الشيشان.. بوابة إيران للعودة إلى شمال القوقاز

في زيارة قمت بها إلى العاصمة الشيشانية “غروزني” قبل خمس سنوات، استحضرت ذكريات المرة الأولى التي وطأت فيها قدماي تلك المدينة أثناء الحرب الأخيرة التي خاضها الكرملين ضد الانفصاليين الشيشان وجرت معاركها الكبرى بين عامي 1999 و 2000.

حينها كانت غروزني أشبه ببرلين بعد الحرب العالمية الثانية..دمارٌ وخرابٌ طال كل شيء!..من التفاصيل العالقة بذهني أثناء سيرنا بين أطلال البيوت المنكوبة، عبارةً لأحد مرافقينا من القوات الروسية قالها بلهجة عاتية : لولا الدعم الذي قدمه الغرب وبعض بلدانكم العربية للإرهابين الإسلاميين، لما تأخر الحسم!

تذكرت ذلك الموقف في الزيارة الأخيرة التي قصدت فيها غروزني لإجراء حوار تليفزيوني مع الرئيس الشيشاني رمضان قديروف، أبرز رجال الكرملين في شمال القوقاز!

كانت غروزني لا تختلف كثيراً في الحداثة عن مدن الاتحاد الروسي، فيما أصبحت جمهورية الشيشان الأكثر تميزاً في مستوى المعيشة  بين جاراتها في شمال القوقاز ، وهو ما حرصت عليه موسكو، كحائط صدٍ، تحسباً لأي نعرات انفصالية في المستقبل.

لم يسمعني قديروف شيئاً عن فترة صعبة عاشتها علاقات موسكو مع بعض العواصم العربية التي كانت تقدم الدعم للانفصاليين الشيشان، بل كان بين الحين والآخر يثني على ما وصلت إليه تلك العلاقات، ويتحدث عن ضرورة تطويرها، مؤكداً أنه شخصياً يحرص على القيام بزيارات إلى تلك البلدان، معتبراً نفسه مبعوث الرئيس بوتين إلى قادتها.

الكاتب مع الرئيس الشيشاني رمضان قديروف في لقاء سابق في العاصمة غروزني

الكاتب مع الرئيس الشيشاني رمضان قديروف في لقاء سابق في العاصمة غروزني

يعرف شمال القوقاز، بمنطقة «ما بين البحرين» الأسود وبحر قزوين ، التي تضم عدة جمهوريات في جنوب روسيا ذات أغلبية مسلمة (جمهورية أديغا- جمهورية أنغوشيا- جمهورية داغستان- جمهورية الشيشان- جمهورية قرتشاي شركيسيا- جمهورية قبردين– بلقاريا)، تقاسم  النفوذ والصراع عليها- تاريخيًّا- الإمبراطوريتان المتداعيتان آنذاك العثمانية والفارسية، في القرن التاسع عشر، في حين أنهما كانتا واقعتين تحت تأثير النفوذ البريطاني، وهو ما دفع الإمبراطورية الروسية إلى “الاندفاع” نحو القوقاز لغزوه، للحيلولة دون وصول جيوش الإمبراطورية البريطانية، ولأجل ذلك خاض الروس حربًا طويلة وشرسة في جبال القوقاز   بدءًا من عام 1817، حتى دانت لهم السيطرة على تلك المنطقة بكاملها عام 1864، وظلت تحت السيطرة الروسية باستثناءات محدودة، عندما قامت الثورة البلشفية في أكتوبر (تشرين الأول) 1917، وفي أثناء الغزو النازي للاتحاد السوڤيتي، الذي بدأ عام 1941، وبعد تفكك الأخير عبر حربي الشيشان الأولى والثانية (1994-2009).

في الوقت الراهن لم يعد  لتركيا نفوذ يذكر في المنطقة، فيما انتهى النفوذ الإيراني منذ عام 1864، باستثناء أقلية شيعية، وجودها الأبرز في جمهورية داغستان الفيدرالية الروسية، غير أن  “العملية العسكرية الخاصة” التي أعلن الرئيس فلاديمير بوتين اطلاقها في أوكرانيا في 24 فبراير ( شباط) الماضي، أتاحت الفرصة لتعود  إيران من جديد إلى شمال القوقاز ، عبر بوابة الشيشان، الجمهورية الأقوى في المنطقة.

بداية القصة

منذ حالة الاستقرار وإعادة الإعمار والتنمية التي شهدتها جمهورية الشيشان الفيدرالية الروسية، وتنامي علاقاتها الخارجية مع عدد من البلدان العربية والإسلامية، لم يسعَ الرئيس رمضان قديروف إلى أي تقارب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، واتسم موقفه تجاهها بالبرود، وربما التخوف؛ نظرًا إلى تبنيها أيديولوجية دينية سياسية، وخشيته من أي تبشير بأفكار مذهبية وافدة تؤثر في السلم الاجتماعي، إلى جانب إدراكه لوجود إرث تاريخي لإيران في حكم المنطقة، حتى إن كتاب “الحكومة الإسلامية” للخميني كان من الكتب المحظور تداولها في الجمهورية.

تغير هذا الوضع أخيراً ، حيث بدأت إيران تحركات نشطة في جنوب غرب روسيا، بافتتاح قنصلية لها في «أستراخان»، في محاولة لجعلها نقطة وصل برية وبحرية- عبر بحر قزوين- بين الهند وباكستان وباقي دول جنوب آسيا وروسيا، وربط هذه المنظومة الجديدة التي ازدادت أهميتها بعد العقوبات الغربية مع منطقة شمال القوقاز، التي بات رمضان قديروف يتمتع فيها بالنفوذ الأكبر على الإطلاق باعتباره رجل بوتين وحليفه القوي.

منذ فترة قريبة نجحت طهران في عقد اتفاقيات تجارية وثقافية مع روسيا ، وفُتح الباب للسياحة الإيرانية في شمال القوقاز، حيث بات الإيرانيون يتمتعون بحق دخول الأراضي الروسية دون الحاجة إلى تأشيرة مسبقة، فيما حل السفير فوق العادة ومفوض الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى الاتحاد الروسي، كاظم جلالي، ضيفاً على الرئيس قاديروف في  غروزني، حيث توجت الزيارة بالتوقيع على اتفاقات تعاون جديدة في مجالات مختلفة.

قديروف والسفير الإيراني جلالي في غروزني- المصدر: الخدمة الصحفية لرئيس جمهورية الشيشان

قديروف والسفير الإيراني جلالي في غروزني- المصدر: الخدمة الصحفية لرئيس جمهورية الشيشان

أبرز ما ورد في لقاء قديروف- جلالي

بحسب وكالة الأنباء الشيشانية الرسمية، “ناقش الطرفان قضايا التعاون الطويل الأمد المحتمل بين إيران وجمهورية الشيشان”، ورحب قديروف بالسفير الإيراني قائلًا: “لقد أعطت إيران مثالًا يحتذى به لكيفية تحقيق النجاح والنمو دون مساعدة الغرب. إن هذه التجربة الغنية في ظل التعرض للعقوبات مفيدة جدًّا لروسيا ومنطقتنا في مرحلة التطور الديناميكي الحالية؛ لقد أنشأنا مناخًا استثماريًّا مناسبًا، وتوصلنا إلى اتفاقيات مع مجتمع الأعمال في مختلف البلدان، وجمهورية الشيشان هي المنطقة الوحيدة في العالم التي هُزِم فيها الإرهاب تمامًا، وتم تحقيق مستوى عالٍ من الأمن”. ثم أكمل قديروف قائلًا: “معرفتنا وخبرتنا في هذا المجال جذابة جدًّا للبلدان الأخرى”.

في المقابل، أشار  السفير الإيراني كاظم جلالي إلى إسهام الرئيس الأول لجمهورية الشيشان، وبطل روسيا أحمد قديروف، في مكافحة الإرهاب الدولي، وكذلك النجاحات التي حققتها قيادة رمضان قديروف في السنوات الأخيرة، حيث قال: “كان أحمد قديروف شخصية عظيمة، ونحن نعرفه جيدًا في إيران. مع الأخذ في الحسبان حقيقة أنه فهم جيدًا الظروف التي عاشها ، وتمكن من إزالة آثار الحرب المشؤومة من الشيشان”، ثم أكمل: “لقد رأيت الدمار الذي حدث، وتكلفة استعادة البناء، عبر أولئك الذين يسعون إلى الحرب. لقد قال والدك الراحل بهزيمتهم، وأنتم أعدتم البناء، وقمتم بكل هذا الجهد الكبير”.

وقد دعا السفير الإيراني في ختام كلمته قديروف إلى زيارة إيران، في حين أكد قديروف “أن جميع الظروف باتت مهيئة لتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية والثقافية مع إيران”.وأضاف : “إنني متأكد من أن زيارتكم ستكون بداية علاقات ودية، وشراكة وثيقة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وجمهورية الشيشان”.

جولة جلالي في الشيشان

التقى السفير الإيراني، بعد لقائه مع قاديروف ، القيادات الدينية في جمهورية الشيشان، وكبار رجال  الأعمال ، وعقد لقاءً خاصًا مع زوربيك سعيدوف، رئيس جامعة الشيشان ، الذي سلمه كتابًا خاصًا عن تاريخ الجامعة التي افتتحت عام 1938، مؤكداً  أن الجامعة “تستعد لافتتاح قسم خاص باللغة الفارسية، بناءً على توجيهات الرئيس قديروف”. في المقابل، قال السفير الإيراني: “لقد زرت جميع أقسام الجامعة، واتفقنا على إنشاء قسم للغة الفارسية، وقد وعد رئيس الجامعة بخلق مزيد من الروابط الثقافية بين جامعة الشيشان وباقي الجامعات الإيرانية”. كما أكد السفير أن هذه الخطوة جزء من “خريطة طريق لتطوير التعاون بين الطرفين في مختلف المجالات”.

رئيس جامعة الشيشان يُهدي إلى السفير الإيراني كتابًا عن تاريخ الجامعة– المصدر " Chechnya Today".

رئيس جامعة الشيشان يُهدي إلى السفير الإيراني كتابًا عن تاريخ الجامعة– المصدر ” Chechnya Today”

بعد هذه الزيارة لجمهورية الشيشان، فُتح شمال القوقاز للسفير الإيراني، الذي التقى- في اليوم التالي- مع سيرغي ميليكوف رئيس جمهورية داغستان الفيدرالية الروسية، وممثلي غرفة التجارة والصناعة في الجمهورية ، حيث رحب به الرئيس  ميليكوف قائلًا: “جمهوريتنا مستعدة للتعاون مع إيران في عدة مجالات صناعية، وتطوير ميناء محج قلعة التجاري، والطرق، والسكك الحديدية، والمطار”. كما أشار ميليكوف إلى أن “قدرة المراكز اللوجستية ستزيد كثيرًا من خلال تدفق البضائع بين إيران وروسيا”، فيما أكد السفير الإيراني أن بلاده مستعدة لدعم المشروعات المشتركة بين الطرفين” مضيفاً ” لقد قررنا فتح خط ساخن لحل المشكلات فورًا، وكذلك إنشاء آلية لتحويل الأموال المصرفية للالتفاف على العقوبات”

ومثلما فعل في الشيشان، التقى السفير الإيراني مع  المرجعيات الإسلامية في داغستان، وعلى رأسها مفتي الجمهورية الشيخ أحمد أفندي، وكذلك المرجعيات الشيعية، حيث تمثل داغستان مركز وجود الأقلية الشيعية الرئيسي في روسيا.

لقاء السفير الإيراني مع مفتي داغستان الشيخ أحمد الأفندي– المصدر (تليفزيون داغستان)

لقاء السفير الإيراني مع مفتي داغستان الشيخ أحمد الأفندي– المصدر (تليفزيون داغستان)

الخاتمة

تسعى إيران إلى تنويع علاقاتها مع روسيا  من خلال الجمهوريات الفيدرالية ذات الأغلبية المسلمة، في شمال القوقاز ، وعدم قصرها على العلاقة مع الحكومة في موسكو، وكذلك تحرص على أن تشمل المجالات  الاقتصادية، والدينية، والثقافية، أو ما يمكن وصفه بـ “القوى الناعمة”.

تُعد منطقة شمال القوقاز، مركز الثقل الإسلامي السني ، ويعتنق معظم سكانها مذاهب صوفية ، ومع ذلك تمثل تلك المنطقة الواقعة في خاصرة روسيا، قيمةً جيوسياسيةً لإيران، تسعى من خلالها ليس فقط إلى تحقيق مكاسب إقتصادية، بل إلى الغاية الأكبر وهي استعادة نفوذها التاريخي.

وقد يبدو غريباً للبعض قيامُ الرئيس الشيشاني رمضان قديروف بتسريع وتيرة التعاون مع إيران بهذه الصورة اللافتة، وسط  احتفاء كبير من وسائل الإعلام الشيشانية..وقد يكون المشهد برمته رسالةً لأطراف أخرى..غير أن المؤكد أن إيران تستثمر في الظروف المصاحبة لأزمة أوكرانيا، لتعود بقوة إلى شمال القوقاز، وهو ما يقابل برضى من الكرملين..على الأقل حتى الآن.