
في 18 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، قبل تسعة أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عبر منصته تروث سوشيال (Truth Social)، دعمه الكامل لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، واصفا إياه برئيس وزراء محارب وشريك رئيسي للولايات المتحدة في مواجهة إيران.
شكل الإعلان سابقة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، باعتباره أول تأييد انتخابي صريح ومعلن يقدمه رئيس أمريكي في منصبه لمرشح في الانتخابات الإسرائيلية، وفق ما أوردته تقارير صحفية أمريكية. وأثار توقيت الإعلان تساؤلات بشأن دوافعه السياسية والاستراتيجية، وما إذا كان يعكس توافقا بين ترمب ونتنياهو بشأن مستقبل الشرق الأوسط، أم محاولة أمريكية للتأثير في موازين القوى داخل إسرائيل قبيل الانتخابات.
ولا يمكن فهم هذا الدعم بمعزل عن مجموعة من الملفات الإقليمية المتشابكة، تتقدمها المواجهة مع إيران، ومستقبل قطاع غزة، والتطبيع السعودي الإسرائيلي، فضلا عن الحسابات الانتخابية الداخلية لكل من ترمب ونتنياهو.
أولا: إيران.. المحور الرئيسي للتحالف
تمثل إيران أحد أهم محددات العلاقة السياسية والاستراتيجية بين ترمب ونتنياهو. فقد قدم الرئيس الأمريكي دعمه لرئيس الوزراء الإسرائيلي في سياق الإشادة بدوره في المواجهة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، التي بدأت في فبراير (شباط) 2026، مع التلويح باستمرار العمليات إذا لم تغير إيران سياساتها.
ويرى ترمب في نتنياهو شريكا يتبنى موقفا متشددا تجاه البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي لطهران، بما يتوافق مع توجهاته التي برزت منذ انسحابه من الاتفاق النووي لعام 2015 خلال ولايته الرئاسية الأولى.
وقد ربط ترمب دعمه الانتخابي لنتنياهو بقدرته على مواصلة التعاون مع واشنطن في مواجهة إيران، محذرا من أن وصول قيادة إسرائيلية أخرى قد يفرض على الولايات المتحدة تحمل أعباء عسكرية إضافية بصورة مباشرة.
وتكشف هذه التصريحات عن أهمية البعد الإيراني في حسابات الإدارة الأمريكية، حيث لا ينحصر دعم نتنياهو في الاعتبارات الشخصية أو الانتخابية، بل يرتبط أيضا برغبة ترمب في الحفاظ على شريك إسرائيلي يتقاطع معه في الأهداف الاستراتيجية المتعلقة بإيران.
ومع ذلك، فإن التوافق بشأن مواجهة طهران لا يعني بالضرورة تطابق المواقف الأمريكية والإسرائيلية حول وسائل تحقيق الأهداف المشتركة، أو توقيت العمليات العسكرية، أو حدود التسوية الدبلوماسية المحتملة.
ثانيا: الشرق الأوسط الجديد في حسابات ترمب
يتجاوز دعم ترمب لنتنياهو حدود العلاقة الثنائية، ليعكس تقاطعا أوسع بين الحسابات الانتخابية والمصالح الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية، في ظل محاولات إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.
ويمكن تحديد ثلاثة ملفات رئيسية تتقاطع عندها مصالح الطرفين:
وفي هذا السياق، تبرز أهمية العلاقة بين ترمب ونتنياهو باعتبارها علاقة تقوم على المصالح المتبادلة، رغم ما شهدته من خلافات بشأن إدارة المواجهة مع إيران ومستقبل العمليات العسكرية في غزة.
ويحتاج نتنياهو إلى الدعم الأمريكي للحفاظ على قدرته على المناورة السياسية والعسكرية، في وقت يواجه فيه تحديات داخلية وضغوطا قانونية دولية، من بينها مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحقه عام 2024.
في المقابل، يحتاج ترمب إلى شريك إسرائيلي قادر على تنفيذ التفاهمات الأمنية والسياسية التي تسعى واشنطن إلى ترسيخها في المنطقة. غير أن ذلك لا يعني أن نتنياهو يمثل الخيار الوحيد المتاح للإدارة الأمريكية، أو أن استمرار التعاون بين البلدين يتوقف على بقائه في السلطة.
ثالثا: معضلة التفاهمات مع إيران
تكشف احتمالات التوصل إلى تفاهمات أمريكية إيرانية عن أحد أبرز التناقضات في العلاقة بين ترمب ونتنياهو.
فالرئيس الأمريكي، رغم تبنيه سياسة الضغط العسكري والاقتصادي على طهران، لا يستبعد الوصول إلى اتفاق يفرض قيودا مشددة على البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والدعم المقدم إلى القوى الحليفة لإيران في المنطقة.
أما نتنياهو، فقد عارض تاريخيا الاتفاق النووي لعام 2015، باعتباره غير كاف لمنع إيران من تطوير قدراتها النووية والعسكرية، ودعا باستمرار إلى فرض قيود أكثر صرامة على طهران.
لكن الظروف السياسية والعسكرية في عام 2026 تختلف عن تلك التي أحاطت بالاتفاق النووي السابق. فنتنياهو يواجه ضغوطا انتخابية وقضائية، فضلا عن اعتماده على الدعم العسكري والسياسي الأمريكي، وهو ما قد يحد من قدرته على معارضة أي تفاهم تتوصل إليه واشنطن مع إيران.
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير دعم ترمب الانتخابي باعتباره محاولة للحفاظ على شريك إسرائيلي موثوق، مع تعزيز قدرة واشنطن على التأثير في قراراته المتعلقة بالتصعيد العسكري والتفاوض.
غير أن هذا التفسير يظل تقديرا سياسيا، ولا يثبت وجود اتفاق مسبق يلزم نتنياهو بقبول تسوية محددة مع طهران.
وتبرز هنا معادلة دقيقة: تسعى واشنطن إلى الاحتفاظ بخيار القوة العسكرية، دون استبعاد التسوية الدبلوماسية، بينما يحاول نتنياهو ضمان ألا تؤدي أي تفاهمات محتملة إلى تقليص قدرة إسرائيل على مواجهة ما تعتبره تهديدات إيرانية.
رابعا: معضلة تشكيل الحكومة الإسرائيلية والعلاقة مع اليمين المتطرف
تمثل الحسابات البرلمانية الإسرائيلية أحد أهم العوامل التي تفسر توقيت الدعم الأمريكي لنتنياهو.
يتكون الكنيست من 120 مقعدا، ويتطلب تشكيل حكومة تحظى بأغلبية برلمانية تأمين دعم 61 عضوا على الأقل. وتكشف هذه المعادلة عن صعوبة تشكيل ائتلاف حكومي مستقر، سواء بقيادة نتنياهو أو بقيادة منافسيه.
إمكان تشكيل حكومة دون الليكود
من الناحية الدستورية، يمكن تشكيل حكومة دون مشاركة حزب الليكود، إذا تمكنت الأحزاب الأخرى من الاتفاق على ائتلاف يحظى بالأغلبية المطلوبة.
لكن التباينات السياسية والأيديولوجية بين أحزاب المعارضة تعقد هذا الاحتمال، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، والتجنيد العسكري، والعلاقة بين الدين والدولة، والسياسات الاقتصادية.
وقد أظهرت تجربة حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد خلال الفترة 2021-2022 صعوبة الحفاظ على ائتلاف يضم قوى متباينة سياسيا، رغم اتفاقها على إنهاء حكم نتنياهو.
وتضم خريطة المعارضة قبيل انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2026 قوى متعددة، أبرزها حزب يشار بقيادة غادي آيزنكوت، والتحالف الذي يضم نفتالي بينيت ويائير لابيد، وحزب إسرائيل بيتنا بقيادة أفيغدور ليبرمان، وحزب الديمقراطيين بقيادة يائير غولان، إلى جانب الأحزاب العربية.
وتشير هذه التركيبة إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بالحصول على عدد كاف من المقاعد، بل بقدرة الأطراف المختلفة على الاتفاق بشأن برنامج حكومي مشترك.
إمكان تشكيل حكومة بقيادة الليكود دون اليمين المتطرف
يواجه نتنياهو بدوره معضلة تتعلق باعتماده على شركائه في الأحزاب الدينية والقومية اليمينية، خاصة حزب القوة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير، وحزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش.
وتشير التقديرات الانتخابية السابقة للاقتراع إلى صعوبة حصول الائتلاف الحاكم على الأغلبية المطلوبة، وهو ما يزيد أهمية الأحزاب الصغيرة في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
وتكمن المعضلة في أن بعض شركاء نتنياهو يتبنون مواقف أكثر تشددا تجاه مستقبل قطاع غزة والتفاهمات الإقليمية، الأمر الذي قد يقيد قدرة رئيس الوزراء على الاستجابة للمطالب الأمريكية المتعلقة بالتسويات السياسية والأمنية.
ومن هنا، يمكن قراءة دعم ترمب لنتنياهو باعتباره محاولة لتعزيز موقع الليكود انتخابيا، بما قد يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي مساحة أوسع للمناورة داخل أي ائتلاف حكومي جديد.
غير أن هذا الاحتمال يتوقف على نتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد، ولا يمكن افتراض أن زيادة مقاعد الليكود ستؤدي بالضرورة إلى تراجع نفوذ الأحزاب الأكثر تشددا.
كما أن تأييد ترمب لنتنياهو لا يعكس بالضرورة موقفا موحدا داخل الإدارة الأمريكية أو الحزب الجمهوري. فقد أشارت تقارير صحفية إلى وجود تباينات بين مستشاري الرئيس بشأن تأثير استمرار نتنياهو في السلطة على فرص تنفيذ الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط.
خامسا: الخلاصة.. دعم شخصي بحسابات استراتيجية
يعكس إعلان ترمب تأييده الانتخابي لنتنياهو مستوى استثنائيا من التدخل السياسي العلني في المنافسة الانتخابية الإسرائيلية، ويكشف عن الأهمية التي يوليها الرئيس الأمريكي لاستمرار التعاون مع رئيس الوزراء الحالي.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال هذا الدعم في العلاقة الشخصية بين الرجلين، أو اعتباره تعبيرا عن تطابق كامل في المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
فالدعم الأمريكي لنتنياهو يرتبط بثلاثة اعتبارات رئيسية:
أولا، الاعتبار الاستراتيجي: الحفاظ على شريك إسرائيلي يتقاطع مع الإدارة الأمريكية في أهدافها المتعلقة بإيران، ويشاركها الرغبة في تقليص قدرات طهران العسكرية ونفوذها الإقليمي.
ثانيا، الاعتبار الانتخابي: تعزيز موقف نتنياهو وحزب الليكود قبيل الانتخابات، بما قد يؤثر في توازنات تشكيل الحكومة المقبلة، وحدود اعتماد رئيس الوزراء على شركائه من الأحزاب القومية والدينية.
ثالثا، الاعتبار التفاوضي: الاحتفاظ بقنوات اتصال وتأثير مباشرة مع القيادة الإسرائيلية، بما يساعد واشنطن على إدارة الخلافات المتعلقة بمستقبل غزة وإيران والترتيبات الإقليمية الأوسع.
لكن نجاح هذه الحسابات لا يتوقف على موقف ترمب وحده، بل يرتبط بنتائج الانتخابات الإسرائيلية، وقدرة الأحزاب على تشكيل حكومة مستقرة، واستعداد القيادة الإسرائيلية المقبلة للتجاوب مع الأولويات الأمريكية.
وفي النهاية، يطرح الدعم الأمريكي العلني لنتنياهو سؤالا يتجاوز مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي: هل تسعى واشنطن إلى الحفاظ على شريك سياسي بعينه لضمان تنفيذ رؤيتها الإقليمية، أم أن هذا الرهان قد يزيد ارتباط السياسة الأمريكية بحسابات الصراع الداخلي الإسرائيلي؟
ستكشف نتائج انتخابات 27 أكتوبر (تشرين الأول)، والمفاوضات اللاحقة لتشكيل الحكومة، عن حدود تأثير الدعم الأمريكي في المشهد السياسي الإسرائيلي، وانعكاساته على مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في الشرق الأوسط.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير