قضايا الجغرافيا السياسية والهوية والأمن العالمي

الصراع في أوكرانيا

جاءت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، التي بدأت 24 فبراير (شباط)، بمنزلة المفاجأة للمواطنين الروس والدول الأخرى على حد سواء، خاصة بالنسبة إلى البلدان البعيدة، التي لطالما نظرت إلى أوكرانيا وروسيا على أنهما دولتان مجاورتان صديقتان وشقيقتان، كما أن السياح القادمين إلى أوكرانيا وروسيا لم يروا فيها سوى سكان مضيافين ومرحبين؛ ومن هنا يأتي التنافر المعرفي: لماذا بدأ هذا الصراع؟ ومن المسؤول؟ دعونا نحاول الإجابة عن هذا السؤال، مع أنه لن يكون سهلًا، نظرًا إلى القيود الفنية للنشر.

في الأيام الأولى من العملية، لم تكن هناك أسباب واضحة لحدوث ذلك، باستثناء التصريحات الرسمية من القيادة الروسية عن الحاجة إلى نزع السلاح، واقتلاع النازية في أوكرانيا. كما قيل إن الغرب والناتو قد تجاوزا خطًا أحمر، فاضطرت روسيا إلى اتخاذ هذه الإجراءات التي حذرت منها مسبقًا. ومع ذلك، بعد أكثر من أسبوع من اندلاع الأعمال العسكرية، ظهرت كثير من التفاصيل التي تسمح بتكوين صورة أكثر اكتمالًا، وفهم أسباب قرار موسكو.

ظهرت الأزمة الخطيرة الأولى في العلاقات بين البلدين في نهاية عام 2004، عندما شهدت أوكرانيا ما يسمى بالثورة البرتقالية، وطعن المرشح الرئاسي الموالي للغرب فيكتور يوشينكو على نتائج الانتخابات. في ظل رئاسته، بدأ تمجيد من تعاونوا مع ألمانيا النازية، ودعم السلطات للجماعات القومية المتطرفة.

في فبراير (شباط) 2014، بعد الانقلاب الذي وقع بدعم علني من الولايات المتحدة، زاد التوجه نحو النازية، وتم اعتبار المواطنين الناطقين بالروسية مواطنين من الدرجة الثانية، ليس لديهم حتى الحق في التحدث بلغتهم الأم. اندلعت الاحتجاجات في كثير من المدن، من أوديسا في الجنوب إلى خاركوف في الشمال الشرقي، عمل على قمعها وحدات من الجيش، ومقاتلون من النازيين الجدد. وعلى خلفية الحرب الأهلية التي اندلعت في الجنوب الشرقي، وانفصال شبه جزيرة القرم، التي أجرى سكانها استفتاءً عامًا، وانضموا من جديد إلى روسيا، أصبحت المواجهة مع الاتحاد الروسي واضحة. أدت محاولات موسكو التوسط في تسوية الوضع في الجنوب الشرقي إلى توقيع اتفاقيات مينسك، التي بموجبها تعهدت كييف بوقف إطلاق النار، وحل القضايا المتنازع عليها بالطرق الدبلوماسية، لكن هذا لم يحدث. كانت أراضي دونباس، حيث أعلن السكان المحليون انفصالهم عن أوكرانيا، عرضة للقصف المستمر، وتعرض سكانها للاحتجاز، والتعذيب، والإعدام خارج نطاق القضاء على يد جهاز الأمن الأوكراني، والوحدات شبه العسكرية النازية الجديدة، الذين أعطتهم القيادة الجديدة في البلاد الصلاحية المطلقة لممارسة العنف تجاه هؤلاء، واستمر هذا الوضع حتى النصف الثاني من شهر فبراير من العام الجاري.

من المعروف أنه في عامي 2020 و2021، تمركزت القوات الأوكرانية في الجنوب الشرقي، فأجرت روسيا- ردًا على ذلك- تدريبات بالقرب من الحدود الأوكرانية. في نهاية عام 2021، عندما تم تركيز القوات الأوكرانية مرة أخرى، نقلت روسيا أيضًا قواتها إلى الحدود، وأعلنت تدريبات عسكرية واسعة. وإذا لم يكن في عام 2020 أي رد فعل للغرب على تصرفات روسيا، ففي عام 2021 بدأت الهستيريا الدبلوماسية، واتهام روسيا بقيامها بأعمال استفزازية. في 22 فبراير، اعترفت القيادة الروسية بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك الشعبيتين، وتضمنت الاتفاقية المتبادلة، التي تم توقيعها على الفور، حق الحصول على مساعدات عسكرية. في غضون ذلك، واصل الجانب الأوكراني قصف المدن (في انتهاك لاتفاقيات مينسك)؛ مما أدى إلى إعلان عمليات إجلاء جماعية من جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك إلى الأراضي الروسية. في الصباح الباكر من يوم 24 فبراير، قصفت القوات الفضائية الروسية مرافق البنية التحتية العسكرية لأوكرانيا، وبدأت الأرتال العسكرية في التقدم من اتجاهات مختلفة، ولم تواجه أي عقبات في معظم نقاط التفتيش، باستثناء الجزء الواقع في جنوب شرق أوكرانيا، وعلى الحدود مع جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك.

لماذا بدأت هذه الأعمال في هذه الأيام بالتحديد؟ ولماذا حاول الغرب الضغط على روسيا لسحب قواتها؟ الحقيقة هي أن القوات الأوكرانية- كما أكد رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، سيرجي ناريشكين- كانت تستعد بالفعل لغزو واسع النطاق لأراضي جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، بدعم من مدربين عسكريين من الناتو، وكان من المخطط تنفيذه في بداية شهر مارس، إلا أن روسيا سبقت أوكرانيا بعدة ساعات. بعبارة أخرى، كان هذا إجراءً استباقيًا يهدف إلى منع الإبادة الجماعية للسكان المدنيين، إلا أنه مع الأسف، لم تستطع القوات منع قصف جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك من جانب أوكرانيا؛ بسبب التركيز الكبير للأسلحة الثقيلة. ولكن يجب علينا أيضًا أن نأخذ في الحسبان الخسائر في الأرواح التي وقعت على مدار السنوات الماضية، حيث إنه منذ عام 2014 قُتل ما يقرب من 14 ألف شخص في دونباس نتيجة للأعمال التي قام بها الجانب الأوكراني!

من الواضح أنه في أثناء قصف مراكز العمليات الخاصة بالقيادة العسكرية الأوكرانية، قُتل كذلك مدربون من الناتو كانوا هناك، وهذا ما يفسر رد فعل دول هذا الحلف الذي أعقب ذلك. لم يتم تدمير ترسانات كبيرة من الأسلحة والذخائر الغربية بقصف عالي الدقة فحسب؛ بل تم الاستيلاء عليها أيضًا لاحقًا في أثناء العمليات البرية، وهو ما يدل على أن عسكرة أوكرانيا كانت تتم بمعدلات سريعة نسبيًّا.

الأسلحة النووية في أوكرانيا

بالإضافة إلى ذلك، فإنه وفقًا للاستخبارات الروسية، كانت الولايات المتحدة تنوي مساعدة أوكرانيا سرًا في صنع أسلحة نووية؛ لذلك لم تكن كلمات الرئيس الأوكراني ڤولوديمير زيلينسكي في 20 فبراير، بأن أوكرانيا ستنسحب من معاهدة عدم الانتشار النووي التي انضمت إليها كدولة غير نووية، إلا مجرد خدعة. إذا أضفنا إلى ذلك وجود الصواريخ الباليستية في ترسانة أوكرانيا، والتطورات الأخيرة في هذا المجال، التي غالبًا ما فسرها السياسيون الأوكرانيون على أنها ضرورة “لضرب موسكو”، فإن العملية العسكرية الروسية تبدو دفاعًا وقائيًّا. من الواضح أن هذا لم يكن قرار زيلينسكي نفسه. وما يثبت أنه مجرد دمية بيد أمريكا هو أنه في وقت سابق بأوامر من واشنطن، فُسِخَ عقد شراء مصنع موتور سيش، حيث تتم صناعة محركات الطائرات، مع الصين. هناك كثير من المنشورات في وسائل الإعلام الأمريكية، والمواقع الإلكترونية للسلطات الرسمية، التي تفيد بأن الولايات المتحدة لن تسمح للصين بالحصول على تقنيات حيوية جديدة، بما في ذلك تلك الأوكرانية. كذلك ارتبط إحكام السيطرة على محطات الطاقة النووية في أوكرانيا (أمَّنت القوات الروسية بالفعل محطتين نوويتين) بالحاجة إلى منع الاستفزازات، وتسرب أي مواد من محطات الطاقة النووية.

