مقالات المركز

الهزيمة الديموغرافية ستكون أطول عمرًا من المعركة العسكرية

أوكرانيا تخسر سكانها قبل أن تخسر الحرب


  • 4 نوفمبر 2026

شارك الموضوع

أعلنت مديرة معهد الديموغرافيا وبحوث جودة الحياة في أوكرانيا، إيلا ليبانوفا، يوم 22 أكتوبر 2026، أن تقديرات المعهد الذي ترأسه تشير إلى انخفاض عدد السكان في أوكرانيا إلى نحو 28.5 مليون نسمة في منتصف عام 2026، وهذا بالطبع رقم رسمي، بينما تشير التقديرات غير الرسمية إلى أن عدد من تبقى من السكان في أوكرانيا لا يتجاوز اليوم 22 مليون نسمة، وذلك بعدما كان تعداد هذه الدولة نحو 45 مليونًا تقريبًا قبل اندلاع الأزمة في 2014.

السيدة ليبانوفا حذرت في تصريحاتها من أن سيل الهجرة المستمر في الوقت الذي تتواصل فيه الحرب وتتزايد الضغوط على البنية التحتية للطاقة مع اقتراب الشتاء، وليست الوفيات وحدها، أصبح عاملًا رئيسيًا في التراجع السكاني.

الأكثر إثارة للقلق، حسبما فهمت من تصريحات مديرة معهد الديموغرافيا، هو أن هذه التقديرات، والتي تعد أحدث التقديرات السكانية الرسمية، وعلى الرغم من كونها أعلى بكثير حتى من التقديرات المستقلة، تكشف لنا عن أزمة سوف تستمر آثارها لعقود بعد توقف العمليات العسكرية داخل أوكرانيا. فانتهاء الحرب قد لا يوقف هذا النزيف، وإنما قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من المغادرة، فضلًا عن انتقال رجال أوكرانيا إلى الخارج للالتحاق بأسرهم التي استقرت في الدول الأوروبية.

وأقول إن هذه التقديرات تأتي بينما تتواصل الهجمات الروسية الشديدة على منشآت الطاقة الأوكرانية، فيوم الثلاثاء 3 نوفمبر 2026، تسببت الضربات الروسية مثلًا في انقطاع الكهرباء عن أكثر من 180 ألف مشترك في منطقة جيتومر، كما ألحقت أضرارًا كبيرة بمنشأة كهرباء في أوديسا، وهذا الكلام أنقله من بيانات السلطات الأوكرانية نفسها وشركة الطاقة المتضررة.

وهذه التطورات لا تعني أن ما نحن بصدده هو خسائر اقتصادية فقط أو تعطيلًا مؤقتًا للخدمات، ولكن هي عوامل شديدة التأثير بشكل يومي على قدرة السكان على الاستمرار في العيش داخل البلاد، وبصفة خاصة ونحن داخلون على الشتاء الأكثر قسوة هناك، وما أدراك ما هو الشتاء في هذا الجزء من العالم من دون كهرباء وبالتالي من دون تدفئة.

وبما أننا داخلون على جولة جديدة من المفاوضات في أبو ظبي يومي 10 و11 نوفمبر الجاري، بعدما أكد هذه التواريخ ستيف ويتكوف اليوم، يبرز أمامنا سؤال شديد التعقيد فيما يتعلق باحتمال التسوية التي لا بد أن يكون من نتيجتها الاتفاق على خطوط تماس معينة وتكون بالتالي لها شروط سياسية تفضي إليها، وهذا السؤال هو: إذا تخيلنا معًا عزيزي القارئ أن هذه الحرب انتهت فمن سوف يبقى لإعادة بناء أوكرانيا؟

فمنذ 24 فبراير 2022 انصب الاهتمام الدولي على مساحات الأراضي الخاضعة لسيطرة كل طرف من الطرفين المتحاربين، وعلى الخسائر العسكرية التي يتكبدها كل منهما، وعلى العقوبات الغربية التي بدأت حزماتها تتوالى على روسيا، ومعها في الوقت نفسه تدفقات الأسلحة الغربية التي بدأت تندفع كالسيل غير المنقطع إلى أوكرانيا بداية من النصف الثاني من شهر أبريل 2022، بعدما أفشل بوريس جونسون اتفاقات مفاوضات إسطنبول.

