
في ظل التطورات السياسية داخل إسرائيل، وما تشهده المنطقة والعالم من تحولات متسارعة، يترقب الجميع النتائج النهائية للانتخابات الإسرائيلية، التي لن تحدد مستقبل إسرائيل وحدها، بل قد تكون لها انعكاسات واسعة على القضية الفلسطينية والمنطقة بأسرها. ومع عدم تمكن أي من المعسكرات السياسية من حسم الأغلبية البرلمانية، تتزايد التساؤلات بشأن مستقبل حكومة بنيامين نتنياهو، وإمكانية صعود معسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، ودور الأحزاب العربية في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
ووفقا للأرقام الواردة في المعطيات الانتخابية حتى 29 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدا، مقابل 48 مقعدا لمعسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت، فيما حصدت الكتلة العربية 19 مقعدا. ويجعل هذا التوزيع الكتلة العربية طرفا مؤثرا في حسابات تشكيل الحكومة، خصوصا إذا قرر آيزنكوت التحالف معها.
ولا تقتصر أهمية هذه التحولات على الداخل الإسرائيلي، بل تمتد تداعياتها إلى مجمل الشرق الأوسط، بما يشمل المواجهة مع إيران، والحرب في غزة ولبنان، ومستقبل الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وآفاق إقامة الدولة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أجرى الصحفي ستيفن صهيوني حوارا مع نزار صيداوي، الصحفي الفلسطيني ومراسل شؤون الشرق الأوسط في قناة TRT World، للوقوف على قراءته للمشهد السياسي الإسرائيلي وانعكاساته الإقليمية والدولية.
ويؤكد صيداوي أن تغيير القيادة الإسرائيلية قد يؤدي إلى تعديل أساليب إدارة المواجهة مع الأطراف الإقليمية، لكنه لا يعني بالضرورة تغيير الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل، أو حدوث تحول جوهري في سياستها تجاه الفلسطينيين.
ملاحظة تحريرية: الآراء والتحليلات الواردة في هذا الحوار تعبر عن وجهة نظر نزار صيداوي الشخصية، ولا تمثل بالضرورة موقف قناة TRT World.
المواجهة مع إيران: اختلاف في الأسلوب لا في الأهداف الاستراتيجية
ستيفن صهيوني: كيف يمكن أن تؤثر نتائج الانتخابات على سياسة إسرائيل تجاه إيران؟ وهل يمكن أن تغير مسار المواجهة العسكرية؟
نزار صيداوي: أعتقد أن نتائج الانتخابات قد تؤثر في الطريقة التي تدير بها إسرائيل مواجهتها مع إيران، لكنها لن تؤدي بالضرورة إلى تغيير أهدافها الاستراتيجية. فهناك إجماع واسع داخل المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية على أن إيران تمثل تهديدا استراتيجيا كبيرا.
ويكمن الاختلاف الأساسي في أسلوب التعامل مع هذا التهديد. فقد اعتمد بنيامين نتنياهو بصورة كبيرة على الضغط العسكري والمواجهة، في حين قد يمنح آيزنكوت، باعتباره رئيسا سابقا لهيئة الأركان العامة، أهمية أكبر للحسابات الاستراتيجية والتنسيق مع واشنطن، فضلا عن دراسة التكاليف السياسية للعمليات العسكرية.
ومع ذلك، فإن تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت لا يعني بالضرورة انتهاء المواجهة العسكرية مع إيران. ففي نهاية المطاف، قد تكون السياسة الأمريكية والتطورات الإقليمية وحسابات كل من إسرائيل وإيران عوامل أكثر حسما من هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل.
الاستيطان والدولة الفلسطينية: هل يتغير النهج الإسرائيلي؟
ستيفن صهيوني: ما التأثير الذي يمكن أن تحدثه نتائج الانتخابات على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية، وعلى مستقبل إقامة الدولة الفلسطينية؟
نزار صيداوي: من المرجح أن تواصل أي حكومة بقيادة نتنياهو، ولا سيما إذا كانت تعتمد على أحزاب اليمين المتطرف، توسيع المستوطنات واتباع سياسات من شأنها زيادة تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
أما الحكومة التي قد يقودها آيزنكوت، فمن الممكن أن تتبنى نهجا أكثر تحفظا تجاه التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين، خصوصا في ظل الضغوط الدولية. لكن ينبغي عدم الخلط بين هذا التوجه المحتمل وحدوث تحول جوهري نحو إنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
فالمشكلة الأساسية، بحسب تقديري، أن جانبا كبيرا من النقاش السياسي الإسرائيلي ينصب على كيفية إدارة الاحتلال، وليس على كيفية إنهائه.
ومن وجهة نظري، فإن تغيير الحكومة الإسرائيلية وحده لن يعيد إحياء حل الدولتين، فهذا يتطلب اتخاذ خطوات ملموسة لإنهاء الاحتلال، ووقف التوسع الاستيطاني، والاعتراف بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولة مستقلة ذات سيادة.
حكومة وحدة وطنية بين نتنياهو وآيزنكوت: هل تفرض الضرورة السياسية تحالف الخصمين؟
ستيفن صهيوني: هل يمكن لنتنياهو وآيزنكوت تشكيل حكومة وحدة وطنية رغم التنافس السياسي والخلافات العميقة بينهما؟
نزار صيداوي: أفرزت الانتخابات وضعا برلمانيا معقدا، إذ لم يتمكن أي من المعسكرين من الحصول على أغلبية واضحة. ومن المفارقات أن الأحزاب العربية قد تمتلك الكلمة الفصل بفضل تمثيلها البرلماني، إلا أن معظم الأحزاب الرئيسية في كلا المعسكرين لا تزال غير مستعدة للاعتماد عليها من أجل تشكيل الحكومة.
وأرى أن هناك سيناريوهين رئيسيين يمكن أن يحددا مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي.
يتمثل السيناريو الأول في حدوث انشقاقات أو إعادة اصطفافات سياسية داخل معسكر المعارضة، بما قد يمنح نتنياهو المقاعد الإضافية اللازمة للوصول إلى أغلبية تبلغ 61 مقعدا.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تشكيل حكومة وحدة وطنية، على الرغم من انعدام الثقة العميق بين نتنياهو وآيزنكوت.
وبالطبع، تواجه هذه الاحتمالات عقبات سياسية كبيرة، خصوصا في ضوء استقالة آيزنكوت السابقة من حكومة الحرب التي شكلها نتنياهو، والخلافات بينهما بشأن إدارة الحرب.
وفي نهاية المطاف، قد تدفع الضرورة السياسية الخصمين إلى التوصل إلى اتفاق، لكن حتى تشكيل حكومة وحدة وطنية لن يعني بالضرورة حدوث تغيير جوهري في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
الصراع الإقليمي وحقوق الفلسطينيين: السلام يبدأ بإنهاء الاحتلال
ستيفن صهيوني: كيف يمكن أن تؤثر نتائج الانتخابات الإسرائيلية في الصراع الأوسع في الشرق الأوسط؟ وما فرص التوصل إلى حل سياسي يضمن حقوق الفلسطينيين؟
نزار صيداوي: لا شك أن الانتخابات الإسرائيلية ستؤثر في ديناميات المنطقة، ولا سيما في ظل الترابط المتزايد بين الجبهات الإيرانية واللبنانية والفلسطينية.
لكنني أعتقد أنه سيكون من الخطأ الجسيم التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مجرد امتداد للمواجهة مع إيران.
فالنضال الفلسطيني يسبق هذه التنافسات الإقليمية بعقود، وتكمن جذوره في الاحتلال والتهجير وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ومن الممكن أن يتيح تغيير القيادة الإسرائيلية فرصا جديدة للدبلوماسية وخفض التصعيد، لكنه لن يؤدي تلقائيا إلى إطلاق عملية سلام حقيقية وذات مغزى.
لقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن إدارة الصراع من خلال التفوق العسكري والترتيبات الأمنية المؤقتة لا تعالج أسبابه الجذرية.
ومن وجهة نظري، فإن تحقيق استقرار إقليمي دائم يتطلب تسوية سياسية تقوم على إنهاء الاحتلال، ووقف التوسع الاستيطاني، وضمان حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولة مستقلة وقابلة للحياة.
ومن دون معالجة هذه القضايا الأساسية، فإن أي تغيير في القيادة الإسرائيلية قد يتحول إلى مجرد تغيير في التكتيكات، بدلا من أن يشكل نقطة تحول حقيقية نحو السلام.
نتنياهو وآيزنكوت وحربا غزة ولبنان: خلاف على إدارة الحرب وتكاليفها السياسية
ستيفن صهيوني: ما حقيقة الخلاف بين نتنياهو وآيزنكوت بشأن الحربين في غزة ولبنان؟ هل يتعلق الأمر بالأهداف العسكرية، أم بتوقيت العمليات وتكاليفها السياسية؟
نزار صيداوي: يتعلق الخلاف بشكل أساسي بالاستراتيجية والتوقيت والتكلفة السياسية للعمليات العسكرية، وليس بالأهداف ذاتها. فكلاهما يتبنى أولويات أمنية متشابهة إلى حد كبير، لكنهما يختلفان بشأن كيفية تحقيقها.
وفي قطاع غزة، انتقد آيزنكوت نتنياهو بسبب إطالة أمد العمليات العسكرية من دون وجود استراتيجية سياسية واضحة.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير