر المعاهد الثقافية والبحثية التابعة لها، مثل (المركز الثقافي الإيراني في العاصمة سراييڤو، ومعهد ابن سينا للأبحاث، ومؤسسة ملا صدرا)، ومن الصعب إعطاء بيانات دقيقة عن مدى فعالية هذه الأنشطة، كما أن عدد المسلمين الشيعة في البوسنة والهرسك غير معروف رسميًّا، إلا أن بعض الجهات قدرته بين عامي 2008و2009 بين (15.200 – 23.400)، وهو ما يشكل 0.5 ٪ من السكان.

تولي إيران اهتمامًا خاصًا لدول مثل ألبانيا وكرواتيا وبلغاريا؛ لعضويتها في الناتو، ويبذل الإيرانيون جهودًا لاستخدام التراث الإسلامي الفارسي لإنشاء روابط ثقافية بين إيران والبلقان؛ ومن ثم توسيع نفوذهم الثقافي، لكن بحكم الواقع، لم يكن الإسلام عاملا قويًّا في هذه البلدان، أي لا يوجد عنصر ديني في الادعاءات السياسية هناك. بالنسبة إلى الألبان، فالهوية الدينية لها أهمية ثانية، على عكس مسلمي البوسنة، حيث تمكن الألبان مِن تكوين وعي قومي به كثير من العناصر العلمانية منذ بداية القرن العشرين.

استثمرت إيران في ألبانيا في المجالات الإسلامية مطلع التسعينيات، وأسست مؤسسة سعدي شيرازي الثقافية، بصفتها ممثلاً لمنظمة الثقافة الإسلامية. كما طوّرت عدة أنشطة ثقافية مهمة، وأقامت تعاونًا كبيرًا مع المثقفين الألبان من العلماء والأكاديميين، إلى جانب مؤسسة “القرآن”، التي نظمت دورات لتعليم القرآن في مختلف مساجد المدن الألبانية، ودورات للأئمة الألبان. بالإضافة إلى ذلك، نشرت هذه المؤسسة كتبًا عن تفسير القرآن من منظور السردية الشيعية.

موقف المعارضة الإيرانية تجاه ألبانيا

يبقى موقف الإيرانيين في ألبانيا مُعقدًا بسبب وجود أعضاء جماعة مجاهدي خلق المعارضة، ومع تدفق موظفي المنظمات الثقافية والمؤسسات الإيرانية للبلاد، دفع هذا التعقيد السياسي والتهديد الأمني الدولة الألبانية في عام 2019 إلى إغلاق جميع المنظمات الثقافية الإيرانية العاملة في ألبانيا، حتى إن السفير والسكرتير الأول للسفارة الإيرانية أصبحا من الأشخاص غير المرغوب فيهم في تيرانا. منذ ذلك الحين، أصبحت العلاقات دبلوماسية في أدنى مستوى، ولا توجد منظمة ثقافية إيرانية تعمل الآن رسميًّا في ألبانيا.

علاقة إيران مع كوسوڤو من أكثر الأوضاع تعقيدًا في منطقة البلقان، حيث لا تعترف طهران باستقلال كوسوڤو، وتصفها بأنها مشروع أمريكي؛ نظرًا إلى إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية داخل أراضيها. وساهم عدم الاعتراف هذا في تعزيز العلاقات الإيرانية مع صربيا.

بعد نهاية حرب كوسوڤو عام 1999، كثفت إيران أنشطتها في هذا البلد، وفتحت عدة منظمات خيرية وثقافية، إلى جانب كثير من المساجد والمدارس، أبرزها مؤسسة “القرآن”، ومعهد العلوم الإنسانية “ابن سينا”، ومؤسسات (Bregu i Diellit – Prizreni). في يوليو (تموز) 2016، تم وقف أنشطة منظمات المجتمع المدني ذات الصلة بإيران، حيث تتعارض أنشطة هذه المنظمات مع دستور كوسوڤو، كما يدعي مكتب المدعي العام في كوسوڤو أن كثيرًا من هذه المنظمات غير الحكومية حاولت التخلص من مئات المستندات التي تثبت تلاعبها بأموال الفعاليات المختلفة في الفترة من عام 2005 إلى عام 2015.

في 8 مايو (أيار) 2013، عُيّنَ أول سفير إيراني في مقدونيا، ويبدو أنه في مقدونيا- كما في دول البلقان الأخرى، حيث يوجد ممثلون دبلوماسيون لإيران- يركزون إلى جانب الأنشطة الاقتصادية على الجوانب الثقافية الدينية ذات الطابع التبشيري بالمذهب الشيعي. يصف المسؤولون المقدونيون أنشطة إيران بأنها رمزية بحتة، وعامل إيجابي في العلاقات بين البلدين.

خريطة دول البلقان

ينتمي جزء كبير من الأقلية الألبانية التي تعيش في مقدونيا (35 %) إلى الطائفة البِكْتاشيَّة الصوفية، وجدير بالذكر أن قادة هذه الطائفة بدأوا في السنوات الأخيرة بتقديم أنفسهم على أنهم جزء من المذهب الشيعي، حيث يمكن ملاحظة أكبر إنجاز للاستثمارات الثقافية الإيرانية، مع أن نصوص البِكْتاشيَّة القديمة المكتوبة باللغة الألبانية، وكذلك النصوص الكلاسيكية لأعضاء هذه الطائفة، لا تجزم بأنهم كانوا جزءًا من المذهب الشيعي، إلا أن الصراع داخل المجتمع المُسلم الألباني السني أثر سلبًا في الغالب على طائفة البكتاشيين.

كما تظهر عدة اختلافات بين طقوس البكتاشيين ومعتقداتهم وطقوس الشيعة اليوم، فالطريقة الصوفية الألبانية البِكْتاشيَّة لها بنية مغايرة، حيث تمركزت في تركيا عدة قرون، وأصبحت عنصرًا مهمًّا من عناصر الإمبراطورية العثمانية. وكان للبكتاشيين واجبات دينية مهمة تجاه الانكشارية. حتى عام 1826، كان البكتاشيون مُعترفًا بهم من السلطة العثمانية. ولكن عام 1826، قضى السلطان العثماني محمود الثاني، على الانكشارية في ظل سعيه إلى تحديث أنظمة البلاد العسكرية، أسوة بوالي مصر محمد علي باشا، واستولى أعضاء طائفة النقشبندية الصوفية على مؤسسات البكتاشيين. ومنذ تك اللحظة أصبحت أنشطة البِكْتاشيَّة سرية في تركيا، واستمر هذا الوضع حتى عام 1925، مع ظهور الجمهورية التركية العلمانية، وانتقل ثُقل البِكْتاشيَّة إلى ألبانيا.

لذا لا يمكن الجزم بأن البِكْتاشيَّة طريقة صوفية شيعية، ولا يمكن للمرء- بأي حال من الأحوال- التحدث عن هوية واحدة جامعة لكلتا الطائفتين الإسلاميتين، ومع ذلك قد يستثمر النظام الإيراني وجود مشتركات ما مع البِكْتاشيَّة، لتوسيع وجوده في مقدونيا، وبالفعل حاولت إيران إقامة علاقات مع السكان الألبان في مقدونيا، وأنشأت مؤسسة الثقافة والعلوم (GNOSA).

نشرت مؤسسة (GNOSA) كثيرًا من الكتب والمقالات لمؤلفين شيعة إيرانيين، مثل مرتضى مطهري، ومحمد حسين طبطبائي، وسيد محمد رضوي، ويلاحظ في هذه الأعمال الروح الشيعية الواضحة. كما أن ندواتها لا تقتصر فقط على مقدونيا، بل تتمدد إلى كوسوڤو أيضًا، حيث نظمت مؤسسة (GNOSA) عدة ندوات وحلقات دراسية بعنوان “كربلاء والإمام الحسين” في مدينة جياكوڤا، حيث تُفَسَّر أحداث التاريخ ومفاهيمه من منظور الرواية الشيعية؛ وهكذا، فإن أحداثًا مثل كربلاء تفسر على أنها حدث ثوري وسياسي أكثر من كونه حدثًا روحانيًّا تاريخيًّا، مع أن في مناطق البلقان، تُقرَأ هذه الأحداث وتُفسَّر في سياق ميتافيزيقي، لا علاقة له بالسياق الأيديولوجي والطائفي.

من المثير للاهتمام ملاحظة حقيقة أن إيران في مقدونيا كانت نشطة على مستويين مختلفين: مع المواطنين الألبان في هذا البلد طورت أنشطة ثقافية ودينية، ومع الجزء المقدوني كانت لديها علاقات سياسية واقتصادية، وهذا دليل أيضًا على أن الأحزاب والسياسيين الألبان لم تكن لديهم أي مصلحة في الاقتراب من إيران بحكم توجههم نحو التكامل الأوروبي الأطلسي. في غضون ذلك، كان الجناح السياسي المقدوني، وخاصة الأقرب إلى روسيا وصربيا، أكثر انفتاحًا على التعاون مع جمهورية إيران الإسلامية.

أخيرًا، يمكن استنتاج أنه على المدى المتوسط على الأقل، لن يكون التأثير الإيراني في مجتمعات البلقان قويًّا جدًّا. مع أنه تم تأكيد أن منطقة البلقان تشكل جبهة محتملة لأي صراع مستقبلي بين الدول ذات النفوذ، لكن هذا أمر ما زال بمعزل عن إيران التي تعتمد- اعتمادًا كبيرًا- على السعي الهادئ والمستمر لتحقيق أهدافها السياسية والأمنية في منطقة ذات أهمية استراتيجية، ويدرك الإيرانيون تمامًا أن اللاعبين الرئيسيين في البلقان هم روسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والصين وتركيا، وأن اللعب بمنطق الأيديولوجيا الدينية يجعل طهران في مواجهة مفتوحة مع السعودية وتركيا أيضًا؛ لذا تكمن قوتها في تفردها بطرح ثقافي فارسي، إلى جانب عدم وجود عبء تاريخي- كعدو قديم، أو وريث لإمبراطورية- في علاقاتها مع المجتمعات المحلية في البلقان.