الترمذي.. الإمام المُحَدِّث الذي فقد بصره في طلب العلم

في عالمنا العربي، لا يعرف بعضنا مدينة ترمذ، لكنهم يعرفون جيدًا الإمام الترمذي. أما المدينة فهي ترمذ[1]، الواقعة على مجرى نهر جيحون[2]، شرق جمهورية أوزبكستان، وقد نشأ فيها عدد من العلماء العرب والمسلمين، عرفنا بعضهم ولم نعرف آخرين، لكن أبرزهم هو الإمام محمد بن عيسى الضحاك، أحد أعلام مدينة ترمذ، المنسوب إليها.

من هو الترمذي؟

وإذا كان محمد بن عيسى قد ولد في مدينة ترمذ، فإن بعض المصادر ترجع نسبه إلى مدينة مرو، لكن جده انتقل إلى ترمذ وأقام فيها[3]، حتى ولد حفيده محمد في العقد الأول من القرن الثالث الهجري، لكن المصادر تختلف في تحديد سنة ميلاده، فمنهم من يؤكد ميلاده في سنة 209 هـ / 824 م، ومنهم من يشير إلى عام 210 هـ / 825 م[4]، وأيًّا ما كانت سنة الميلاد فإن تلك الفترة كانت هي الأكثر توهجًا وزخمًا بتدوين علم الحديث الذي أصبح أحد أهم أعلامه، وقد أطلق على تلك الفترة “عصر السنة الذهبي”.

ومثلما كان الاختلاف في سنة ميلاده، كان كذلك في مسألة فقده للبصر، فمنهم من قال إنه ولد كفيفًا، ومنهم من قال إنه فقد بصره في آخر عمره بعد رحلة طويلة من البحث والدرس والتأليف، وهذا ما ذهب إليه الكثيرون.[5]

كان الترمذي مثله مثل كثيرين في عصره ولدوا وعاشوا في تلك المنطقة، حيث كانت خراسان مقصدهم الأول لطلب العلم وتحصيله. لم تذكر المصادر التي اطلعنا عليها شيئًا عن طفولته وعن أيامه الأولى، لكنها تبدأ برحلته المستمرة لطلب العلم، بدءا بالعراق والحجاز وبخارى، وغيرها من المدن بحثًا وتدقيقًا وراء كل حديث يصادفه أو يسعى إليه، ولم يذكر أنه زار مصر أو الشام كما تؤكد معظم المصادر[6]، ومع أنه لم يزر مصر فإنه روى عن أهلها بالوساطة كما يؤكد إياد الطباع وهو يترجم لسيرته، أما عدم سفره إلى الشام في ذلك الوقت، فقد رده أحد الباحثين إلى اضطراب الأحوال والفتن فيها آنذاك.

خلال هذه الرحلة تلقى العلم على يد جملة من الشيوخ والأسماء الرائدة والمؤسسة لعلم الحديث، وفتحت له الرحلة عبر البلدان المختلفة الرواية والتعلم منهم، وقد أكدت المصادر أنه تلقى العلم على يد أكثر من مئتي شيخ.[7]

لكن تفقه الترمذي- بشكل كامل وواضح- كان على يد شيخ الحديث الإمام البخاري، الذي عاصره، وأخذ عنه وتأثر به تأثرًا واضحًا، لكنه رغم كل ذلك كان يناظره ويناقشه، حتى قال البخاري له يومًا: “ما انتفعت بك أكثر مما انتفعت بي”[8]، وقد التحق به في مدينة بخارى القريبة من بلدته.

مؤلفات الترمذي

بعد رحلة بحث طويلة ألف الترمذي كتابه “الجامع” ليكون أحد الصحاح الستة في علم الحديث، ورغم شهرة صحيحي البخاري ومسلم فإن الترمذي في كتابه “الجامع”، وبحسب دراسات أكاديمية، كان حافلا بأمور لم يتطرق إليها سابقوه، وفيه من التفصيل ما ليس لغيره، وكان معتنيًّا كذلك بالبحوث الفقهية أيضا أشد العناية.[9]

وإذا كان كتابه “الجامع” هو واحدا من الصحاح، وله ما له من قيمة علمية، فإن له كثيرًا من المؤلفات التي تناولت السنة النبوية، من بينها كتابه “الشمائل المحمدية”، وهو واحد من المراجع المهمة في السيرة النبوية، وقد أورد فيه أوصاف النبي، وبيّن الشمائل والأخلاق التي تحلى بها، وهو كتاب مقسم إلى 55 بابًا، وجمع فيه 397 حديثًا.

ومثلما كان البخاري هو المعلم الأول والأهم في حياة الترمذي، كانت الأحاديث التي رواها البخاري المادة الأهم في كتاب تلميذه المعروف بـ “علل الترمذي الكبير”، وهو جملة من الأحاديث التي يذكرها ثم يعقب بالحكم على كل واحد منها، سواء أكان التعليق له أم منسوبًا إلى أحد من شيوخه الذين يذكرهم.

ويعد الإمام الترمذي من كبار المحدثين الفقهاء، وقيل إنه أول من تطرق إلى ما يعرف في عصرنا الحالي بعلم “الفقه المقارن”، وكان له فضل كبير في حفظ المدارس الفقهية الاجتهادية في عصره وتدوينها.[10]

سنن الترمذي

وكما التقى الترمذي وصاحب وتعلم من شيخه محمد بن إسماعيل البخاري التقى كذلك مسلم بن الحجاج، صاحب “الصحيح”، لكنه لم ينقل عنه إلا حديثًا واحدًا في كتاب الصوم.[11]

وربما كان لقاؤه البخاري ومسلم، وإن تفاوتت درجة الصحبة والمحبة، مدخلا لكثيرين جعلوا كتابه المعروف بـ “صحيح الترمذي” هو الثالث في ترتيب كتب الحديث، وبعضهم يضعه بعد أبي داود والنسائي، لكن الأغلبية ترى وضعه بعد أبي داود وقبل النسائي وابن ماجه، أي في المرتبة الرابعة من كتب الحديث.[12]

تتلمذ الكثيرون من الأئمة المشهورين على يد الإمام الترمذي، وكان مقصدًا لكثير من طلاب عصره، وتتلمذ على يديه علماء كثيرون، منهم أبو بكر إسماعيل السمرقندي، والحسين بن يوسف الفريري، والفضل بن عرام الصرام، من أبرز علماء الحديث في عصرهم، وفضلا عن هذا كله ترك الترمذي مجموعة من الكتب المهمة، لكن شهرة كتابه الجامع، أو المعنون بـ “الجامع المختصر من السنن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة الصحيح والمعلول وما عليه العمل” جعلت بقية كتبه أقل شهرة وذيوعًا رغم إشارة كثير من العلماء إلى قيمتها.

وبين سفر لا يتوقف، ورحلة علم لا تعرف مستحيلا، ودراسة وبحث أفقداه بصره، توفي أبو عيسى الترمذي الحافظ في المدينة التي ولد فيها “ترمذ” في الثالث عشر من رجب عام 279/ سبتمبر 892 عن عمر بلغ سبعين عاما.

[1]  – قيل “ترمذ” بفتح التاء وبكسرها.

[2]  – هو أكبر نهر في منطقة آسيا الوسطى، حيث إن طوله هو 2540 كيلومترا , ومعظم مياه هذا النهر تجري في أراضي طاجكستان.

[3]  – تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي / ج 1 / الباب الثاني،  ط مؤسسة الرسالة ، 2015.

[4]  – الإمام الترمذي، تأليف إياد الطباع، ط دار القلم، دمشق، 2001، ص 39.

[5]  – فضائل الكتاب الجامع ، تقي الدين أبو القاسم ، ط مكتبة النهضة العربية، بيروت، 1989، ص 40.

[6]  – الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين ، نور الدين عتر، لجنة التأليف والترجمة  والنشر ، مصر ، ط 1970،  ص 23.

[7]  – الإمام الترمذي،  مرجع سابق، ص 59 .

[8]  – السابق، ص 49.

[9]  – الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين، مرجع سابق، ص 16.

[10]  – الإمام الترمذي، مرجع سابق، ص 90.

[11]  – الحديث هو “أحصوا هلال شعبان لرمضان “.

[12]  – تحفة الأحوذي، مرجع سابق.