هناك عامل آخر مهم؛ وهو وجود شبكة من المختبرات البيولوجية في أوكرانيا (15 معملًا)، في المدن الأوكرانية الكبرى، تخضع لسيطرة البنتاغون (Defense Threat Reduction Agency). من المعروف أنه في إطار برنامج (UP-8) شارك أكثر من 4000 جندي أوكراني في لڤيڤ، وخاركوف، وأوديسا، وكييف في تجارب تستخدم فيها مسببات الأمراض والفيروسات. بعد بدء العملية العسكرية في أوكرانيا، حذفت السفارة الأمريكية المعلومات الخاصة بمشروع (Ukraine BIOWEAPON LAB) من موقعها الإلكتروني.

الجماعات النازية في أوكرانيا

الآن، يمكننا سماع تصريحات أوكرانية بأنه لا يوجد في أوكرانيا أي جماعات نازية، إلا أن الحقائق تقول عكس ذلك. في أثناء التصويت في الأمم المتحدة على القرار الذي يدين تمجيد النازية في السنوات الأخيرة، لم يعارضه سوى دولتين؛ هما: الولايات المتحدة وأوكرانيا. يكفي أنه في المدن الأوكرانية، بما في ذلك العاصمة، توجد نصب تذكارية للمجرمين النازيين، مثل ستيبان بانديرا، ورومان شوخيڤيتش، الذين تحدثوا مثل غيرهم من الأيديولوجيين القوميين الأوكرانيين، عن تفوق “الأمة الأوكرانية”، فيما يشكل بنية أيديولوجية مصطنعة تهدف إلى إقرار تفوقها على الروس في المقام الأول، وكذلك على الشعوب الأخرى التي تعيش في أوكرانيا. كان رومان شوخيڤيتش نائبًا لقائد كتيبة ناختيغال النازية، وشارك في إبادة يهود لڤيڤ، ومن أقواله: “لا تخف أن يلعننا الناس على قسوتنا. حتى وإن لم يتبق من الأربعين مليون أوكراني سوى النصف، فلا بأس”.

يستمر الآن أتباع النازية الجديدة الأوكرانية في انتهاج السياسة ذاتها. إن كتائب النازيين الجدد هذه هي التي تشكل مشكلة خطيرة، والقضاء عليها هو الهدف الرئيسي لاجتثاث النازية. إنهم لا يستخدمون فقط المواطنين الأوكرانيين درعًا بشريًّا؛ بل أيضًا الأجانب (معظمهم من الطلاب)؛ بمنعهم من المغادرة عبر الممرات الإنسانية، كما أنهم يلغمون الطرق والمنشآت المدنية، ويقومون بأعمال استفزازية ضد الجنود الروس، ويحولون دون توزيع المساعدات الإنسانية على المواطنين في المدن التي تم تحريرها، وبالطبع يحرصون على إطالة أمد المفاوضات أطول فترة ممكنة من جانب السياسيين الأوكرانيين، ويقتلون أولئك الذين يقترحون حلولًا بديلة.

في 5 مارس، قُتل دينيس كيرييڤ، عضو فريق التفاوض الأوكراني، بالقرب من محكمة بيتشيرسكي في كييف. ونفى جهاز الأمن الأوكراني الذي اتهم بقتل السياسي، مسؤوليته عن الحادث. قد يكون الأمر كذلك؛ حيث إنه قبل ذلك بقليل، تم البدء بتوزيع الأسلحة على كل من يرغب من المواطنين في كييف دون أي رقابة، وتم الإفراج عن السجناء وتزويدهم بالسلاح أيضًا. بدأت أعمال نهب المدنيين وقتلهم، وبدأت الجماعات المسلحة بإطلاق النار بعضها على بعض، دون أي تدريب أو تنسيق. غرقت كييف في إرهاب المجرمين الدموي. تجدر الإشارة إلى أنه كان لدى كيرييڤ معلومات مهمة عن العلاقات المالية بين السلطات الأوكرانية وما يسمى بكتائب المتطوعين التي كانت تتألف من النازيين الجدد؛ لذلك، من المحتمل أنه قد تم قتله بسبب حيازته معلومات مهمة. كذلك، يوجد الآن في أوكرانيا خبراء من الشركات العسكرية الغربية الخاصة، مسؤولة عن حماية أهم السياسيين والأوليغارشيين، بل إنه يمكن الاستعانة بهم كذلك في أعمال قذرة، مثل اغتيال الشخصيات غير المرغوب فيها.

من الضروري أيضًا التطرق إلى بعض جوانب القانون الدولي المتعلقة بهذا النزاع؛ أولًا: من غير المقبول استخدام مصطلح “عدوان”؛ لأن روسيا لا تسعى إلى احتلال البلاد. ثانيًا: لقد انتهكت أوكرانيا المادتين 13 و 17 من اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب؛ حيث نشر الجانب الأوكراني- عمدًا- مقاطع فيديو تظهر أسرى الحرب الروس يتعرضون للضرب والضغط النفسي. بالإضافة إلى ذلك، تعمدت الوحدات العسكرية الأوكرانية أن تضع المعدات العسكرية في مرافق البنية التحتية المدنية دون إجلاء المدنيين، ما يعد جريمة حرب بموجب المادة الثامنة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. في عام 2014 قبلت أوكرانيا رسميًّا اختصاص المحكمة الجنائية الدولية؛ ومن ثم يجب التحقيق في هذه الأفعال. وأخيرًا، يمثل استقدام السلطات الأوكرانية للمرتزقة الأجانب وتجنيدهم العلني، إلى جانب نشر الأسلحة بطريقة لا تخضع لأي سيطرة، تهديدًا خطيرًا لأمن أوروبا بأسرها.

بعبارة أخرى، تشهد أوكرانيا حربًا مختلطة، وضعت أسسها في الغرب على مدار سنوات كثيرة. هناك مزيج غريب من الجنود المخضرمين، والهياكل العسكرية التي تتألف من النازيين الجدد، وجزء من السكان المخدوعين الذين أطلق عليهم فرق الدفاع الإقليمي، وتم توزيع الأسلحة عليهم، والسجناء الذين أُفرِجَ عنهم، والمرتزقة الأجانب، جميعهم يقفون في مواجهة الجيش الروسي، ويمارسون- في الوقت نفسه- أعمال النهب، والسرقة، وترهيب المواطنين. نُضف إلى ذلك الكم الكبير من المعلومات الكاذبة، والتضليل، و”البروباجندا” في وسائل الإعلام الغربية، فضلًا عن حزم العقوبات الجديدة التي فُرِضَت على روسيا، التي هزّت بالفعل الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، ليس لنا أن نستسلم للوهم بأن روسيا ستحقق هدفها المتمثل في نزع السلاح، واجتثاث النازية في أوكرانيا؛ سيكلفها هذا ثمنًا باهظًا. مع ذلك، لقد دفعت روسيا (الاتحاد السوڤيتي) بالفعل مقابل تحرير أوروبا من الفاشية. على ما يبدو، حان وقت التضحيات الجديدة بسبب غباء الدول الأوروبية، وتحريض الولايات المتحدة، والأعمال العدوانية التي تقوم بها القيادة الأوكرانية. وكلما أسرعت أوكرانيا (وكذلك سادة النظام الأوكراني في الغرب) في فهم ذلك، كان أفضل للعالم بأسره، ولأوكرانيا نفسها في المقام الأول. في 5 مارس (آذار)، قال الرئيس الروسي ڤلاديمير پوتين إنه إذا لم تلبِّ القيادة الأوكرانية مطالب روسيا، فسوف يثير ذلك تساؤلات عن مستقبل الدولة الأوكرانية.

مستقبل العلاقات الروسية مع الغرب

يمكننا القول- بكل تأكيد- إن علاقات روسيا المستقبلية مع الغرب لن تكون أبدًا كما كانت، وإن الولايات المتحدة قد نجحت- إلى حد ما، بفضل أعمالها الاستفزازية- في أن تلحق الضرر بالعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، ولكن من ناحية أخرى، فإن هذا يعني أيضًا أن زمن الهيمنة الغربية قد ولى. الآن ستعمل روسيا- بجد- لإنعاش اقتصادها وتقنياتها دون تأثير من الغرب، أو فرضه لقواعد اللعبة، كما أنها مستعدة لمساعدة البلدان الأخرى على تحرير نفسها من نير الهيمنة الغربية؛ من أجل تشكيل نظام متعدد الأقطاب جديد أكثر عدلًا، وخالٍ من النازية وما يشبهها من الأيديولوجيات المناهضة للإنسان. إن الأزمة الحالية في أوكرانيا هي خطوة صعبة ومعقدة نحو هذا المستقبل.

 

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير