ما تركه ترامب وراءه

الانقسام في الولايات المتحدة

عند الحديث عن رئاسة ترامب، ربما يكون من الضروري أن نتذكر بالضبط كيف وصل إلى السلطة في الولايات المتحدة. كما كتبت صحيفة نيويورك تايمز، عشية انتخابات عام 2016: “كثف رجل الأعمال ومقدم برامج الواقع محاولاته للوصول إلى السلطة في العالم السياسي؛ لأن الرئيس الأمريكي باراك أوباما سخر منه في إحدى حفلات العشاء في البيت الأبيض”. حيث كانت المواجهة غير الرسمية مع سلفه هي القاسم المشترك طوال فترة رئاسة ترامب.

على مدار أربع سنوات، حاول ترامب تدمير إرث أوباما تمامًا، محليًّا ودوليًّا. تم تسليط الضوء على إصلاحات الرعاية الصحية وسياسة الهجرة. تعد مكافحة المهاجرين غير الشرعيين أحد وعود ترامب الرئيسية قبل الانتخابات، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى بناء جدار على الحدود مع المكسيك، والذي حاول الرئيس بنشاط تنفيذه، لكنه لم يستطِع إكماله.

في السياسة الخارجية، كانت التغييرات مهمة بنفس القدر. على مدار أربع سنوات، انسحب ترامب من سلسلة من الاتفاقيات الدولية التي تم التفاوض عليها في ظل إدارة أوباما. على وجه الخصوص: “خطة العمل الشاملة المشتركة للبرنامج النووي الإيراني، واتفاقية باريس للمناخ، والشراكة عبر المحيط الهادئ”.

في الوقت نفسه، لم يتم تفكيك الاتفاقيات المتعلقة بأوباما فحسب، بل تم أيضًا تفكيك الاتفاقيات الأساسية بشأن الحد من التسلح؛ معاهدة القضاء على الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، واتفاقية الأجواء المفتوحة. في كلتا الحالتين، كان المبرر للانسحاب الأمريكي «انتهاكات روسيا» رغم أن موسكو نفت مرارًا كل شكوك واشنطن.

وعد ترامب مع إلغائه لكل اتفاقية دولية بصفقات جديدة ستكون أفضل بكثير من القديمة، ومع ذلك لم ينجح إلا في اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. بينما فشلت محاولات ترامب الأخرى للتفاوض بشأن معاهدة جديدة بشأن إيران أو بشأن الحد من التسلح.

حاول الرئيس الأمريكي بإصرار إشراك الصين في المعاهدات العسكرية الجديدة، والتي قدمتها إدارته على أنها أحد التهديدات الإستراتيجية الرئيسية شنَّت واشنطن حملة حقيقية معادية للصين، في محاولة لتوحيد حلفائها فيها، وفي الوقت نفسه شنَّت حربًا تجارية مع بكين بحجة حماية المصالح الوطنية.

بالمناسبة، كان لدى ترامب مطالبات اقتصادية لأوروبا أيضًا، مسترشدًا بمبدأ «أمريكا أولًا»، فرض تعريفات متزايدة على عدد من السلع الأوروبية. على طول الطريق، اختلف الرئيس الأمريكي مع معظم قادة الاتحاد الأوروبي، وطالبهم بزيادة الإنفاق الدفاعي داخل الناتو. وكما كتبت بوليتيكو، فقد هدد ترامب حتى بمغادرة التحالف، وتكهَّن باحتمال انسحاب الوحدة الأمريكية من ألمانيا، وأهان علنًا قادة بارزين في الاتحاد الأوروبي، بمن فيهم المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

بشكلٍ عام، أدت سياسة ترامب المثيرة للجدل والفاضحة جزئيًّا تجاه شركاء الولايات المتحدة إلى دفع أوروبا لمناقشة الحاجة إلى مزيد من الاستقلال وتجنب الاعتماد على واشنطن- على سبيل المثال، تحدث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن إنشاء جيش أوروبي مشترك، ودعت ميركل إلى التفكير في دور الاتحاد الأوروبي في العالم إذا رفضت الولايات المتحدة التصرف كقائد عالمي.

كما قاومت أوروبا ترامب في مواجهة الصين وإيران اللتين اختارتهما إدارة الرئاسة الأمريكية خصومها الرئيسيين. لم تتخلَّ دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية “ألمانيا وفرنسا – عن الاتفاق النووي بشأن برنامج طهران النووي، وحاولت بكل طريقة ممكنة تجاوز ضغوط العقوبات الأمريكية على إيران”.

على طول المسار الصيني، لم يتخلَّ الأوروبيون عن العلاقات الاقتصادية معها، مع دعمهم للخطاب السلبي لواشنطن بشأن «انتهاكات حقوق الإنسان».