لكن المشكلة أن كل هذه المؤشرات قاصرة عن الكشف عن الثمن الحقيقي الكامل للحرب، وما أقصده هو أن الدولة لا تستمد قدرتها على الاستمرار كدولة من حدودها الجغرافية أو من حجم قواتها المسلحة وحدهما.. ولكن الأهم من هذين الركنين والعمودين الأساسيين من عماد الدولة هو عدد السكان داخل هذه الحدود الجغرافية، فضلًا عن تركيبة هؤلاء السكان العمرية ومستويات التعليم التي يملكونها ومدى قدرتهم على الإنتاج، أضف إلى ذلك القدرة على تمويل مؤسسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية.

والمشكلة الأوكرانية نفسها أن الحرب جاءت فوق أزمة ديموغرافية تعاني منها وروسيا معها في ذات المركب. فمنذ تفكك الاتحاد السوفيتي وحصولها على الاستقلال رسميًا عام 1991، شهدت أوكرانيا تراجعًا سكانيًا طويل الأمد نتيجة انخفاض معدلات الخصوبة وارتفاع الوفيات مجموعًا عليهما الهجرة الاقتصادية لشبابها بحثًا عن حياة أفضل. ثم جاءت أحداث أزمة 2014 والصراع في دونباس، قبل أن تؤدي الحرب الشاملة في فبراير 2022 إلى موجة نزوح واسعة سواء داخل البلاد أو خارجها.

وبالعودة إلى الأرقام التي ذكرتها في مقدمة هذا المقال نقلًا عن مديرة معهد الديموغرافيا وبحوث جودة الحياة في أوكرانيا، أجدني مضطرًا مراعاة للموضوعية وليس تجنيًا عليها للتشكيك فيها، وليس استنادًا إلى تقارير مستقلة وإنما نقلًا عن مصادر أوكرانية رسمية، فمثلًا وزير السياسة الاجتماعية والأسرة الموحدة الأوكراني دينيس أوليوتين سبق هذه التصريحات وتحدث منذ بضعة أشهر عن أن عدد السكان الأوكران داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يتراوح بين 22 و25 مليون نسمة.

ومع ذلك أقول إن هذا التباين في التقديرات واختلافها لا يغير مع ذلك الاتجاه العام. فالواقع يقول إن أوكرانيا فقدت جزءًا كبيرًا من سكانها المقيمين وبالتالي من قوة عملها، وازدادت في الوقت نفسه نسبة الأسر الموزعة بين الداخل والخارج. أضف إلى ذلك أن ملايين الأطفال والشباب الذين غادروا منذ بداية الحرب أصبحوا مرتبطين بصورة متزايدة بالمؤسسات التعليمية التي التحقوا بها وبأسواق العمل الأوروبية.

وهذا التحول يجعل الخسارة السكانية مختلفة بصورة كبيرة عن الخسارة العسكرية. وما أرمي إليه هو أن المواقع العسكرية يمكن استعادتها أو إعادة تحصينها، وهو ما نشاهده خلال سنوات الحرب التي تقترب من الخمس الآن، كما أن المنشآت يمكن إعادة بنائها، لكن إعادة السكان إلى دولة خرجت من حرب طويلة سوف تتطلب توفير عدة عناصر صعبة، وعلى رأسها استعادة الأمن والثقة وفرص العمل، وكذلك مستويات معيشة مناسبة أو قريبة من تلك التي غادروا من أجلها. وهذه عملية سوف تستغرق سنوات، بل وربما عقود.

ومن المهم في هذا السياق أن نتناول بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات” التي تظهر أن عدد المستفيدين من الحماية المؤقتة في دول الاتحاد الأوروبي بلغ حوالي 4.43 مليون أوكراني بنهاية شهر أغسطس 2026. وتستضيف ألمانيا العدد الأكبر منهم، بنحو 1.29 مليون شخص، تليها بولندا بنحو 939 ألفًا، ثم التشيك بنحو 398 ألفًا.

والمثير في هذه البيانات أن التركيبة السكانية لهذه المجموعة تكشف لنا جانبًا مهمًا من المشكلة. فقد شكلت النساء البالغات 43.6% من المستفيدين، والرجال البالغون 27.3%، في حين بلغت نسبة القاصرين 29.1%. وهذا الكلام وهذه الأرقام معناها أن أزمة النزوح الأوكراني لا تتعلق فقط بخروج قوة عمل مهمة من الاقتصاد الأوكراني، ولكن أيضًا تشمل انتقال جزء من الجيل المقبل إلى نظم تعليمية واجتماعية خارج الوطن الأم.

بالنسبة إلى الدول الأوروبية المستقبلة لهؤلاء النازحين، يفرض وجود اللاجئين أعباء مرتبطة بالسكن والتعليم والرعاية الصحية والخدمات العامة. لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يوفر، بشرط استمرار الاندماج، قوة عمل إضافية لاقتصادات أوروبا التي تعاني الشيخوخة ونقص العمالة، وعلى رأسها ألمانيا. أما بالنسبة لأوكرانيا، فإن بقاء جزء كبير من مواطنيها في الخارج يعني استمرار فقدان العمالة والمهارات والإيرادات الضريبية، في الوقت الذي تحتاج فيه الدولة إلى هذه الموارد لمواصلة الحرب وإعادة بناء اقتصادها.

بالطبع لن يكون من العدل ويجانبنا الصواب إن حاولنا تصوير استقبال أوروبا للاجئين باعتباره سياسة متعمدة لاستنزاف أوكرانيا سكانيًا. فاللجوء جاء أساسًا نتيجة الحرب والبحث عن الأمن. لكن النتائج الاقتصادية والديموغرافية المترتبة على ذلك قد تصبح هي نفسها أكثر تعقيدًا من دوافع الاستقبال نفسها. وما أقصده بهذا الكلام هو أنه كلما اندمج الأوكرانيون في أسواق العمل الأوروبية، وتعلم أطفالهم لغات البلدان المضيفة لهم، واستقرت أسرهم اجتماعيًا واقتصاديًا، كلما تراجعت احتمالات العودة الجماعية. وهنا المعضلة الصعبة فنجاح الدول الأوروبية في دمج اللاجئين سوف يساعد اقتصادات هذه الدول نعم، لكنه في الوقت نفسه يجعل مهمة استعادة أوكرانيا لسكانها صعبة، بل قد يصبح مستحيلًا.

ولهذا السبب، قد يكون أخطر ما جاء في تصريحات ليبانوفا الأخيرة، في رأيي، أنها لم تحصر المخاوف في استمرار هجرة النساء والأطفال، وإنما في كونها حذرت من احتمال موجة هجرة جديدة بعد رفع الأحكام العرفية عند انتهاء الحرب. فخلال الحرب، فرضت القيادة الأوكرانية قيودًا صارمة على مغادرة فئات واسعة من الرجال في سن الخدمة العسكرية، بينما تمكنت أعداد كبيرة من النساء والأطفال من الانتقال إلى الدول الأوروبية.

ومع مرور الوقت، ونحن نقترب من العام الخامس من عمر الحرب، تكونت أوضاع عائلية جديدة، حيث استقرت بعض الأسر في الخارج والتحق الأطفال بالمدارس وبدأت النساء العمل أو الحصول على تدريب مهني.

وبالتالي، فإن انتهاء الحرب قد يضع الأسر الأوكرانية أمام خيارين أحلاهما مُر كما يقال، إما عودة النساء والأطفال إلى الداخل الأوكراني، وهذا مستبعد، أو انتقال الرجال إلى الخارج للالتحاق بهم.

ولذلك تخشى السيدة ليبانوفا من أن تكون الإمكانات الاقتصادية المتاحة في أوكرانيا بعد الحرب غير كافية لإقناع جميع الأسر بالعودة، وأنا أتفق معها في خوفها، على وجه الخصوص إذا استمرت الفجوة في مستويات الأجور وفرص العمل والخدمات بين أوكرانيا والدول الأوروبية.

وهذا التحذير يغير أحد الافتراضات الأساسية المرتبطة بالتسوية السياسية المحتملة. بمعنى أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة بداية عودة السكان، بل على العكس من ذلك قد يؤدي رفع القيود على حركة المواطنين وخصوصًا الشباب، في ظل الظروف الاقتصادية غير المواتية التي ستعيشها أوكرانيا لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب، إلى موجة إضافية من الهجرة.

ومن هنا تصبح إعادة توحيد الأسر مسألة ديموغرافية واستراتيجية في الوقت نفسه، وذلك لأن السؤال لن يكون فقط متى تجتمع الأسر الأوكرانية ويلتئم شملها من جديد، وإنما أين ستجتمع؟

وهنا نعود مجددًا إلى صورة ووضع الحرب نفسها في هذه الشهور من 2026، فقد دخلت مرحلة يتداخل فيها الاستنزاف العسكري والاقتصادي والسكاني بصورة متزايدة. فمن واقع التقارير العسكرية التي أتابعها بالتفصيل وبعناية شديدة بحكم العمل بشكل يومي، أرى أن روسيا تواصل استهداف منشآت الطاقة والنقل واللوجستيات الأوكرانية بشكل مختلف تمامًا عن السنوات الأربع ونصف الماضية.

في الوقت نفسه تواصل كييف استخدام المسيرات بعيدة المدى لضرب منشآت النفط والتكرير والطاقة والبنية التحتية المرتبطة بالاقتصاد الروسي. وقد أصبحت منشآت الطاقة جزءًا لا يتجزأ من معادلة الضغط العسكري والاقتصادي والتفاوضي، لكن المشكلة أن تأثيرها يمتد بشكل مباشر إلى الحياة اليومية للسكان. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حذرت المنظمة الدولية للهجرة، وفق تقرير لوكالة رويترز، يوم 16 أكتوبر 2026، من أن الهجمات على البنية التحتية الحيوية وتضرر المساكن وارتفاع تكاليف المعيشة قد تؤدي إلى موجات نزوح إضافية من أوكرانيا مع اقتراب الشتاء.

المنظمة عينها قدرت وجود نحو 3.6 مليون نازح داخل أوكرانيا، بينما عاد نحو 3.8 مليون شخص إلى مناطقهم بعد نزوح سابق، بعضهم عاد إلى مساكن تعرضت لأضرار. والمشكلة هنا أن العودة لا تعني بالضرورة الاستقرار النهائي. فالأسر التي عادت إلى مدنها قد تجد نفسها مضطرة إلى المغادرة مجددًا إذا تدهورت إمدادات الكهرباء والتدفئة والمياه، أو تعذر الحصول على العمل والخدمات الأساسية، حسبما يقول تقرير المنظمة المذكورة.

وهذا الكلام معناه أن الضربات على البنية التحتية تصبح عاملًا ديموغرافيًا، وإن بشكل غير مباشر. بمعنى أن التأثير لا يقتصر على تعطيل المصانع أو خفض إنتاج الكهرباء، ولكنه يمتد إلى قرارات الأسر بشأن البقاء أو الانتقال، ومع استمرار الحرب تصبح قدرة الدولة على تأمين ظروف الحياة اليومية عنصرًا من عناصر صمودها الاستراتيجي وليست مجرد مسألة خدمية.

وهذا الكلام يقودنا للسؤال عن مسألة إعادة الإعمار بعد الحرب ومن أين ستأتي أوكرانيا بالعمالة؟

وأحتكم في فهم هذه النقطة إلى تقديرات البنك الدولي التي تضيف بُعدًا اقتصاديًا مباشرًا إلى الأزمة السكانية. فقد رفع التقييم المشترك الصادر في فبراير 2026 عن الحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار إلى نحو 588 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لأوكرانيا في عام 2025.

هذا التقرير نفسه يقدر الأضرار المباشرة بأكثر من 195 مليار دولار حتى نهاية ديسمبر 2025. ويؤكد أن الخسائر الرئيسية مركزة في قطاعات الإسكان والنقل والطاقة. كما تعرض نحو 14% من المساكن للضرر أو التدمير، وهو ما أثر في أكثر من ثلاثة ملايين أسرة أوكرانية.

ومع ذلك وحتى إذا افترضنا جدلًا أن دول أوروبا ستقوم بتوفير التمويل الضروري لإعادة الإعمار، فإن الواقع الموضوعي يقول إن ذلك لا يمثل سوى جانب واحد من عملية إعادة الإعمار. فإعادة بناء المساكن والمصانع وشبكات الكهرباء والطرق تحتاج إلى مهندسين وفنيين وعمال ومؤسسات قادرة على تنفيذ المشروعات وتشغيلها بعد الانتهاء منها. وهنا تظهر المعضلة الأوكرانية بصورة أكثر جلاء، فهذا البلد يحتاج إلى استثمارات هائلة لإعادة بناء الاقتصاد، لكنه يواجه في الوقت نفسه نقصًا متزايدًا في قوة العمل اللازمة لتنفيذ هذه الاستثمارات.

فالأزمة السكانية في أوكرانيا لم تعد قضية اجتماعية أو اقتصادية يمكن النظر إليها منفصلة عن الأمن القومي، وفي هذا السياق لفت انتباهي وأنا أجمع مادة هذا المقال والتحليل تقرير نشره موقع “آر بي كا-أوكرانيا” في شهر أغسطس الماضي تحت عنوان “الديموغرافيا بوصفها بنية تحتية للسيادة”. والحقيقة وجدته تقريرًا مهمًا، فقد جرى التأكيد فيه على أن فقدان رأس المال البشري يمكن أن يهدد قدرة الدولة على التعافي وممارسة وظائفها، وهو يتحدث عن الحالة الأوكرانية بالتحديد، ويؤكد في ذات الوقت أن بناء استراتيجية المستقبل على افتراض عودة ملايين اللاجئين تلقائيًا بعد الحرب يمثل رهانًا غير مضمون.

وأهمية تقرير “آر بي كا-أوكرانيا” بالنسبة لي أنه يشير إلى أن داخل أوكرانيا توجد أصوات عاقلة وواعية تفهم الوضع الديموغرافي المزري والخطير الذي يتهدد مستقبل البلاد، مقارنة بالأصوات التي لا تتحدث سوى عن استمرار الحرب والقتال والدمار.

وهذا الطرح يكتسب أهمية خاصة عند النظر إلى العلاقة بين السكان والسيادة في ظروف الحرب الطويلة، بمعنى أن الدولة قد تحتفظ باعترافها الدولي ومؤسساتها وحدودها القانونية، لكنها تصبح أكثر اعتمادًا على الخارج إذا تراجعت قدرتها على تمويل الخدمات وتوفير العمالة والحفاظ على نشاطها الاقتصادي.

بالطبع أنا لا أقول إن هذا الكلام معناه أن انخفاض عدد السكان يؤدي حتمًا إلى انهيار الدولة، فهناك دول صغيرة السكان تتمتع باقتصادات قوية ومؤسسات مستقرة. لكن المشكلة الأوكرانية تكمن في تزامن التراجع السكاني مع خسائر مادية ضخمة، واحتياجات دفاعية مرتفعة واعتماد مالي خارجي وتراجع القدرة على الاستثمار طويل الأجل. وبالتالي، فإن الأزمة الديموغرافية لا تمثل نتيجة جانبية للحرب، بل إنها بلا شك أحد العوامل التي ستحدد قدرة أوكرانيا على استعادة استقلالها الاقتصادي وتقليل اعتمادها على المساعدات الدولية.

في الوقت نفسه، تتزامن هذه التحديات مع استمرار الخلافات في أولويات الأطراف الغربية الداعمة لكييف. فالولايات المتحدة تنظر إلى الحرب من زاوية التوازنات الدولية وأسعار الطاقة والتكلفة الاقتصادية والسياسية للدعم، بينما تركز الحكومات الأوروبية، حسبما يعلن قادتها بالطبع، على مسألة الأمن الإقليمي ومنع انتقال التهديدات العسكرية إلى أراضيها واستمرار قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها.

أما كييف فتقول إنها تحتاج إلى الجمع بين متطلبات الجبهة العسكرية المتزايدة باستمرار وفي الوقت نفسه إلى الحفاظ على الاقتصاد والخدمات العامة. بطبيعة الحال، لا تعني هذه الاختلافات بالضرورة تراجع الدعم الغربي، لكن المهم في سياق الموضوع الذي نتناوله في هذا المقال هو أنها تكشف حدود قدرة المساعدات العسكرية والمالية الغربية على معالجة الأزمة السكانية الحادة التي تعانيها وسوف تعانيها أوكرانيا لعقد أو عقود.

فكما سبق وألمحنا الأسلحة، نعم، قد تساعد على منع خسارة مزيد من الأراضي، والتمويل الخارجي قد يسمح باستمرار عمل المؤسسات وتقديم الخدمات، لكنهما لا يضمنان عودة المواطنين الذين استقروا في الخارج.

بل والأدهى والأمر هو أن استمرار الحرب يضع الحكومة الأوكرانية أمام منافسة متزايدة على الموارد البشرية المحدودة. فهي تعاني نقصًا في العنصر البشري المقاتل وتحتاج إلى الجنود للحفاظ على قدراتها الدفاعية، وتحتاج كذلك في الوقت نفسه إلى العاملين والمهندسين والأطباء والمعلمين لإدارة الاقتصاد والمجتمع.

وقد قدمت فضيحة سجن التعذيب السري قرب كييف التي تم الكشف عنها يوم الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026، مثالًا على الوضع المزري الذي وصلت له أوكرانيا في هذا الشأن، بل يقول البعض إنها قد تؤدي إلى حرب أهلية. وخلاصتها هي أن مسلحين من جهاز الأمن الأوكراني كانوا يحتجزون نحو 40 شابًا ومراهقًا، بعضهم بعمر 14 عامًا، في قبو منزل بقرية بتروبافلوفسكايا بورشاغوفكا في مقاطعة كييف. وبعد اكتشاف القبو تم إطلاق سراح بعض المحتجزين، ونُقل أربعة منهم إلى المستشفى. وصرح قائد الحرس الوطني الأوكراني أولكسندر بيفنينكو، بأن جنودًا، من بينهم من غادروا وحداتهم دون إذن، كانوا محتجزين في القبو. بدورها أكدت مفوضة المظالم العسكرية الأوكرانية أولغا ريشيتيلوفا، أن التحقيق جارٍ بهذه القضية وأن جميع الجنود بخير ويتلقون الرعاية الطبية اللازمة.

ومع ارتفاع متوسط الأعمار وانخفاض المواليد نرى المنافسة بين احتياجات المجالات المدنية والجيش تصبح أكثر حدة، لأن الدولة مطالبة بتمويل احتياجات عسكرية واجتماعية متزايدة اعتمادًا على قاعدة بشرية وإنتاجية تتقلص باستمرار.

لكن هل تكسب روسيا من الأزمة السكانية الأوكرانية، وماذا تكسب؟

إذا وضعنا أنفسنا مكان صانع القرار الروسي ومن منظور استراتيجي، فإن التراجع السكاني الأوكراني يمثل بلا جدال عاملًا مهمًا ومؤثرًا في ميزان الاستنزاف طويل الأمد بين موسكو وكييف. وما أقصده هو أنها كلما تراجعت قدرة أوكرانيا على تعويض مواردها البشرية التي تفقدها على خطوط وجبهات القتال، ولم تستطع توفير قوة العمل والجنود، كلما أصبحت أكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي للحفاظ على قدراتها الدفاعية والاقتصادية.

