القليل من السياسة الكثير من الاقتصاد

الصين تخترق البلقان

بانشغال الغرب (الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية) بقضاياه الداخلية، مثل الانكماش الاقتصادي، والهجرة، وإعادة ضبط التعاون بين جانبي المحيط الأطلسي، والمواجهة “المصطنعة أحيانًا” مع روسيا بوصفها “المنافس الخطير”، تتمدد الصين ببطء وهدوء في منطقة البلقان عبر الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية، لتقدم بكين أوراق اعتمادها كلاعب جيوسياسي كبير يطرق أبواب الغرب.

وتنظر النخب الحاكمة في البلقان إلى الاستثمارات الصينية على أنها فرصة للتنمية السريعة، في ظل ضبابية مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي. وعلى سبيل المثال، صربيا تقترب أكثر من بكين، إلى درجة أن الرئيس الصربي ألكسندر ڤوتشيتش يشير إلى الرئيس الصيني شي جين بينڠ بأنه (ليس صديقًا فقط؛ وإنما أخ)، وفي ظل صراعات الاتحاد الأوروبي بشأن حظر ألمانيا تصدير الأقنعة الواقية في أثناء تفشي جائحة كوفيد- 19، أرسلت الصين أطنانًا من المساعدات الطبية إلى صربيا. 

الاستثمار في دول البلقان

كما يُعاني البلقان مناخًا استثماريًّا سيئًا، وانكماشًا اقتصاديًّا، ولم تأت سياسات الخصخصة والسوق الحُرة بالنتائج المرجوة والأحلام الوردية التي أعقبت فترة التفكك السوفيتي؛ مما جعل الاستثمار المباشر مصدر تمويل مهمًّا لميزانيات الحكومات في تلك المنطقة، وهذا مثّل فرصة لبكين لكي تملأ فراغ بروكسيل وواشنطن بدرجة كبيرة، وتنافس النفوذ الروسي الموروث. 

لا تضغط بكين على النخب السياسية في البلقان، فلا خُطب ومحاضرات عن الحريات الشخصية والإعلام، ولا شروط تعجيزية لبرامج الإصلاح الهيكلي التابعة لصندوق النقد والبنك الدوليين، ولا حضور لترسانة من القوانين من أجل التكامل مع الاتحاد الأوروبي التي تجعل من كل صفقة تجارية، أو قرار سياسي، مسألة بيروقراطية معقدة؛ لذا يُنظر إلى الصين- بشكل مُتزايد- بوصفها مصدرًا موثوقًا به للنمو الاقتصادي الذي يوفر الوظائف المحلية، ما يضمن الاستقرار السياسي نسبيًّا.

وبدأت بكين في عقد مؤتمرات قمة سنوية (17 +1) مع دول شرق أوروبا وجنوبها لمناقشة فرص الاستثمار، لا سيما في البنية التحتية، وقدمت قروضًا ميسرة، وخطط سداد طويلة الأجل، خاصةً لدول البلقان التي تُعاني نقصًا في التمويل، مثل مقدونيا الشمالية، وصربيا، والبوسنة، والجبل الأسود، بالإضافة إلى اليونان؛ ما جعل عروض الاستثمار الصيني لا يُمكن رفضها.

ومع إطلاق الصين مبادرة الحزام والطريق، عام 2013، وهي فكرة إحياء طريق الحرير التجاري في القرن التاسع عشر الذي ربط الصين بالعالم، وتهدف إلى توسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والمواني والمرافق الأخرى عبر بلدان عديدة في آسيا وإفريقيا وأوروبا، أصبحت بكين تنظر إلى بلدان البلقان التي تتمتع بموقع إستراتيجي على الجانب الجنوبي لأوروبا، على أنها نقطة وصول رئيسية إلى وسط أوروبا وغربها، حيث تكون مُعدلات الاستهلاك من بين الأعلى في العالم؛ لذا استثمرت الصين بكثافة في صربيا، واستمر حجم التجارة بين البلدين في النمو، حيث وصل إلى (2.1) مليار يورو عام 2018، وباستثمارات صينية بقيمة (10) مليارات دولار تتصدر صربيا قائمة دول وسط أوروبا وشرقها المشاركة في إطار مبادرة (17 +1)، وتنشئ شركة (Huawei) الصينية مشروعًا خاصًا يتعلق بالأمن الداخلي الصربي يتمثل في تركيب ألف كاميرا عالية الدقة عبر (800) موقع في جميع أنحاء العاصمة، قادرة على التعرف على الوجه، ولوحات الترخيص للمركبات بواسطة الذكاء الاصطناعي، موفرة كل المعلومات اللازمة لوزارات الأمن المعنية. بالإضافة إلى مشروع خط سكة حديد يربط بين بلغراد وبودابست، ويبلغ طوله (350) كيلومترًا، بتكلفة إجمالية نحو أربعة مليارات يورو.

