العلاقات الدفاعية بين الهند وإسرائيل

تتسارع العلاقات العسكرية بين الهند وإسرائيل من أجل مواجهة التحديات الأمنية الخطيرة في جنوب آسيا والشرق الأوسط، خاصةً بعد تدهور الأوضاع الأمنية في أفغانستان عقب الانسحاب الأمريكي السريع منها، وسيطرة حركة طالبان على السلطة، مع ارتفاع احتمالات شن الهجمات الإرهابية، أو تهريب المخدرات، وموجات الهجرة غير الشرعية التي قد تتسبب في زيادة توترات الحدود الهندية- الباكستانية.

العلاقات الإسرائيلية الهندية العسكرية

وقد شهدت أواخر عام 2021 زيارة أجاي كومار، المدير العام لوزارة الدفاع الهندية، إلى إسرائيل للقاء نظيره أمير إيشيل، المدير العام لوزارة الدفاع الإسرائيلية، في تل أبيب، ليتم الاتفاق على تشكيل فريق عمل بين إسرائيل والهند يضع خطة تعاون مدتها عشر سنوات لتحديد مجالات التعاون العسكري الجديدة بين البلدين.

تتضمن مجالات التعاون الدفاعي بين تل أبيب ونيودلهي بشكل أساسي:
1. قدرات الحرب الإلكترونية.
2. أقمار التجسس، والرادارات الحديثة.
3. تكنولوجيا الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية.
4. إصلاح المعدات العسكرية، مثل الدبابات، والطائرات.
5. تقنيات الاستخبارات، ومكافحة الإرهاب.

تسعى حكومة الهند الحالية بقيادة حزب بهاراتيا جاناتا، وعلى رأسه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى تعزيز مكانة نيودلهي العالمية لكي تُبقي على التوازن العسكري مع باكستان، وتحافظ على مصالحها أمام التوسع الصيني الكبير في القارة الآسيوية؛ لذا تسعى حكومة مودي إلى معالجة أوجه القصور في القوات العسكرية الهندية، ولهذا قامت ببرنامج تحديث عسكري ضخم بين عامي 2014 و2015 لشراء الأسلحة والمعدات بقيمة (14.9) مليار دولار من ميزانية عسكرية قدرها (45.2) مليار دولار، وشمل التعاون العسكري كُلًا من روسيا، والولايات المتحدة الأمريكية، والبلدان الأوروبية، وإسرائيل، ليستحوذ الجيش الهندي على حصة قدرها 15% من السوق العالمية للسلاح، وتحتل تل أبيب ثالث أكبر موردي السلاح له بعد موسكو وواشنطن.

يجمع نيودلهي وتل أبيب تاريخ طويل من مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الأمنية منذ عام 1960، عندما سمحت رئيسة وزراء الهند آنذاك أنديرا غاندي بالتعاون الأمني السري بين البلدين لمواجهة ما اعتبرته إرهابًا باكستانيًّا. وقد شهد عام 1962 توقيع اتفاقية بين البلدين للتعاون النووي. وقد زار الجنرال الإسرائيلي ديفيد شالتيل، قائد قوات الهاجاناه في القدس عام 1948، الهند عام 1963 لتوقيع اتفاقية تنص على تزويد الجيش الهندي بالسلاح، بالإضافة إلى تدريب جنوده.

فيما كانت الهند حاضرة إلى جانب إسرائيل عام 1967، إبان فرض فرنسا حظرًا للتسليح على تل أبيب، حيث تشير بعض الروايات التاريخية أن أرييل شارون، قائد الفرقة الإسرائيلية المدرعة في سيناء خلال حرب عام 1967، زار الهند آنذاك لشراء قطع غيار ومعدات عسكرية متعلقة بالأسلحة الفرنسية، خاصةً الطائرات من طراز ميستير، والدبابات من طراز (AMX 13).

بعد فترة وجيزة من حرب (1967)، عندما هاجمت إسرائيل بنجاح الأراضي العربية وضمتها، أشاد سواران سينغ، وزير الدفاع الهندي آنذاك، بالقدرات العسكرية لتل أبيب، خاصةً عمليات الحشد العسكري التي تمت في أقل من 24 ساعة، وحققت تلك النتائج العسكرية المُذهلة، وقد زار قادة هنود من العسكريين تل أبيب لإجراء دراسات على خطة حرب (1967) لمحاولة استخدامها كخطة دفاع ضد أي هجمات باكستانية، أو صينية.

ومنذ ذلك الحين، ساعدت إسرائيل الهند على إنشاء قوات خاصة عام 1980 لحماية الشخصيات الأجنبية، والوزراء، والعلماء النوويين، والأفراد المهمين المشاركين في صنع القرار الإستراتيجي. كما وسعت تل أبيب نطاق تدريبها للقوات الهندية ليشمل حرس الأمن القومي الهندي؛ للتخفيف من التهديدات الأمنية الداخلية.

كما شهد عام 1999 نقلة نوعية كبيرة في العلاقات العسكرية بين إسرائيل والهند؛ حيث قدمت الأولى مساعدة كبيرة للثانية من أجل السيطرة على التمرد في كشمير، من خلال توريد طائرات بدون طيار متقدمة، ورادارات وأنظمة مراقبة واستطلاع. وإلى الآن، تُشغل القوات الجوية الهندية أكثر من 180 طائرة بدون طيار إسرائيلية الصنع، بما في ذلك أجهزة الرصد والتتبع لأغراض المراقبة، وجمع المعلومات الاستخبارية، بالإضافة إلى أسطول من الطائرات بدون طيار (Harpy) الإسرائيلية، التي تستخدم لتدمير أهداف مثل محطات الرادار.

تريد الهند الاستفادة من التجربة الإسرائيلية في مكافحة التسلل عبر الحدود، حيث يشعر كلا البلدين أن الإرهاب في بلديهما لا يأتي فقط من الداخل؛ ولكن أيضًا من دول الجوار. وقد شهدت زيارة أول رئيس وزراء إسرائيلي للهند أرييل شارون عام 2003، توجيه اتهام غير مباشر إلى باكستان بوصفها دولة تُساعد الإرهاب العابر للحدود، وتقدم له ملاذًا، بالإضافة إلى الدعم المالي، والتدريب.

كما تولي نيودلهي اهتمامًا كبيرًا بالتكتيكات التي استخدمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في حرب العصابات وحرب المدن التي خاضتها ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وخاصةً تجربة إسرائيل في تدريب وتجهيز وتشغيل وحدات نُخبة سرية في فلسطين لجمع المعلومات الاستخبارية، وتحديد الأهداف، والاشتباك مع المسلحين الفلسطينيين، وتلك التجربة هي نموذج تدريب لقوات الأمن الهندية لمواجهة أي تمرد مُحتمل في كشمير.

وقد زارت فرق عسكرية إسرائيلية منطقة كشمير التي تسيطر عليها الهند، وقدمت معلومات للجيش الهندي بشأن تحسين النقاط الأمنية، والخطوط الفاصلة؛ من خلال بناء جدران في مواقع محددة لحكم الأرض، وتجهيزها بواسطة معدات إسرائيلية لرصد للأفراد، مثل أجهزة التصوير الحراري، وهذا أشبه بالجدار الفاصل الذي أقامته إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إضافة إلى ذلك، وعلى خُطى إسرائيل، “تحاول الهند أيضًا إحداث تغييرات ديموغرافية في كشمير، بحيث يمكن تحويل الأغلبية المسلمة إلى أقلية”.

ومن المتوقع أيضًا أن تسعى إسرائيل، بالنظر إلى حجمها، إلى عمق إستراتيجي من خلال إنشاء قواعد لوجستية في المحيط الهندي لقواتها البحرية؛ لذلك يعد التعاون مع البحرية الهندية أمرًا ضروريًّا. كما قررت الهند إطلاق برامج مشتركة مع إسرائيل في مجال الحرب الإلكترونية، بالإضافة إلى مشاركة سلاح الطيران الهندي في مناورات العلم الأزرق في إسرائيل عام 2021، وهذا إلى جانب تبادل معلومات استخبارية عن الجماعات “الجهادية الإسلاموية”، وجماعات غسيل الأموال، وتمويل الإرهاب.
وقد أدى التعاون الدفاعي بين الهند وإسرائيل إلى إعادة النظر في التوازن الإستراتيجي في الشرق الأوسط وآسيا، حيث تجد باكستان صعوبة متزايدة في مضاهاة القدرة العسكرية التقليدية لجارتها. وقد أعربت إسلام آباد عن قلقها من امتلاك نيودلهي نظام أرو المضاد للصواريخ الإسرائيلي الصُنع، الذي من شأنه أن يحيد جزءًا من الترسانة النووية الباكستانية من خلال التأثير- بشكل خطير- في قدرة الصواريخ الباليستية.

لكن من زاوية أخرى، يجب الذكر أن الحكومة اليمينية الهندية تُحاول إرساء الاستقرار على حدودها، ومنع مَن تُسميهم “الإرهابيين الإسلامويين” من مهاجمتها؛ من خلال تجربة العمل العسكري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، التي يمكن الإشارة أنه منذ ما يقرب من 75 عامًا من استخدام القوة الوحشية ضد الأبرياء ما زالت الحكومة الإسرائيلية تعيش في جو من الخوف. وقد فشلت إستراتيجية إسرائيل في مكافحة الإرهاب فشلًا ذريعًا عندما زحفت إلى لبنان عام 2006 معتقدة أنها يمكن أن تدمر حزب الله، لكن انتهى بها الأمر إلى الانسحاب؛ لذا يبدو أن مُحاكاة نيودلهي لتل أبيب قد لا تخدم مصالحها، ولا تضمن لها استقرارًا في جنوب آسيا.