فضيحة تلو فضيحة

بالنظر إلى رئاسة ترامب، لا يسع المرء إلا أن يذكر أنه منذ الحملة الانتخابية تطارده الفضائح المستمرة. كان أبرزها التدخل الروسي المزعوم في انتخابات 2016 وما قيل عن «تواطئه» آنذاك مع موسكو، استمرت الملحمة الحقيقية حول «يد الكرملين» في الانتخابات، حتى نهاية مارس (آذار) 2019، عندما اكتمل التحقيق الرسمي لوزارة العدل الأمريكية بشأن هذه القضية.

لم يتمكن المحققون من إثبات وجود تواطؤ لترامب مع روسيا، لكن تم الاعتراف بـوجود «تدخل» روسي واعتباره حقيقة، رغم أن موسكو نفت مرارًا وتكرارًا أي تأثير على الانتخابات الأمريكية. أثرت «القضية الروسية» على معظم فترات رئاسة ترامب وفشلت بالفعل أي محاولات لإصلاح العلاقات مع روسيا. مع ذلك، لا يمكن تسمية عدم إحراز تقدم في إقامة تفاعل بين البلدين بمشكلة التحقيق القضائي فقط.

في الواقع، تحدث ترامب منذ بداية رئاسته عن رغبة في تحسين العلاقات مع روسيا، بل عقد عددًا من الاجتماعات مع الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتين مع ذلك، فإن الخطاب الإيجابي كان متناقضًا إلى حدٍّ ما مع تصرفات الزعيم الأمريكي.

واصلت الولايات المتحدة بشكل منهجي فرض عقوبات مناهضة لروسيا، واتهمت روسيا بانتهاك الاتفاقيات الدولية ووصفت موسكو بأنها خصمها الإستراتيجي، بينما كتبت وسائل الإعلام الأمريكية عن ترامب باعتباره «صديق پوتين».

رغم ذلك، فإن «التدخل الروسي» هو مجرد فضيحة واحدة متعلقة بترامب. على مدار أربع سنوات، اتُّهم الرئيس الأمريكي- باستمرار- بالعنصرية وكراهية الأجانب، ودعم المتعصبين البيض والارتباط بممثلات إباحيات ومواقف غير ملائمة تجاه النساء.

مع اقتراب الانتخابات الماضية، نما عدد الفضائح المحيطة بالرئيس الأمريكي بسرعة. كانت آخرها إساءة استخدام المنصب والضغط على رئيس أوكرانيا من أجل الحصول على أدلة على خصومه السياسيين، مما أدت إلى محاولة عزله.

تمت تبرئته من قبل مجلس الشيوخ، لكنه لا يزال رابع رئيس أمريكي في التاريخ يخضع لهذه الإجراءات. بعد الانتخابات رفض الاعتراف بهزيمته، وتعرض ترامب للعزل مرة أخرى – لم تكُن هناك سوابق كهذه في تاريخ الولايات المتحدة.

هذه المرة، تم اتهامه بالتحريض على التمرد بسبب اقتحام أنصاره لمبنى الكابيتول.

إنجازات مشروطة

من بين المزايا التي لا لبس فيها لسياسة «أمريكا أولًا» التي روج لها ترامب باستمرار، النمو الاقتصادي للولايات المتحدة. دخلت البلاد عام 2020 بمعدل نمو ثابت للناتج المحلي الإجمالي يبلغ 2% وحد أدنى لمعدل البطالة 3.5%، وهو ما وصفه الرئيس الأمريكي مرارًا بأنه أحد إنجازاته الرئيسية لكن سرعان ما تراجع كل هذا مع تفشي وباء كوفيد-19.

ضرب الوباء الولايات المتحدة بشدة، حيث رفع معدل البطالة إلى 14.7% وتراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 33.2% في الربع الثاني من عام 2020.

الإنجاز المشروط الثاني لترامب هو حواره مع كوريا الشمالية في بداية رئاسته. تنبَّأت وسائل الإعلام الأمريكية ببدء حرب حقيقية بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، وقد هدَّد ترامب الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وأهانه في تغريدات، ولكن تمت تسوية الأزمة وأجرى ترامب وكيم محادثات شخصية اتفقا خلالها على بدء حوار بشأن نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية. مع ذلك، بحلول الوقت الذي أنهى فيه ترامب فترة ولايته، ظلت هذه المشكلة دون حل، على الرغم من عقد قمة أخرى مع كيم جونغ أون. علاوة على ذلك، في العام الماضي، جمَّدت بيونغ يانغ الحوار مع واشنطن بسبب عدم إحراز أي تقدم، حيث رفضت الولايات المتحدة رفع العقوبات عن كوريا، على الرغم من الخطوات المضادة التي اتخذتها بيونغ يانغ، ولا سيما إغلاق مواقع الاختبار.