ومع ذلك سيجانبنا الصواب إذا حاولنا بشكل أوتوماتيكي تحويل هذه النتيجة إلى انتصار روسي مضمون، فهذا لن يكون سوى استنتاج متسرع. والسبب في قولي لهذا الكلام وإطلاقي هذا الحكم، هو أن روسيا نفسها، من واقع متابعتي ومراقبتي من الداخل، تواجه تحديات ديموغرافية واقتصادية كبيرة، كما أنها تتحمل هي الأخرى تكاليف بشرية ومالية كبيرة بسبب الحرب وطول أمدها.

كما أن امتلاك موسكو لقدرة أكبر على تحمل الاستنزاف لا يعني بالضرورة قدرتها على فرض تسوية سياسية مستقرة على الطرف الآخر المعاند وناشف الرأس كما نتابع أيضًا.

بل والأهم، في رأيي الشخصي الذي لا أسعى لفرضه طبعًا، أن التراجع السكاني الأوكراني لا يضمن لموسكو بحال تحقيق أهدافها السياسية، مع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة الدعم الأوروبي لكييف واستمراره أو إذا تحولت أوكرانيا بعد الحرب مثلًا إلى دولة أصغر سكانًا لكنها أكثر اندماجًا سواء في نموذجها الاقتصادي أو في عقيدتها وبنيتها العسكرية مع أوروبا.

وأقول هذا الكلام لكي أوضح أن الأثر الاستراتيجي للأزمة السكانية الأوكرانية ينبغي فهمه بوصفه عاملًا يضعف بعض مقومات القوة الأوكرانية على المدى الطويل، وليس بحال باعتباره هدفًا روسيًا في حد ذاته أو أنه نتيجة عسكرية مؤكدة لصالح روسيا.

ليس لدي شك أيضًا أن استمرار الهجرة من أوكرانيا وانخفاض معدلات المواليد بشكل كارثي، وهو ما كنت أشرت إليه في مقال سابق، فضلًا عن نقص العمالة، أقول إن كل ذلك سوف يحد من قدرة كييف على التعافي حتى في حال نجاحها في الحفاظ على مؤسساتها وسيادتها على الأراضي التي ستبقى تسيطر عليها بعد انتهاء الحرب.

لكنها ستجد نفسها أمام سؤال عويص، وهو: ما حجم الاقتصاد والمجتمع اللذين ستتمكن أوكرانيا من إعادة بنائهما بعد توقف القتال؟

وما أرمي إليه هنا، ونحن على مشارف الدخول في جولة تفاوض جديدة في أبوظبي يومي 10 و11 نوفمبر الجاري، هو أنه حتى إذا توصلت موسكو وكييف إلى وقف لإطلاق النار أو تسوية سياسية، فلن تعود الأزمة السكانية تلقائيًا إلى مستويات ما قبل الحرب. وذلك لأن قرار العودة بالنسبة إلى ملايين المواطنين يرتبط بالأمن وفرص العمل ومستوى الدخل وجودة السكن والتعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن الروابط الاجتماعية والمهنية التي تكونت خلال سنوات الإقامة في الخارج.

ومن الجلي للعيان أنه كلما طالت الحرب كلما زادت صعوبة استعادة السكان، والسبب ليس استمرار الخطر العسكري وحده، ولكن لأن الزمن نفسه يصبح عاملًا مؤثرًا في قرارات الأسر التي استقرت حياتها في الخارج المريح.

والطفل الذي غادر أوكرانيا في بداية عام 2022 يكون قد أمضى اليوم ونحن نقترب من نهاية عام 2026 أكثر من أربع سنوات خارج البلد، وبالطبع على الأغلب أصبحت لغته التعليمية وعلاقاته الاجتماعية، والأهم مستقبله الجامعي كلها مرتبطة بالدولة المضيفة، هذا إن لم يكن قد حصل بالفعل على جنسيتها.

كما أن الشاب الذي تمكن من الهروب من الحرب في بدايتها أو حتى في منتصفها وبدأ حياته المهنية في ألمانيا أو بولندا أو التشيك سيفكر ألف مرة قبل أن يتخذ قرار العودة إلى اقتصاد يحتاج إلى سنوات حتى يقدم له البديل المغري أو على الأقل المكافئ.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير


شارك الموضوع