ما يجعلنا نعزو نمو العلاقات بين نيودلهي وتل أبيب إلى أسباب أخرى، إلى جوار التعاون الدفاعي، حيث ظلت العلاقات السياسية بين البلدين غير مُعلنة نحو أربعة عقود، أن التغييرات في البيئة الجيوستراتيجية الدولية أجبرت الهند على إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، عام 1992. وكانت الأحداث الرئيسية هي:

1. انهيار الاتحاد السوڤيتي عام 1991؛ ما دفع الهند إلى مراجعة سياستها الخارجية. فلم يكن اختفاء الاتحاد السوڤيتي خسارة كبيرة لمورد أسلحة مهم جدًّا فحسب؛ بل أيضًا فقدت نيودلهي شريكًا موثوقًا به على الجبهة الدبلوماسية الدولية،
2. نهاية الحرب الباردة، التي كان لها أثر في اندفاع بعض البلدان إلى إيجاد حلول سريعة لكثير من المشكلات الدولية، على سبيل المثال: محادثات السلام العربية (الفلسطينية والأردنية) – الإسرائيلية،
3. حرب الخليج التي قوضت- بشكل خطير- وحدة العالم العربي،
4. حاجة الهند إلى مساعدات اقتصادية عاجلة لن تتم إلا بعد تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة،
5. مواجهة خطر الدعاية الباكستانية ضد الهند في دول غرب آسيا وشمال إفريقيا من أجل إقامة كتلة إسلامية، وتدويل قضية كشمير،
6. عدم دعم الدول العربية للهند في أزماتها، وتفضيلهم دعم باكستان في اجتماعات منظمة المؤتمر الإسلامي،
7. عدم تأثير تصويت الأقلية المسلمة في نظام الحكم في الهند،
8. تفوق إسرائيل في مجال التقنيات الزراعية، بالإضافة إلى المعرفة الصناعية والعسكرية التي يمكن أن تخلق مجالًا كبيرًا للتعاون.

وتنظر إسرائيل، التي واجهت عزلة نسبية في جميع أنحاء العالم حتى نهاية الحرب الباردة، إلى الهند على أنها شريك إستراتيجي في آسيا، خاصةً أن العلاقات مع دولة فيها عدد كبير من السكان المسلمين قد تساعد على تخفيف أهمية المكون الديني في الصراع العربي- الإسرائيلي، كما أن نيودلهي تتمتع بعلاقات ودية مع معظم البلدان العربية؛ ما يمكنها من أداء دور وسيط فعال بين تل أبيب والعواصم العربية إذا استدعت الحاجة.

تطور العلاقات الإسرائيلية الهندية

أخيرًا، يمثل نمو العلاقات الهندية- الإسرائيلية عاملًا إيجابيًّا على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعتمد على صناعته الدفاعية، وتساعد صفقات الدفاع على تمويل أبحاث الدولة، وتطوير الأسلحة المتقدمة. وقد أصبحت تل أبيب أكبر مورد دفاعي للهند من الأنظمة المضادة للصواريخ، والرادارات العالية التقنية، والطائرات بدون طيار، ومعدات الرؤية الليلية، متجاوزة بذلك روسيا، لتمثل نيودلهي- وفقًا للأرقام الصادرة عن وزارة الدفاع الإسرائيلية- أكثر من 50% من الصادرات العسكرية الإسرائيلية. وقد تحولت العلاقة العسكرية بين الهند وإسرائيل من علاقة بائع ومشترٍ إلى علاقة إنتاج وبحث مشترك. ويعمل كلا البلدين على زيادة تقنيات الأسلحة الحالية، وتطوير تقنيات جديدة.

إذن، الشراكة الإستراتيجية بين الهند وإسرائيل قائمة على المنفعة المتبادلة، وإدراك التهديدات الإرهابية، أو العسكرية المُحتملة، فالبلدان لديهما مصالح مشتركة، حيث تمثل تل أبيب بالنسبة إلى الهند مصدرًا للتكنولوجيا المتقدمة في كثير من المجالات الزراعية، والصناعية، والعسكرية، كما أنها حليف موثوق به حال فَرض أي عقوبات تتعلق بمجال التسليح عند نشوب أي حرب مع باكستان، أو الصين؛ ما يجعل العلاقات العسكرية مع إسرائيل أشبه بتوازن مضاد ضد أي تحرك عدائي يستهدف نيودلهي. أما إسرائيل فهي ترى السوق الهندية مكانًا مُغريًا لعرض تفوقها التكنولوجي، والعسكري، وزيادة حصتها في سوق التجارة الدولية؛ من خلال الأبحاث المشتركة، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج المشترك.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير