تجربة إستونيا الرقمية

تقدم إستونيا مخططًا لكيفية بناء مجتمع رقمي في الوقت الذي دفعت فيه جائحة كوفيد- 19 الحكومات في جميع أنحاء العالم نحو التحول الرقمي، ومواجهة تحديات التكنولوجيا، بما في ذلك جمع البيانات، والذكاء الاصطناعي، والتهديدات السيبرانية. اجتذبت الدولة البلطيقية التي يبلغ عدد سكانها 1.3 مليون نسمة انتباه قادة العالم، والأكاديميين، وأصحاب رؤوس الأموال بفضل مجتمعها الرقمي العالي التقنية. فأرقام إستونيا تتحدث عن نفسها، حيث يتم الانتهاء من دفع الضرائب عبر الإنترنت في أقل من 5 دقائق، ويتوافر 99٪ من الخدمات العامة في إستونيا على شبكة الإنترنت على مدار 24 ساعة في اليوم، ويصوت ما يقرب من ثلث المواطنين عبر الإنترنت.

التحول الرقمي في إستونيا

نشأ جيل في إستونيا وهو يعلم أنه يمكنه التواصل رقميًّا مع المدرسة؛ لأن لديها نظامًا إلكترونيًّا، ومع الطبيب لفحص آخر تطورات صحته عبر التطبيقات التقنية، ما دفع رئيسة إستونيا كيرستي كاليولايد إلى أن تصرح لشبكة (CNBC) في مقابلة عام 2018 قائلة: “الحكومة الإستونية تقدم ما يمكن للقطاع الخاص فقط أن يقدمه للناس”.

عندما حصلت إستونيا على استقلالها عن الاتحاد السوڨيتي عام 1991، شرعت الدولة في سلسلة من الإصلاحات السريعة لتحديث الاقتصاد. ومنذ البداية، اتخذت نهجًا رقميًّا. كانت إستونيا دولة فقيرة نسبيًّا، وأراد القطاع العام والحكومة تقديم خدمات ذات جودة عالية؛ لذا مثّل الاقتصاد الرقمي طريقًا أرخص وأسهل.

بذلت الحكومة الإستونية جهدًا لتثقيف الناس عن كيفية استخدام الخدمات الإلكترونية، وتم إيلاء كثير من الاهتمام لمحو الأمية التقنية. عام 2000، بدأت مبادرة رئيسية في التعليم، حيث تعهدت الدولة بوضع أجهزة كمبيوتر في كل فصل دراسي، وأصبحت كل مدرسة في البلاد متصلة بالإنترنت. كما قدمت الحكومة تدريبًا مجانيًّا على الكمبيوتر لـ 10٪ من السكان البالغين، وساعد هذا الجهد على رفع نسبة الإستونيين الذين يستخدمون الإنترنت من (29٪) عام 2000 إلى (91٪) عام 2016.

أظهرت النتائج أن الاتحاد الأوروبي قد تحسن تحسنًا طفيفًا في عدد خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM)، في حين أن 18.4٪ فقط من بين ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 20 و29 عامًا تخرجوا في (STEM) عام 2013، فقد ارتفع هذا الرقم إلى (19.1٪) عام 2015. إضافة إلى ذلك، كان هناك 8.2 مليون متخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الاتحاد الأوروبي عام 2016، بزيادة 7.3 مليون عما كان قبل 3 سنوات، في حين تحتل إستونيا في مؤشر الاقتصاد والمجتمع الرقمي (DESI) مرتبة أعلى (بأكثر من 60٪) مقارنة بليتوانيا بنسبة (50٪)، ولاتڨيا بأكثر من (40٪).

خطوات التحول الرقمي في إستونيا

عام 2002، أطلقت إستونيا نظام بطاقة هوية وطنية عالي التقنية، وتقترن بطاقات الهوية المادية بالتوقيعات الرقمية التي يستخدمها الإستونيون لدفع الضرائب، والتصويت، والقيام بالخدمات المصرفية عبر الإنترنت، والوصول إلى سجلات الرعاية الصحية الخاصة بهم، حيث أجبر القانون الذي أُقِرَّ عام 2000 جميع الوكالات الحكومية على قبول التوقيعات الرقمية جنبًا إلى جنب مع التوقيعات المعتادة، ولا يمكن لأي منظمة أن تطلب نسخة ورقية من المستند. يضمن هذا القانون المساواة في الوصول إلى الخدمات العامة لجميع المواطنين، حتى إذا كنت تعيش في قرية نائية فلن تضطر إلى قضاء مزيد من الوقت للوصول إلى الخدمات الحكومية أكثر من سكان العاصمة، الآن 99٪ من الخدمات العامة في إستونيا عبر الإنترنت، بمجموع أربعة آلاف خدمة متنوعة.

زادت نسبة مستخدمي الإنترنت الذين يشاركون في أنشطة مختلفة، حيث يقرأ (72٪) من المواطنين الأخبار عبر الإنترنت، و(46٪) يجرون مكالمات صوتية أو فيديو، و(65٪) يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعية، و(68٪) يتسوقون عبر الإنترنت، و(61٪) يستخدمون الخدمات المصرفية عبر الإنترنت، وتظهر الأرقام المقابلة لدول البلطيق الثلاث أن إستونيا تحتل مرتبة أعلى (مع أكثر من 60٪ من المستخدمين) مقارنة بنحو (55٪) لكل من ليتوانيا ولاتڤيا.

ميزة رئيسية أخرى للمجتمع الرقمي في إستونيا هي الإقامة الإلكترونية، وهي المبادرة الأولى من نوعها في العالم، حيث تسمح للأفراد ببدء أعمال تجارية في البلاد دون العيش هناك. ويُعد البرنامج منصة انطلاق للشركات التي تتطلع إلى القيام بأعمال تجارية، والاستفادة من امتيازات الاستثمار في الاتحاد الأوروبي (EU).

ساعدت جهود الإقامة الإلكترونية والتأشيرة الرقمية، جنبًا إلى جنب مع معدلات الضرائب الملائمة للأعمال، على تشجيع ثقافة الشركات الناشئة في إستونيا. ومثلت خدمة الدردشة المرئية التي اشترتها مايكروسوفت سكايب (Skype) مثالا ناجحا، حيث أُطلِق في إستونيا عام 2003.

لا تدفع إستونيا مقابل للحصول على ترخيص من شركات تكنولوجيا المعلومات الدولية الكبيرة، وتستخدم الخدمات الحكومية برامج مفتوحة المصدر، ومنتجات رقمية للشركات الناشئة المحلية، مثل منتجات شركة (Nortal)، وهي أكبر شركة لتكنولوجيا المعلومات في منطقة البلطيق، وطورت الشركة منصات عبر الإنترنت للخدمات العامة، ليس فقط في إستونيا، ولكن أيضًا في فنلندا، وليتوانيا، وقطر، وعمان.

اليوم، أصبحت إستونيا موطنًا لمزيد من شركات التكنولوجيا، وتملك عدد شركات خاصة تقدر قيمتها بأكثر من مليار دولار، أكثر من أي دولة صغيرة أخرى في العالم، وتتخذ شركات مثل (TransferWise) و(Taxify) المنافسة لشركة (Uber) منها مقرًا، إلى جانب شركات الـ (blockchain)، وشركات الأغذية وصناعة المعدات.

لم تكن رحلة التحول إلى مجتمع رقمي في إستونيا بدون عراقيل؛ فالسوق المحلية الإستونية صغيرة نسبيًّا، وبحاجة إلى مزيد من مستخدمي الإنترنت من جميع أنحاء العالم لدعم الاقتصاد، وتأمل الحكومة الإستونية إيجاد حلول عبر فتح مواقع الخدمات الحكومية والمصرفية للأجانب، والاعتماد على رغبة المستثمرين في تسجيل شركاتهم في الاتحاد الأوروبي.

كما تتعرض البنية التحتية الإلكترونية لعوائق كثيرة، أبرزها المتسللون، والهجمات الإلكترونية، وضغط الطلب على البوابات الإلكترونية، على سبيل المثال، عام 2010، انهارت البوابة الطبية الإستونية؛ لأن الآلاف من كبار السن كانوا يحاولون دخول الموقع للحصول على معاش شهري. وقبلها، في عام 2007، تعرضت البلاد لهجوم إلكتروني كبير أدى إلى تدمير معظم بنيتها التحتية الرقمية. وعام 2017، اضطر المسؤولون إلى التعامل مع أكثر من عشرة آلاف حادث سيبراني، كما إن قواعد البيانات والبرامج على الإنترنت، مثل (e-Residency) تجعل إستونيا عرضة للأموال القذرة، وخرق العقوبات.

ولمواجهة تهديدات المتسللين لا يوجد مستودع واحد للبيانات، حيث تُوزَّع جميع المعلومات بين المؤسسات المختلفة. ويمكن للمؤسسات الحكومية تمرير المعلومات بمساعدة نظام يسمى (X-road)؛ لكي يتم تتبع جميع العمليات، وكل فعل يقوم به شخص أو مسؤول يطلب معلومات حتى يترك أثرًا. في الوقت نفسه، يجب على موظفي الخدمة المدنية توضيح سبب الطلب. وإذا فعلوا شيئًا غير معقول، يظهر لدى مفتشية حماية البيانات، وهي قسم تابع لوزارة العدل.

استقبلت إستونيا، لحماية نفسها من الهجمات الواسعة النطاق، مركز الدفاع الإلكتروني التابع لحلف الناتو، الذي يجري تدريبات واسعة النطاق على الدفاع الإلكتروني. وتخطط إستونيا لإنشاء «سفارات رقمية» في خوادم موجودة في بلدان صديقة. والآن تُخزَّن المعلومات المهمة في خوادم بعض السفارات الإستونية، لكن الحكومة ستمضي قدمًا وتستأجر خوادم أجنبية محمية جيدًا لتخزين نسخ من جميع قواعد البيانات والخدمات المهمة، وبالفعل أنشأت الحكومة سفارة بيانات في لوكسمبورغ حيث تخزن نسخًا من جميع بياناتها، وفي حالة وقوع هجوم جماعي، فإن هذه “السفارات” ستضمن العمل المتواصل لجميع المواقع المهمة.