على الرغم من خطاب ترامب العدائي والمخيف في بعض الأحيان، لا يسع المرء إلا أن يعترف بأنه أصبح أكثر رؤساء الولايات المتحدة سلمًا في السنوات الأربعين الماضية. على عكس أسلافه، لم يبدأ ترامب حربًا واحدة. علاوة على ذلك دعا الرئيس إلى انسحاب القوات الأمريكية من البؤر الساخنة وهو ما نفذه جزئيًّا في سوريا وعدد من الدول الأخرى.

أيضًا لا يسع المرء إلا أن يذكر مبادرات ترامب العديدة لحفظ السلام، على سبيل المثال، في نهاية عام 2020، وبفضل وساطته وقَّعت إسرائيل اتفاقيات بشأن تطبيع العلاقات مع الإمارات والبحرين، وبالتالي إطلاق عملية مصالحة الدولة اليهودية مع العالم العربي.

في غضون أربع سنوات، حقق دونالد ترامب اختراقة حقيقية من حيث بناء حوار بين الحكومة والمجتمع: تحت قيادته أصبحت ما تسمى «دبلوماسية تويتر» أقوى. استخدم ترامب الشبكات الاجتماعية بنشاط لتصريحاته الرسمية، وكذلك للتعبير عن آرائه الشخصية حول الأحداث الرئيسية في العالم نتيجة لذلك، بدأ قادة العالم الآخرون في استخدام هذا النموذج من التفاعل مع الناخبين بشكل أكثر نشاطًا، بعد أن تبنوا تجربة رئيس الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فقد حُرم ترامب من هذه الفرصة؛ لأنه بعد اقتحام مبنى الكابيتول، قام: (تويتر – فيسبوك – إنستغرام) وعدد من شركات تكنولوجيا المعلومات الأخرى بحظر حسابات الرئيس.

إرث ترامب

من المحتمل أن يدخل الرئيس السابق للولايات المتحدة في التاريخ باعتباره أحد المسؤولين عن الانقسام الخطير في المجتمع الأمريكي. كما قال فاليري غاربوزوف، مدير معهد الولايات المتحدة الأمريكية وكندا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم: «دمر ترامب الإجماع الهش بين الحزبين وكيفية استعادته أصبحت غير معروفة».

بدوره، أشار مدير مؤسسة فرانكلين روزفلت لدراسة الولايات المتحدة في جامعة موسكو الحكومية، يوري روغوليف: «إلى أن ترامب ظاهرة أطلق عليها بالفعل اسم (الترامبية) وهي ليست مصادفة على الإطلاق. هذه الظاهرة نفسها والآراء التي أعلنها ترامب يمكن أن يطلق عليها قومية جديدة. في الواقع، ليس هو نفسه المهم هنا، بل هو انعكاسها على مزاج الأمريكيين. بهذا المعنى، من المحتمل أن يُدرج ترامب في التاريخ كأحد المخربين والممثل الأبرز (للمناهضين للنخبة) أي من الذين تمردوا على النخبة في واشنطن واقترحوا تجفيف مستنقع واشنطن».

في الوقت نفسه، يعتمد مستقبل «الترامبية» على ترامب نفسه وما سيفعله بعد تركه الرئاسة، كما يقول فيودور لوكيانوڤ، المدير العلمي لنادي فالداي الدولي للمناقشة.

«إنه يواجه وقتًا عصيبًا، سيحاولون تدميره سياسيًّا وحتى اقتصاديًّا، ونرى أيضًا أن إجراءات المقاطعة ضده قد بدأت من جانب بعض الشركاء». وأشار الخبير إلى أنه: «ستتم بالتأكيد محاولة لتجريمه ببعض الأعمال الإجرامية، إن لم يكُن عندما كان رئيسًا فقبل ذلك». ومع ذلك، ليس هناك شك في أن ترامب يمكن أن يوحِّد حوله مجموعة كبيرة بما فيه الكفاية من الناس الذين يرونه رمزًا لنوع من البديل.

على العموم، يمر النظام السياسي الأمريكي بأزمة عميقة للغاية؛ لأن النظام الحزبي لم يعُد يعكس مصالح ومشاعر المجتمع. لخص الخبير «الترامبية» بأنها: لن تنتهي، سيذهب جزء من المحافظين الوطنيين، لمحاولة الظهور كمجموعة منفصلة أو حتى كحزب، حيث لن يذهب هؤلاء الأشخاص إلى أي مكان بعد مغادرة ترامب. [1]

الكاتب: إيفان بولوفينين – كاتب روسي

المقالة تعبر عن رأي الكاتب ولا تعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير 

[1] Иван Половинин – Газета – Раскол в США: что оставит после себя Трамп – 17.01.2021, https://www.gazeta.ru/politics/2021/01/15_a_13442540.shtml