هل حقًا ارتبط مصير إيران بروسيا؟!

مع بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، اتجهت الأنظار نحو مواقف مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه هذا الحدث.
بعد أقل من يومين أو ثلاثة أيام من بدء الأعمال العسكرية الروسية، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في اتصال هاتفي مع ڤلاديمير پوتين: “إن توسع الناتو يشكل تهديدًا خطيرًا لاستقرار وأمن الدول المستقلة في مختلف المناطق”. وأضاف: “أتمنى أن يكون ما يحدث في مصلحة الشعوب والمنطقة”.

موقف إيران تجاه الأزمة الروسية الأوكرانية

في وقتٍ سابق من اليوم نفسه، غرد وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، قائلًا إن “جذور الأزمة الأوكرانية تعود إلى الإجراءات التحريضية لحلف الناتو”، مؤكدًا أن “إيران لا تؤمن بأن اللجوء إلى الحرب هو الحل”، إلا أن أمير عبداللهيان وصف الدبلوماسية بالحل، مضيفًا في التغريدة نفسها: “من الضروري وقف إطلاق النار وتكثيف الجهود في اتجاه حل سياسي ديمقراطي”.

كان موقف الزعيم الإيراني هو الوقوف إلى جانب روسيا ضد الناتو، واصفًا أوكرانيا بأنها دولة موالية للغرب، وحكومة فولوديمير زيلينسكي بأنها نتاج للثورة المخملية الغربية، التي أصبحت ألعوبة في يد السياسة الغربية العدوانية. اصطدمت النصيحة الإيرانية بشأن ضرورة الاعتماد على حل سياسي، وتجنب الحرب، برغبة حلف الناتو في المدد، وهو ما دفع السلطات الإيرانية إلى الوقوف إلى جانب روسيا.

اتُهمت روسيا بالسعي إلى أخذ الاتفاق النووي الإيراني رهينةً في ظل حرب روسية- غربية أوسع من الصراع الحالي في أوكرانيا، حيث عطلت موسكو التوصل إلى اتفاق في اللحظات الأخيرة بعد عدة شهور من المفاوضات المضنية في ڤيينا، بموجبه سيتم رفع العقوبات الأمريكية عن طهران مقابل امتثالها الكامل لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

أثارت هذه القصة كثيرًا من الانتقادات في إيران ضد السياسات الخارجية للنظام الإيراني في السنوات الأخيرة، المعتمدة على التوجه نحو الشرق، وخاصةً تجاه روسيا. وقد تفاقمت هذه الانتقادات منذ فترة ليست بالطويلة بعد التسجيل المُسرب لوزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، الذي ينتقد فيه روسيا لدورها وتأثيرها السلبي في مفاوضات الاتفاق النووي، ودور الحرس الثوري، والسياسات العسكرية والكلية للنظام، وتأثيرها في مصالح إيران.

وفي إشارة إلى الغزو الروسي لأوكرانيا، علقت المفكرة الإيرانية وأستاذة العلوم السياسية المتخصصة في الشؤون الروسية، والبرلمانية السابقة إلهه كولايى، بالقول: “يجب أن تستند توجهاتنا إلى المصالح الوطنية لإيران المبنية على أساس استقلال البلاد وقيم الثورة الإسلامية، وفي هذا السياق على إيران إدانة العمل العسكري الروسي ضد أوكرانيا، ودعوة الأطراف إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وعلى القادة السياسيين اتخاذ خطوات لتأمين مصالح بلادهم من خلال الحوار وعرض وجهات نظرهم للتوصل إلى تسوية سلمية”. كما انتقدت “التوجه الشرقي” للسياسة الخارجية الإيرانية، واقترحت بدلًا من ذلك “التوازن الواعي الذي يضمن استغلال إيران لصراع القوى العالمية لتحقيق مصالحها العليا”، مضيفة أن “موسكو تسعى إلى توسيع العلاقات الشاملة مع طهران، ولا تريد أن تخضع تلك العلاقة لعقوبات من شأنها تعطيل العلاقات بين البلدين”، في إشارة إلى موقف موسكو من اتفاق ڤيينا.

إصلاحي آخر تحدث ضد الغزو الروسي لأوكرانيا، واعتماد طهران على العلاقات مع روسيا، وهو البرلماني السابق حشمت الله فلاحت بيشه، الذي غرد: “لقد أوقف ضبع القرن الحادي والعشرين محادثات ڤيينا لفشله في ربط خطة العمل الشاملة المشتركة بأوكرانيا، والطريقة الوحيدة المتبقية لإنهاء العقوبات هي العودة إلى استقلال السياسة الخارجية، والابتعاد عن السياسيين المكروهين في عالم اليوم”.

وبالمثل، انتقد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد روسيا، ولكن بشكل أكثر ليونة، قائلًا: “أدعو پوتين إلى إنهاء الحرب والعدوان في أقرب وقت ممكن؛ لمنع إدراج اسمه في قائمة كبار المجرمين في التاريخ”.

ارتباط مصير إيران بروسيا

ولكن، من أين بدأت قصة تاريخ ربط مصير قرارات السياسيين الإيرانيين بقرارات السياسيين الروس؟

بعد الثورة الإسلامية، وانفصال إيران عن الولايات المتحدة في ظل نظام الشاه محمد رضا بهلوي، حاولت الجمهورية الإسلامية تحديد سياساتها بشعار “لا شرقية ولا غربية”، خاصةً خلال الحرب الباردة على الأقل في المظهر، وقد ظل هذا الاتجاه سائدًا حتى حكومة أحمدي نجاد، ومع تزايد الضغوط من الدول الغربية، وخاصةً الولايات المتحدة وإسرائيل، تم التخطيط لسياسة بناء تحالفات بديلة بين البلدان ذات الميول المعادية للإمبريالية الأمريكية المزعومة، والاتجاه نحو دول أمريكا الجنوبية التي تعدّها الولايات المتحدة، حديقتها الخلفية، وكذلك نحو روسيا، التي كانت- على الأقل في ذلك الوقت- لا تزال تنافس الولايات المتحدة في سياستها الخارجية.

بلغ التحول النموذجي ذروته مع قمة حركة عدم الانحياز عام 2012، التي سعت إلى تشكيل جبهة مشتركة تهدف إلى موازنة القوة، ومواجهة الضغط الأمريكي والإمبريالية، وكان الناتو هو أهم هذه الجبهات.
ومع ذلك، في العامين الأخيرين من إدارة أحمدي نجاد، اشتدت العقوبات الغربية على إيران، وبعد توسيع الوجود الإقليمي لإيران في المنطقة، حاولت التحرك شرقًا، بما في ذلك نحو الصين وروسيا، وكانت روسيا ذات أهمية خاصة؛ لقدرتها على استخدام حق النقض (الڤيتو) لرفض هذه العقوبات، وبعض قرارات مجلس الأمن الأخرى التي يمكن أن تدين إيران، ومنها على سبيل المثال، تزويد الحوثيين بالسلاح، وزعزعة استقرار المنطقة. كانت هذه هي الخطوات الروسية في إطار المواجهة مع الولايات المتحدة، واستخدمت فيها إيران لتعزيز دورها ووجودها.

مع بدء الحرب في سوريا، وقلق إيران من خسارة حلفائها الإقليميين، وتعريض حكومة بشار الأسد لخطر الانهيار، وضعت إيران إستراتيجيات جديدة لأنشطتها في الشرق الأوسط. من عام 2011 إلى عام 2015، وقفت إيران بكامل طاقتها وقدراتها خلف بشار الأسد؛ لكي يتمكن من مواجهة المتظاهرين السوريين، ثم حلف شمال الأطلسي وحلفائه الإقليميين لاحقًا. ولكن في عام 2015، دخلت روسيا أيضًا المعركة، وكذلك فيلق القدس بقيادة قاسم سليماني، وهناك روايات إيرانية كثيرة تدعي أن إيران حثت روسيا على التدخل العسكري، وأن ميخائيل بوغدانوڤ، نائب وزير الخارجية الروسي، كان يسعى في أثناء إعداد خطة الدخول إلى سوريا للتفاوض مع مختلف الأطراف لاستكمال مكوناتها المختفة، ولكن نية موسكو لدخول سوريا كانت متأثرة إلى حد بعيد بمصالحها الخاصة، ورغبتها في التأثير المتزايد والوجود في الشرق الأوسط، ومنع نفوذ الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في المنطقة بعد الربيع العربي.

مهما كان الغرض، فقد كان هذا الحادث عاملًا آخر في مقاربة الأهداف الإستراتيجية لموسكو وإيران. مع أن الجانبين واجها خلافات كثيرة في سوريا، بما في ذلك الطريقة التي تعاملا بها مع إسرائيل بشكل عام، يمكن القول إن تهديدات الناتو طوال هذه السنوات كانت عاملًا رئيسيًّا في دفع إيران وروسيا إحداهما تجاه الأخرى.

كما أن الحاجة التي حددتها الجمهورية الإسلامية لنفسها في علاقاتها مع روسيا هي أن تأخذ مظلة حماية ضد العقوبات الأمريكية في القضية النووية. بينما منع زعيم الجمهورية الإسلامية المسؤولين الحكوميين من الاتصال العلني بممثلي الولايات المتحدة، والتفاوض بشأن الملف النووي، كان ميخائيل أوليانوڤ، مندوب روسيا لدى المنظمات الدولية التي تتخذ من ڤيينا مقرًا لها لاعبًا رئيسيًّا في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وكان له الدور الأكبر في إتمام تسوية الاتفاق النووي.

من المرجح أن يكون الفيتو الروسي في مجلس الأمن لصالح إيران، ورقة رابحة تبرر ارتكاب الأخطاء، وتبرر وقوف طهران إلى جانب روسيا في الحرب مع أوكرانيا. ومن المرجح أيضًا أن تدفع العقوبات الاقتصادية الغربية الواسعة في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، موسكو نحو زيادة التعاون المالي والتجاري مع الدول الشرقية، ومن بينها إيران، وهو أمر آخر تضعه في حساباتها بدافع المصلحة الاقتصادية؛ للوقوف إلى جانب روسيا في أوكرانيا. ووفق هذه المنطلقات، ترى الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن هناك مزايا كثيرة يوفرها وقوفها إلى جانب روسيا هذه الأيام.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير