
خلال سبعة أيام، تحولت الطاقة من ملف جانبي في الحرب الروسية الأوكرانية إلى ورقة رئيسية للمساومة بين موسكو وكييف وواشنطن. ففي 9 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عقب مكالمة هاتفية مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين استمرت ساعة ونصف، اتفاقا يتيح تدفق الديزل الروسي إلى الأسواق، مع تعليق أمريكي للعقوبات حتى أبريل (نيسان) 2027. وفي 15 أكتوبر (تشرين الأول)، ضربت أوكرانيا مصفاة ريازان بعد هدنة طاقة لم تستمر سوى ثلاثة أيام، فرد ترمب بأنه “ليس من كبار المعجبين” بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وبين التاريخين، تعرضت ثلاثة مراكز بيانات تابعة لشركة ياندكس لهجمات بطائرات مسيرة.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أن الأطراف الثلاثة تستخدم الضغط على قطاع الطاقة والبنية التحتية الرقمية لتحسين مواقعها التفاوضية، وليس لإغلاق باب التفاوض. فالجولة الثلاثية متوقفة، لكن القنوات الثنائية لا تزال تعمل.
بحسب مسؤول أمريكي تحدث إلى موقع أكسيوس، أبرم الرئيس الأمريكي صفقة الديزل بعدما تجاهل زيلينسكي نحو ستة طلبات أمريكية لوقف ضرب المصافي الروسية. وتنص الصفقة على طرح 300 ألف طن فورا، تليها 500 ألف طن في نوفمبر (تشرين الثاني)، ثم مليون طن شهريا.
وفي 10 أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب للصحفيين إن زيلينسكي كان قادرا على التوصل إلى تسوية مرات عديدة، لكنه اختار عدم القيام بذلك، معتبرا أن الوقت حان لتحصل أوكرانيا على رئيس جديد. وفي اليوم التالي، أعلن عبر منصة تروث سوشيال “هدنة طاقة” دون تقديم تفاصيل، علم بها زيلينسكي من وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب تصريحاته لإذاعة (NPR). وفي مقابلة مع نيوزماكس، في 15 أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب إن التفاوض مع زيلينسكي أصعب من التفاوض مع بوتين، ووصف ضرب المصافي بأنه “عار” يسهم في رفع أسعار النفط.
هذه النبرة ليست جديدة، فقد سبقتها المواجهة في المكتب البيضاوي خلال فبراير (شباط) 2025، والتعليق المؤقت لتبادل المعلومات الاستخباراتية في العام نفسه. لكن الجديد هو اقتران التصريحات بقرار تنفيذي، يتمثل في إعفاء من العقوبات يمنح موسكو مكسبا، ويحمل كييف كلفة رفض وقف الضربات.
مع ذلك، لا تسمح الوقائع باستنتاج أن واشنطن تخلت عن أوكرانيا. ففي يوم المكالمة نفسه، نظم المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر اجتماعا في ميامي، ضم الوفد الأوكراني وممثلين عن بريطانيا وفرنسا وألمانيا والمفوضية الأوروبية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، تناول الضمانات الأمنية وإعادة الإعمار.
يتمثل الدافع الداخلي للصفقة في خفض أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، لكن تأثيرها في الأسواق يبدو محدودا على الأرجح. ويقدر الباحث سيرغي فاكولينكو قيمتها النظرية بنحو 7 مليارات دولار خلال ستة أشهر، ويرى أن العقوبات الأوروبية ستبقي تكاليف النقل مرتفعة. وبذلك، تبدو الصفقة رسالة سياسية أكثر منها أداة اقتصادية، خاصة مع مطالبة سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ترمب بالتراجع عنها.
وصف زيلينسكي الصفقة بأنها “غير عادلة وغير نزيهة”، واعتبرها “هدية عيد ميلاد” لبوتين، الذي احتفل بعيد ميلاده في 7 أكتوبر (تشرين الأول). وكان الرئيس الأوكراني قد عرض وقف ضرب المصافي الروسية مقابل وقف الضربات الروسية على منظومة الطاقة الأوكرانية، لكن المسؤول الأمريكي نفسه قال إن ترمب لم يعتبر الأمرين متكافئين.
وفي تصريحات لصحيفة فايننشال تايمز، قال زيلينسكي إن بلاده امتنعت عن تنفيذ الضربات ثلاثة أيام، بينما واصلت روسيا القصف، معلنا رفع الحظر على استهداف المصافي. وتحدث أيضا عن حرمان كييف من خدمات الإنذار المبكر بالصواريخ الباليستية وتقييد خدمة ستارلينك، وهي تصريحات لم يعلق عليها البيت الأبيض، بينما نقل أكسيوس لاحقا عن مصادر في كييف أن الاتصالات تسير بصورة طبيعية.
يضيق هامش المناورة الأوكراني بفعل عاملين رئيسيين: الاعتماد العسكري على الاستخبارات والاتصالات الأمريكية، والتمويل الأوروبي الذي لم يكتمل بعد. ويواجه قرض الاتحاد الأوروبي البالغ 90 مليار يورو فجوة تقدر بنحو 23 مليار يورو، فيما لم يسفر لقاء زيلينسكي مع رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر، على هامش قمة بروكسل، عن اختراق في ملف الأصول الروسية المجمدة.
ويبقى القرار الأوكراني محكوما أيضا بحسابات داخلية، أبرزها صعوبة تمرير أي تنازل إقليمي داخل المؤسسات السياسية والمجتمع الأوكراني.
في ليلة 15 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلنت وزارة الدفاع الروسية وحاكم مقاطعة ريازان، بافيل مالكوف، اندلاع حريق في مصفاة ريازان التابعة لشركة روسنفت. ووفق الرواية الرسمية التي نقلتها وسائل إعلام روسية، شمل الهجوم أربعة صواريخ من طراز فلامينغو (Flamingo) و69 طائرة مسيرة، أعلنت السلطات إسقاطها جميعا، فيما نجم الحريق عن الحطام المتساقط.
المؤكد هو اندلاع الحريق، أما حجم الأضرار فلم يعلن. ولا يعني اندلاع حريق توقف المصفاة عن العمل، مثلما لا يعني توقف إحدى وحداتها خروج المنشأة بالكامل من الخدمة.
وتقول كييف إنها عطلت نحو نصف طاقة التكرير الروسية، لكن لا يتوافر تحقق مستقل من هذا الرقم. وتدعو تجربة خريف 2025 إلى الحذر في التعامل مع هذه التقديرات. فبحسب مصادر صناعية نقلت عنها رويترز، خرج نحو 20% من طاقة التكرير الروسية عن الخدمة في ذروة الضربات، بينما تراجع حجم التكرير الفعلي بنحو 6% فقط.
وكان بوتين قد أقر خلال منتدى فالداي، في 1 أكتوبر (تشرين الأول)، بأن الضربات على المصافي حققت أهدافها جزئيا، وكلفت روسيا نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي. ويمثل ذلك اعترافا رسميا نادرا بالكلفة الاقتصادية، ترافق مع تأكيد الرد بالمثل.
وبلغ متوسط سعر لتر البنزين في روسيا 78.68 روبل في 12 أكتوبر (تشرين الأول)، بحسب هيئة الإحصاء الروسية، بزيادة بلغت 21.37% منذ بداية العام، مقابل تضخم عام قدره 6.1% خلال الفترة نفسها، وفقا لوكالة إنترفاكس.
لكن الأسعار بقيت شبه مستقرة على أساس أسبوعي منذ أواخر سبتمبر (أيلول)، بينما ظهرت الفجوة الأكبر بين محطات الشركات الكبرى والمحطات المستقلة، وبين المناطق الروسية المختلفة.
ويقول نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك إن الشركات أصبحت تعيد تشغيل المصافي بوتيرة أسرع من السابق، وإن الواردات تغطي جزءا من النقص. غير أن تقدير حجم التأثير بصورة مستقلة يواجه عائقا منهجيا، بعدما وقع بوتين مرسوما يحظر نشر بيانات صادرات الوقود وتشغيل المصافي.
ولا يصح إرجاع التضخم بأكمله إلى الضربات الأوكرانية. فقد أبقى البنك المركزي الروسي سعر الفائدة عند 14% في 11 سبتمبر (أيلول)، مع تسجيل تضخم سنوي قدره 6.3%، تتعدد مصادره بين الإنفاق العام والطلب الداخلي.
وعليه، يواصل الاقتصاد الروسي التكيف مع الضغوط، لكن هذا التكيف ينطوي على تكلفة تتحملها الأسر والشركات الصغيرة، خاصة في محطات الوقود المستقلة والمناطق البعيدة.
أما الهجمات على مراكز بيانات ياندكس، فقد أعلنت الشركة تفاصيلها. ففي 8 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلنت تعرض مركز بياناتها في ساسوفو، بمقاطعة ريازان، لهجوم بطائرات مسيرة تسبب في اندلاع حريق وتوقف المركز بالكامل عن العمل. ويضم المركز اثنين من ثلاثة حواسيب فائقة تستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، فيما تراجع سهم الشركة بأكثر من 3%.
وفي 9 أكتوبر (تشرين الأول)، أعلنت الشركة لوكالة إنترفاكس خروج عدة وحدات في مركزها بمنطقة كالوغا عن الخدمة، قبل أن توقف مركز فلاديمير بالكامل في 11 أكتوبر (تشرين الأول).
وعملت منصة ياندكس كلاود في وضع الطوارئ، وتأثرت خدمات متعددة، تمتد من سيارات الأجرة إلى المدفوعات الرقمية.
لكن ما لم يثبت هو حدوث تسرب للبيانات أو فقدانها، فالمعلومات المعلنة تتعلق بأضرار تشغيلية وتعذر الوصول إلى الخدمات. ويبقى الهدف الأصلي للهجوم في ساسوفو غير واضح، لأن مركز البيانات يشغل جزءا من مبنى مصنع، ولم يتحدد أيهما كان مستهدفا.
وجاءت هذه الهجمات بعد أسابيع من ضربات روسية استهدفت مراكز بيانات أوكرانية، ما يشير إلى دخول البنية التحتية الرقمية ضمن معادلة الضربات المتبادلة بين الطرفين.
بحسب رواية مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف للمكالمة الهاتفية، شرح بوتين لترمب الإجراءات التي تتخذها روسيا ردا على ما وصفه بالهجمات الإرهابية التي ينفذها نظام كييف.
وقال بوتين إن الضربات المكثفة بالطائرات المسيرة على موسكو ومدن روسية أخرى، خلال يوم الاقتراع الرئيسي لانتخابات مجلس الدوما في سبتمبر (أيلول)، حالت دون الاستئناف الفوري للمفاوضات، معتبرا أن محاولة وقف التقدم الروسي عبر ضربات في العمق لا أفق لها.
وفي 15 أكتوبر (تشرين الأول)، قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن إعلان زيلينسكي لا يحمل جديدا، لأن الضربات لم تتوقف أصلا، وإن الجهود الأمريكية تصطدم برفض كييف للسلام. ووصف الموقف الأوروبي من صفقة الديزل بأنه هدام، بينما اعتبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الضربات “تحديا مباشرا وفظا للرئيس ترمب”.
تخاطب هذه الصياغة الروسية ثلاثة أطراف في وقت واحد. فهي تؤكد للرأي العام الداخلي أن الدولة ترد على الهجمات وتحمي مصالحها، وتقدم للبيت الأبيض صورة موسكو بوصفها طرفا متعاونا، مقابل تصوير كييف باعتبارها عقبة أمام التسوية، في خطاب يتقاطع مع تصريحات ترمب.
وفي الوقت نفسه، تحمل رسالة إلى أوروبا بأنها خارج دائرة الوساطة، بعدما سبق لبوتين التأكيد أن الوساطة تتطلب الحياد، وأن الدول التي تسلح كييف لا يمكن اعتبارها أطرافا محايدة.
وخلال منتدى فالداي، وصف بوتين مقايضة وقف ضرب المصافي الروسية بوقف ضرب السفن بأنها مقايضة سخيفة، مع تأكيد تفضيله إنهاء الحرب عبر التفاوض، وتحقيق حياد أوكرانيا بعد انتهاء القتال.
وتتمحور الرؤية الروسية حول ما تسميه موسكو “معالجة الأسباب الجذرية للنزاع”، وتقصد بها توسع حلف الناتو شرقا، وغياب منظومة أمن أوروبي تراعي المصالح الروسية، وضمان حياد أوكرانيا وبقائها خارج الحلف، وحماية حقوق الناطقين بالروسية، والاعتراف بما تصفه بالوقائع الإقليمية الجديدة.
وتترجم موسكو هذه العناوين إلى مطالب محددة، أبرزها انسحاب القوات الأوكرانية من كامل مقاطعة دونيتسك، وهو مطلب كرره بوتين في يونيو (حزيران) 2026.
وقال أوشاكوف، في 13 سبتمبر (أيلول)، إن روسيا لم تشدد شروطها، وإن المسألة الإقليمية لا تزال العقبة الأصعب أمام التسوية.
في المقابل، ترى كييف والعواصم الأوروبية أن المطالب الروسية تعني تثبيت الضم بالقوة وتقييد حق أوكرانيا في اختيار تحالفاتها. ويرى معهد دراسة الحرب الأمريكي أن موسكو تحمل كييف مسؤولية تعثر المفاوضات دون تقديم تنازلات من جانبها.
أما الحد الأدنى الذي قد تقبله روسيا فعليا في أي تسوية، فلا يوجد تصريح رسمي يحدده، وتبقى التقديرات المتداولة بشأنه في إطار التحليل السياسي.
يعود الحديث عن لقاء محتمل بين بوتين وزيلينسكي في ديسمبر (كانون الأول) إلى مقترح أوكراني، وليس إلى اتفاق قائم.
ففي سبتمبر (أيلول) 2026، قال زيلينسكي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن قمة مجموعة العشرين في ميامي قد تتيح عقد لقاء ثلاثي يجمعه بترمب وبوتين.
لكن بيسكوف قال لوكالة فرانس برس إن عقد لقاء كهذا في ميامي غير ممكن، وإن موسكو هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يستضيف لقاء بين الرئيسين الروسي والأوكراني، مشيرا إلى أن بوتين لم يقرر بعد المشاركة في القمة.
وعليه، يبقى اللقاء احتمالا غير مؤكد، خاصة أن الكرملين يشترط، منذ عام 2025، التوصل إلى اتفاق بين الوفود قبل عقد لقاء على مستوى الرئيسين.
وكانت آخر الجولات الثلاثية قد عقدت في أبوظبي وجنيف، خلال يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2026.
أما المطروح حاليا، فهو مقترح أمريكي لعقد لقاء فني ثلاثي قبل نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، رحبت به كييف وأبدت استعدادها لاستضافته في الإمارات، بينما ربطت موسكو استئناف المفاوضات بتقديراتها الخاصة.
وفي ما يتعلق بالحديث عن “اتفاق اقتصادي كبير”، فمن الضروري التمييز بين الوقائع المؤكدة والمقترحات المتداولة.
فالمعلن هو صفقة الديزل، وتصريح أوشاكوف بأن الرئيسين بحثا التحضير لمبادرات اقتصادية واسعة.
وفي 3 أكتوبر (تشرين الأول)، أفادت صحيفة نيويورك تايمز بأن بوتين طرح، خلال لقائه مع ويتكوف وكوشنر في 5 سبتمبر (أيلول)، صفقة لبيع الأصول الخارجية لشركة لوك أويل الروسية.
وبحسب الصحيفة، تضم المجموعة الساعية إلى شراء هذه الأصول المستثمر الأمريكي تود بولي ومجموعتين من الشرق الأوسط، تربطهما تعاملات سابقة بعائلة ويتكوف أو بكوشنر، مع تأكيد الصحيفة عدم وجود دليل على استفادتهما الشخصية من الصفقة.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول أمريكي أن حزمة اقتصادية قيد الإعداد تشمل تكاملا في قطاع الطاقة بين روسيا وأوكرانيا وأوروبا، وقد تتضمن إنشاء خط أنابيب، بينما نفت كييف أي مشاركة أوروبية في هذه الترتيبات.
لكن هذه المعلومات لا تعني وجود اتفاق موقع، بل تتعلق بمقترحات وتسريبات لم تتحول بعد إلى التزامات رسمية.
أما الحديث عن “ترمب كوربوريشن” بوصفها وسيطا تجاريا بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، فلم يظهر مصدر موثوق يؤكده، ولا يصح الخلط بين منظمة ترمب العائلية والمؤسسات الرسمية للدولة الأمريكية.
والمعلومات المتاحة تسمح بالإشارة إلى مخاطر مؤسسية محتملة ناجمة عن تداخل الشبكات التجارية مع القنوات الدبلوماسية، لكنها لا تثبت وجود دور تجاري مباشر لعائلة ترمب في أي اتفاق.
كذلك، فإن أي ترتيبات مستقبلية للتعاون في قطاع الطاقة مع أوروبا ستواجه عقبة العقوبات القائمة، التي أكد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي استمرارها في 12 أكتوبر (تشرين الأول).
تشير المعطيات إلى أن المفاوضات الثلاثية متوقفة دون أن تصل إلى مرحلة الانهيار، وأن قناة التواصل بين ترمب وبوتين لا تزال نشطة، بينما استخدمت واشنطن الإعفاء من العقوبات أداة للضغط على كييف، ووسعت أوكرانيا نطاق ضرباتها ليشمل البنية التحتية الرقمية الروسية.
ومن المرجح أن تواصل موسكو الجمع بين الرد العسكري وإظهار الانفتاح على واشنطن، مستفيدة من اتساع الخلافات بين ترمب وكييف، وبين الإدارة الأمريكية والعواصم الأوروبية، دون تعديل جوهري في شروطها الإقليمية المعلنة.
في المقابل، لا تزال هناك مسائل غير محسومة، أبرزها احتمال عقد لقاء في ديسمبر (كانون الأول)، والحجم الفعلي لخسائر قطاع التكرير الروسي، ومدى وجود دور لأي كيان تجاري مرتبط بعائلة ترمب في الترتيبات الاقتصادية المتداولة.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبرز ثلاثة مسارات محتملة للمرحلة المقبلة.
المسار الأول: استمرار الاستنزاف. يتمثل في مواصلة الضربات المتبادلة على منشآت الطاقة والبنية التحتية الرقمية، مع بقاء أسعار البنزين مرتفعة مقارنة بمعدل التضخم العام، وغياب موعد محدد لاستئناف المفاوضات الثلاثية. وستكون مؤشرات هذا المسار تعرض مصاف أو مراكز بيانات جديدة للتوقف عن العمل، واستمرار الجمود الدبلوماسي.
المسار الثاني: ترتيبات جزئية لخفض التصعيد. يقوم على التوصل إلى هدنة متبادلة في قطاع الطاقة، تشمل المصافي الروسية ومنظومة الطاقة الأوكرانية. وتتمثل مؤشراته في إعلان آلية واضحة للرقابة، وصدور تأكيد روسي رسمي للاتفاق، وليس أمريكيا فقط، مع توقف الضربات من الجانبين لأكثر من أسبوع.
المسار الثالث: التقدم نحو مفاوضات أوسع. يبدأ بإعلان الكرملين موعدا لعقد لقاء فني ثلاثي، وتحريك ملفي الضمانات الأمنية والأراضي، وتخفيف حدة الخطاب الأمريكي تجاه زيلينسكي، إلى جانب صدور قرار أوروبي واضح بشأن التمويل.
وتبقى هناك ثلاثة تطورات قادرة على تغيير هذا التقدير: قطع أمريكي فعلي لخدمات الاستخبارات أو الاتصالات عن كييف، بما يضعف قدرتها على تنفيذ ضربات في العمق الروسي، أو تراجع ترمب عن إعفاء الديزل تحت ضغط الكونغرس، أو إعلان روسي عن تعديل المطالب الإقليمية.
وحتى يتحقق أحد هذه التطورات، ستظل الطاقة ساحة رئيسية للمساومة بين الأطراف، فيما يواصل كل طرف التعامل مع عامل الوقت باعتباره ورقة يمكن توظيفها لمصلحته.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير