الحضور الصيني في البلطيق

شاركت دول البلطيق بتمثيل دبلوماسي على مستوى الوزراء في قمة (17+1) برئاسة الرئيس الصيني شي چين بينغ، الخاصة بالتعاون بين الصين ودول وسط أوروبا وشرقها. تأسست مبادرة (17 + 1) عام 2012 في العاصمة المجرية بودابست بهدف توسيع التعاون الاقتصادي بين بكين والدول الأعضاء في أوروبا الوسطى والشرقية، ويركز الإطار العام للمبادرة على مشروعات البنية التحتية (مثل الجسور، والطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، وتحديث الموانئ) في الدول الأعضاء. وتشمل المبادرة اثنتي عشرة دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، من دول البلقان (ألبانيا، والبوسنة والهرسك، وبلغاريا، وكرواتيا، واليونان، ومقدونيا، وصربيا، والجبل الأسود، ورومانيا)، ومن دول أوروبا الشرقية (التشيك، والمجر، وبولندا، وسلوڤاكيا، وسلوڤينيا)، ومن دول البلطيق (إستونيا، ولاتڤيا، وليتوانيا). ويُنظر إلى المبادرة- إلى حد كبير- على أنها امتداد لمبادرة الحزام والطريق الصينية (BRI).

يُشير التمثيل الدبلوماسي الأدنى من مستوى الرؤساء إلى تحول لافت في الموقف السياسي لدول البلطيق من الانخراط أكثر مع الصين، مع أن الرأي العام الشعبي في هذه البلدان لعام (2021) يُرحب بالتعاون الاقتصادي معها، ولا يرى غالبية السكان أن بكين تشكل تهديدًا لنفوذ بروكسل، فما الذي يُفسر الانقسام في التصور بين النخب السياسية والرأي العام الشعبي تجاه الصين؟

التصور الشعبي للصين في البلطيق

يجب الإشارة أن الاعتقاد الشعبي السائد في البلطيق ما زال يرى أن التجربة الصينية الاقتصادية يمكن أن تحمل لهم مكاسب عبر التعاون والتصدير والاستثمار. ورغم خلاف القيم المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات، ترى الغالبية الشعبية في استطلاعات الرأي، أنه يمكن تنحية هذا الأمر جانبًا، والتركيز في العلاقات الخارجية مع الصين على تعزيز التجارة والاستثمار في البنى التحتية.

تبدو الآراء الأكثر انتشارًا في البلطيق، بشكل شعبي وليس سياسيًّا، قائمة على البرغماتية الاقتصادية في بناء التصورات عن الصين، على عكس التصورات الشعبية السائدة في باقي بلدان الاتحاد الأوروبي، فقد أضرت جائحة كوفيد- 19 بصورة الصين في بعض البلدان الأوروبية، وبينما يربط البعض الصين بالوباء، بقى الأمر في بلدان البلطيق، خاصةً لاتڤيا، ثانويًّا، أي لم يقوض الوباء صورة الصين الإيجابية في بلدان البلطيق.

وقد يتم تفسير هذه النظرة الإيجابية إلى الصين بأن الاستطلاعات الشعبية التي أجراها معهد وسط أوروبا للدراسات الآسيوية – (CEIAS)، في أواخر عام (2020)، لم يكن يتزامن معها في البلطيق أي ارتفاع قياسي لمعدلات انتشار الوباء[1] (حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2020، تم الإبلاغ عن عدد قليل من الإصابات المؤكدة يوميًّا – خاصةً في لاتڤيا) [2]. هناك تفسير آخر يشير إلى أن الرأي العام في البلطيق كان أكثر وعيًا، ولم يسقط تحت تأثير القلق الذي يولد العدائية، الناتج عن انتشار نظريات المؤامرة الوبائية، مثل: “تسريب كوفيد-19 في مختبر صيني، وانتشاره عن قصد”، وكان الرأي الغالب هو أن  “كوفيد- 19 مرض يصيب الحيوانات، لكنه انتقل إلى الإنسان انتقالا طبيعيًّا”.

التعاون الاقتصادي بين الصين ودول البلطيق

أكدت الاستنارة الشعبية البراغماتية الاقتصادية ضرورة التعاون مع الصين في جميع المجالات الاقتصادية التي تسمح بها العلاقات الدولية، مع الحرص (إن أمكن) على القيم المتعلقة بالحرية، والنظام السياسي، وعدم الافتتان بالتنامي العسكري الصيني، لا سيما في الفضاء السيبراني، أو التجاوز عن المخاطر البيئية من آليات التصينع الكثيف، إلخ، لكن دون أن تُدرَج “حقوق الإنسان، والإصلاحات الديمقراطية في الصين” ضمن أولويات العمل المشترك. كيف يُفهم إذن هذا التناقض؟ من المحتمل أن تكمن الإجابة في تصور الصين كلاعب رأسمالي قوي في الواقع، وليس كقوة شيوعية استبدادية مُتخيلة يتم وصفها عبر أدب الحرب الباردة، وقد اهتمت الصحافة في البلطيق أحيانًا بتنظيم زيارات، وتقديم مقالات عن الصين، غالبًا ما يمكن تلخيصها في جملة “في الصين شيوعيون، لكنها ليست شيوعية”. هذا إلى جانب رؤية شعبية تشير إلى عدم ضرورة الارتباط الجيوسياسي بين البلطيق والصين، والاستمرار في الاعتماد السياسي والدبلوماسي الخارجي على الاتحاد الأوروبي، وروسيا، والولايات المتحدة فيما يتعلق بهذه الجوانب.