استثمارات الصين في الجبل الأسود

وأصبحت الصين أكبر مستثمر في الجبل الأسود باستثمارات مباشرة بلغت (70) مليون يورو، وتملك (40%) مِن الديون الخارجية لتلك الدولة الصغيرة، التي تركز بكين على علاقتها معها؛ لأنها دولة عضو في حلف الناتو، بالإضافة إلى إدارة ميناء بيرايوس اليوناني باستثمارات بلغت (600) مليون يورو في أقصى جنوب المنطقة، وهو أحد أسرع المواني نموًا في أوروبا، وتمويل مشروعات طرق سريعة وجسور في كرواتيا، وبناء محطة طاقة حرارية بقيمة (700) مليون يورو في البوسنة، وهو أكبر استثمار مباشر في تلك الدولة منذ نهاية حرب (1992- 1995).

تحقق بكين أكثر من مجرد تمهيد تضاريس البلقان الوعرة لممر الحزام والطريق، حيث تعمل على إنشاء أسواق اقتصادية جديدة، إلى جانب خلق وسيلة تأثير سياسي تضمن دعمًا لها عندما يتعلق الأمر ببعض القضايا الحقوقية والسياسية المتعلقة بها، مثل قضايا تايوان، والإيغور، والتبت، في مؤسسات المجتمع الدولي. وقد دافعت صربيا بقوة عن السياسات الصينية في شينجيانغ.

وأخيرًا، بقراءة السياسات الصينية والروسية والأطلسية في البلقان، نجد الصين تركز على تطوير البنية التحتية حيث تُحجم القوى الأطلسية عن الاستثمار، على عكس موسكو التي يتمثل أحد أهدافها الرئيسية في تلك المنطقة في إعاقة توسع الناتو، والاتحاد الأوروبي، عبر الاعتماد على سياسة خاصة مرتكزة على سياسة النفط والغاز، والروابط الدينية والثقافية، والإعلام. ما سبق يُشير إلى أن بكين تهتم أكثر بالأعمال، فيما تأتي السياسة لاحقًا، وهذا يغري النخب السياسية البلقانية التي ترى صعوبة في احتمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو الناتو؛ ومن ثم فإن المشاركة الأكبر مع الصين هي خيار أمثل الآن، وطريقة لتخفيف شروط بروكسل، ما قد يجعل القروض المنخفضة الفائدة، وخطط السداد المُتساهلة حلولًا مؤقتة لأزمات دائمة، عاجلًا أو آجلًا سيأتي وقت تفجرها.

استنتاجات

1. بعد انتقال مضطرب من الشيوعية إلى الديمقراطية، أصبحت منطقة البلقان ملعبًا للصين.

2. تتمتع البلقان بأهمية إستراتيجية؛ لأنها بوابة عبور الصين إلى قلب أوروبا.

3. تقلل الطرق والمواني في نطاق البلقان التكاليف الاقتصادية لنقل البضائع الصينية.

4. كتلة دول البلقان قد تتحول إلى أصوات دعم للسياسات الصينية في الهيئات الأممية، ومؤسسات المجتمع الدولي.

5. ستستخدم الصين- تمامًا مثل أي قوة كبرى أخرى- استثماراتها في الخارج وسيلة ضغط سياسية لانتزاع التنازلات.

6. تتآكل ثقة نُخب البلقان السياسية في القوى الأطلسية.

7. هناك تنافس روسي- صيني في منطقة البلقان، لكنه يتفق في الهدف، وهو النفوذ، ويختلف في الوسائل.