الإستراتيجية الصينية في طاجيكستان.. الأزمة الأفغانية نموذجًا

تتنامى المخاوف الصينية بشأن التهديدات الإرهابية المُحتملة بعد استيلاء حركة طالبان على أفغانستان عقب انسحاب الجيش الأمريكي، خاصة أن تنظيمات مثل القاعدة، وداعش، وغيرهما، سوف تكون قادرة على استغلال الوضع الحالي الفوضوي لتكثيف أنشطتها داخل البلاد، وكذلك المنطقة المحيطة بها، وخاصةً بلدان آسيا الوسطى.

في يوليو (تموز) 2021، أي قبل سقوط أفغانستان في يد طالبان، قُتل تسعة مهندسين صينيين في تفجير انتحاري استهدف حافلة في باكستان. ومع أن المسؤولين الباكستانيين اتهموا حكومتي الهند وأفغانستان في هذا الهجوم، فقد أشارت تقارير إعلامية إلى تورط حركة طالبان باكستان، التي لها صلات بنظيرتها في أفغانستان.

انعكست استجابة بكين لهذا الوضع الأمني المضطرب في المنطقة من خلال أنباء عن موافقة طاجيكستان خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2021 على خطة لإنشاء قاعدة عسكرية حدودية جديدة بتمويل صيني، فيما يبدو أنها جزء من صفقة أكبر بين وزارة الداخلية في البلاد ووزارة الأمن العام الصينية، لكن ليس من الواضح إلى الآن، هل ستتمركز قوات صينية إلى جانب القوات الطاجيكية أم لا، لكن المؤكد أن القاعدة مزودة بمعدات صينية خاصة بأنظمة المعلومات.

والأنباء التي نُشرت في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 عن وجود قوات صينية وطاجيكية وأفغانية متمركزة على الحدود مع الصين قبل سقوط أفغانستان، وانسحاب الأفغان على خلفية التوترات بين دوشانبي وكابول تحت قيادة طالبان، لا تُعد جديدة، فمنذ عام 2019، هناك تقارير صحفية تزعم بوجود قوات عسكرية صينية تابعة لجيش التحرير الشعبي منذ عام 2016 في طاجيكستان.

أما الجديد فهو أن القاعدة الأمنية الحدودية الممولة صينيًّا في طاجيكستان تُلقي الضوء على بلدان آسيا الوسطى (طاجيكستان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وتركمانستان، وأوزبكستان) التي نادرًا ما تظهر في شاشات الإعلام العالمي على الرغم من أهمية المنطقة الجغرافية، فهي جزء حيوي من العالم الإسلامي، وتتأثر بما يحدث فيه لصلاتها العرقية، ولقربها الجغرافي من لاعبين إقليميين مثل إيران، وأفغانستان، وباكستان. وتشبه آسيا الوسطى- إلى حد كبير- الشرق الأوسط، حيث تملك أكبر احتياطيات طاقة غير مستغلة في العالم، وتعاني الفقر والفساد، والأنظمة الاستبدادية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وهذه العوامل تجعلها أرضًا خصبة لعنف الحركات الإسلاموية المصدرة من أفغانستان المجاورة.

طاجيكستان بوصفها شريكًا مفيدًا في الأزمة الأفغانية

من بين جميع دول آسيا الوسطى، تعد طاجيكستان الأفقر والأكثر هشاشة. فهي ليست غنية بالنفط مثل كازاخستان وأوزبكستان، لكن هبة تلك الدولة تكمن في جغرافيتها، فهي دولة جبلية غير الساحلية، يحدها من الجنوب أفغانستان، ومِن الغرب أوزبكستان، ومن الشمال قيرغيزستان، ومن الشرق الصين؛ ما يجعل طاجيكستان نقطة عمل جيوسياسي مع الصين، وأفغانستان، وبلدان ما بعد الاتحاد السوڤيتي، أي روسيا بالتبعية، أو ضدها.

تُدرِك الصين أن موقع طاجيكستان في آسيا الوسطى (لديها حدود بطول 1344 كيلومترًا مع أفغانستان)، و (257) ميلًا من الحدود المشتركة معها، يجعل منها ثغرة للفوضى التي إذا استُغِلَت يمكن أن تملأ البلاد ليس فقط بالإرهابيين؛ بل بالمخدرات، وتهريب البشر؛ لذا تهتم بكين بعلاقتها مع دوشانبي بوصف الأخيرة شريكًا أساسيًّا في الحفاظ على الاستقرار الهش في آسيا الوسطى، خاصةً فيما يتعلق بالحركات الانفصالية في منطقة شينجيانغ الإيغورية المتمتعة بالحكم الذاتي، والآن فيما يتعلق بالأزمة الأفغانية، ومنع تدفق اللاجئين.

تُناهض طاجيكستان حركة طالبان علنًا، وعبّر الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن عن معارضته لما يحدث في أفغانستان، كما استضافت دوشانبي أحمد مسعود الذي يقود مجموعات مسلحة ذات أغلبية طاجيكية مناهضة لطالبان من أجل إجراء محادثات مع ممثلي الحركة برعاية باكستان، إلا أن طالبان رفضت. وفي غضون ذلك، تبادلت طاجيكستان البيانات الحادة مع طالبان، وحشدتا قواتهما العسكرية على الحدود؛ مما دفع كلًا من روسيا وباكستان إلى حث الجانبين على خفض حدة التوتر.

وبالرغم مِن إعلان دوشانبي إيواء اللاجئين الأفغان، فإنها على عكس جيرانها في آسيا الوسطى أوزبكستان، وتركمانستان،  حازمة في عدم التعامل مباشرة مع الحركة، ويتماشى هذا الموقف تجاه طالبان مع موقف العواصم الأوروبية، وكذلك مع موقف الولايات المتحدة، ودول أخرى في المنطقة، مثل الصين، وروسيا. وهذا يمنح طاجيكستان لحظة في دائرة الضوء لإعادة تصوير نفسها شريكًا مفيدًا للقوى العظمى.

الإستراتيجية الصينية في طاجيكستان

خلال العقد الماضي، وبوجود القوات الأمريكية في أفغانستان، انتهجت الصين إستراتيجية أساسها السياسة الناعمة الطويلة الأمد، فقد ضمت طاجيكستان إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وأعطت الضوء الأخضر للقروض والمنح الضخمة لمشروعات طاجيكستان المختلفة، بالإضافة إلى إنشاء شركات صغيرة ومتوسطة مع مسؤولين حكوميين وشخصيات وقادة طاجيك؛ ومن ثم أسست رأيًا مؤيدًا لها على جميع مستويات الحكومة.

عام 2019 ظهر عُمق العلاقات الصينية- الطاجيكية في سماح بكين لطاجيكستان التي تضرر اقتصادها بشدة خلال جائحة كوفيد- 19 بسبب انخفاض التحويلات الخارجية من النقد الأجنبي التي تشكل ما يقرب من ثلث الناتج المحلي الإجمالي بتعليق سداد الديون. وفي عام 2020، اكتفت بكين  بتسديد دوشانبي لـ 30 مليون دولار أمريكي، أي (2.5%) فقط من إجمالي ديونها المستحقة. وهذا حقق هدفين:

  • هدفًا جيوسياسيًّا، بتوطيد نفوذ بكين في الدولة الطاجيكية التي تُعد ساحة صراع صيني/ روسي/ أمريكي.
  • هدفًا أمنيًّا، فمع توسع تأثير اللوبي الاقتصادي الصيني يتوسع الحضور العسكري، حيث أُبرمَت اتفاقية بين الصين وطاجيكستان لمكافحة الإرهاب، والانفصالية، والتطرف، وإنشاء مركز مشترك لمكافحة الإرهاب بين الأجهزة الأمنية الصينية والطاجيكية، هذا بالإضافة إلى تحديث البنية التحتية لحرس الحدود الطاجيكي.

من نواح كثيرة، يعكس النفوذ الصيني في طاجيكستان اتجاهًا أوسع في السنوات الأخيرة لبكين التي تسعى إلى موطئ قدم في آسيا الوسطى يُمكنها من مواجهة أي تهديدات محتملة، وليس بالضرورة مخاوف بشأن مكافحة الإرهاب المتعلق بأفغانستان. فالمصالح الجيوسياسية الصينية، والأهداف التي يمكن أن تحققها هناك على حساب روسيا والولايات المتحدة كبيرة، لكنها تحتاج إلى مثابرة، فإن نظرنا إلى ضعف موقف الولايات المتحدة لغيابها تاريخيًّا عن المنطقة، وتآكل الحضور الروسي، بعيدًا عن التقارب الثقافي، مثل انتشار اللغة الروسية، ما يعني أن قبضة موسكو أيضًا على آسيا الوسطى ليست قوية كما كانت، يُمكن أن تلحق الطرق البديلة، والسكك الحديدية، والبنية التحتية الصينية ضررًا كبيرًا بواشنطن وموسكو، لكن الأخيرة تتمتع ببعض الاستثناء؛ حيث تحافظ بكين على عدم اختراق التحالف الظاهري الذي يجمع موسكو وبكين  ضد القوى الأطلسية.

أخيرًا، ما تُشيده بكين من علاقات مع طاجيكستان هو نموذج لتمكينها في بلدان آسيا الوسطى عبر مضاعفة فرص تلك البلدان في الربح الاقتصادي، وفي استقرار أنظمتها الداخلية الهشة، حيث يستغل الرئيس الطاجيكي إمام علي رحمن الأزمة الأفغانية لإعادة تقديم نفسه مُدافعًا عن القومية الطاجيكية (تتراوح نسبة الطاجيك الأفغان من 20% إلى40%) في العالم، وبدعم الصين للرئيس رحمن تجد القوى الأطلسية نفسها أمام ضرورة التفاوض مع طاجيكستان، وتقديم مساعدات لها لاحتواء تبعات الأزمة الأفغانية.

وعبر تعزيز دور دوشانبي بدعم صيني، تحفظ بكين أمنها الجيوسياسي بما يسمح لها بحماية مبادرة الحزام والطريق في منطقة آسيا الوسطى، وتعزيز الأمن في شينجيانغ، بالإضافة إلى تقوية حضورها على أساس إقليمي ضد الهند، لا سيما فيما يتعلق بالتنافس المباشر بينهما على طول الحدود، كما يُقلل هذا- بشكل غير مباشر- من النفوذ الروسي، ويقلل من الذرائع التي يمكن لموسكو من خلالها اتهام بكين بأي شيء لتقويض المصالح الروسية في المنطقة.

وعلى الصعيد العالمي، تستخدم بكين توسعها في قلب آسيا الوسطى كخطوة استباقية ضد الولايات المتحدة، حيث أعلنت الأخيرة أنها على وشك التباحث مع الدول المجاورة لأفغانستان من أجل استضافة القوات الأمريكية، أو السماح بانتشارها السريع في حالة الطوارئ، وأنها قد تبدأ من باكستان عبر اتفاقية تسمح باستخدام الأجواء الباكستانية لتنفيذ عمليات عسكرية في أفغانستان؛ لذا يبدو أن القاعدة العسكرية الطاجيكية، سواء أكانت بتمويل صيني فقط، أم تحت إدارة عسكرية صينية مباشرة، هي تأسيس لمرحلة جديدة من التحولات الجيوسياسية في آسيا، ولا يتعلق الأمر فقط بالأزمة الأفغانية؛ بل بـ “لعبة كُبرى” جديدة بين القوى العظمى، تعد فيها طاجيكستان نقطة ارتكاز.