عمومًا، لا يزال يُنظر شعبيًّا إلى الصين على أنها طريق إلى التنمية الاقتصادية، ويعتقد معظم المشاركين في استطلاعات الرأي من جميع الخلفيات العرقية واللغوية في البلطيق أن الصين يمكن أن تساعد على تطوير القطاعات الخدمية، وهذه المُهادنة الشعبية يمكن قراءتها من طبيعة الحياة في تلك الأرض، حيث تُصنع المواءمات السياسية، فنجد عددًا أكبر من المتحدثين بالروسية يؤمن بمواءمة السياسة مع روسيا، في حين يعرب المتحدثون باللغات القومية البلطيقية عن ثقتهم بالولايات المتحدة، لكن التفاوتات في المواقف بين المجتمعات اللغوية تتضاءل فور بدء التعاون العملي في السياسة والاقتصاد.

التصور الحكومي للصين في البلطيق

ننتقل إلى الموقف السياسي الحكومي في البلطيق تجاه الصين، في البداية، بدت وعود الاستثمار التي قدمتها بكين للمنطقة مشجعة، ولكن على مر السنين كان هناك اختلال كبير في التوازن بين دول أوروبا الوسطى والشرقية وجارتها الغربية فيما يتعلق بالمُخصصات المعلنة، وكان الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني للبلدان الأكثر احتياجًا إلى الاستثمار في شرق أوروبا ووسطها “ضئيلا” بالمقارنة مع إجمالي الاستثمارات في القارة بكاملها؛ لذا تولد شعور بخيبة الأمل داخل دوائر الساسة لهذه البلدان فيما يتعلق بالمشاركة الإقتصادية المستقبلية مع الصين، وهذا الإحباط تزامن مع الضغوط الأمريكية على المنطقة لمنع توسع شبكة (5G) في وسط أوروبا وشرقها. وتسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى ضم المنطقة إلى “برنامج الشبكة النظيفة” المتعلق بالسياسة الإلكترونية لحماية الخصوصية والبيانات التي يمكن أن تعرض الأمن القومي للخطر، وهذا عبر إلغاء كل شراكة اقتصادية مع الشركات الإلكترونية والتقنية والاتصالات الصينية، وعلى رأسها (هواوي). ومن ناحية أخرى، تتعرض بلدان البلطيق ووسط أوروبا وشرقها لضغط اقتصادي ناجم عن جائحة كوفيد- 19، ما يجعل كُل فرصة استثمار مُباشر هي طوق نجاة.

لذا يبحث الساسة في دول البلطيق عن طريق أمثل للتعامل مع الصين، فيما تُعد ليتوانيا الأكثر تشددًا ضد الجانب الصيني؛ فقد طلبت من منظمة الصحة العالمية دعوة تايوان إلى حضور اجتماع لمناقشة الاستجابة العالمية للوباء، ومنعت بكين مشاركة تايوان. بينما تبحث لاتڤيا وإستونيا عن طرق للتعامل مع الصين إما على المستوى الثنائي، وإما جنبًا إلى جنب مع الاتحاد الأوروبي، فإنهما تحاولان إيجاد طريق مُمهدة؛ أولًا: لضمان أمنهما القومي، حيث أعلن جهاز المخابرات اللاتڤي في مايو (أيار) 2020، في تقريره السنوي عن الأمن القومي، أن الصين تُمثل تهديدًا إلكترونيًّا، وثانيًا: للابتعاد عن آثار الصراعات الصينية- الأمريكية/ الأوروبية دون حرق الجسور مع أي طرف.

استنتاجات:

  • لا يُتوقع أن تتوسع هوة الخلاف السياسي بين بلدان البلطيق والصين؛ بل ستتحرك أكثر نحو الجانب الصيني، في ظل الاستقرار النسبي لمعادلة الأمن التي تضمنها الولايات المتحدة لتلك البلدان، والتي أعاد تأكيدها الرئيس الأمريكي جو بايدن.
  • سيزداد التقارب بين دول البلطيق والصين في ضوء التوصل إلى اتفاقية شاملة للاستثمار بين الاتحاد الأوروبي والصين، من المُرجح أن تدخل حيز التنفيذ عام (2022) بعد التصديق عليها من جانب حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، والتي ستؤدي إلى استبدال أكثر من عشرين معاهدة استثمار ثنائية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والصين.
  • الاتفاقية الأوروبية- الصينية سوف تقلل المخاوف والشكوك الأمنية وتُرفع الضغوط السياسية عن دول البلطيق.
  • ستنمو النزعة الشعبية البراغماتية- الاقتصادية التي ترى ضرورة التعاون مع الصين في جميع المجالات الاقتصادية التي تسمح بها العلاقات الدولية.
  • من المتوقع أن تمنح الاتفاقية الأوروبية- الصينية مساحة أكبر بكثير لشركات بلدان البلطيق والصين لتوسيع أعمالها في أسواق كل منها.
  • ستضمن الاتفاقية الأوروبية- الصينية احترام الملكية الفكرية لبلدان البلطيق (والبلدان الأوروبية عمومًا)، وتحظر عمليات النقل القسري للتكنولوجيا، وتفرض قواعد شفافية على الشركات العامة الصينية؛ ما يسمح بمساحة تعاون اقتصادي حُر بين بلدان البلطيق والصين مستقبلًا

 

[1] Survey: Europeans’ views of China in the age of COVID-19 – By Richard Q. Turcsányi – Central European Institute of Asian Studies – 28. March 2021 – https://ceias.eu/survey-europeans-views-of-china-in-the-age-of-covid-19/

[2] THE CENTRE FOR DISEASE PREVENTION AND CONTROL OF LATVIA, 2021 , https://infogram.com/saslimuso-skaits-diena-ar-c19-1h0n25yoxp7wz6p