
من مومباي وجامناجار، يبدأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إعادة ترميم الشراكة الاستراتيجية مع نيودلهي، بعد عامين من التوتر بسبب النفط الروسي.
لم يتوجه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى نيودلهي، بل اختار أن يصل إلى مومباي في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، ثم يتوجه إلى جامناجار غربي الهند، في زيارته الثانية للبلاد خلال العام الجاري.
ويحمل اختيار الوجهة دلالة اقتصادية وسياسية؛ فجامناجار ليست مدينة عادية، بل تضم أكبر مجمع لتكرير النفط في العالم في موقع واحد، تديره شركة «ريلاينس إندستريز»، التي يرأسها الملياردير الهندي موكيش أمباني، وتعد من بين أكبر ثلاث جهات لتكرير خام الأورال الروسي في العالم.
وتأتي الزيارة بعد نحو 72 ساعة من قرار اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب. ففي يوم الجمعة السابق للزيارة، أصدر ترمب أمرا تنفيذيا يعفي الهند من عقوبة كانت تهدد بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على أكبر خمسة مستوردين للنفط الروسي، وفي مقدمتهم الهند والصين.
ولم يكن القرار منفصلا عن المفاوضات التجارية الجارية بين البلدين. فقد أوضح روبيو أن الجهود المبذولة لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق تجاري كانت أحد العوامل التي دفعت واشنطن إلى اتخاذ قرار الإعفاء، مشيرا إلى دخول الولايات المتحدة فترة مراجعة مدتها 60 يوما، لتحديد ما إذا كانت ستفرض رسوما جديدة.
تعكس التصريحات الأمريكية الأخيرة لهجة أقل حدة وأكثر مرونة في التعامل مع واردات الهند من النفط الروسي.
ففي تصريح أدلى به في مومباي يوم 20 أكتوبر (تشرين الأول)، قال روبيو إن الهند حققت تقدما ملموسا في تنويع مصادر وارداتها النفطية، بما في ذلك تقليص اعتمادها على النفط الروسي.
لكن الأرقام تشير إلى أن التحول في سياسة الاستيراد الهندية ما يزال معقدا، حيث تستمر نيودلهي في شراء ملايين البراميل من الخام الروسي يوميا.
وقد أقر روبيو باستمرار هذه الواردات، موضحا أن الهند لا تزال تشتري ملايين البراميل من النفط الروسي يوميا، بالتزامن مع جهودها لتنويع مزيج وارداتها من الطاقة.
ويشير ذلك إلى أن واشنطن باتت تتعامل مع التحول في سياسة الطاقة الهندية بوصفه عملية تدريجية، بدلا من اشتراط الوقف الفوري للواردات الروسية.
يتمثل أحد أبرز التطورات في انتقال المقاربة الأمريكية من التركيز على العقوبات إلى البحث عن ترتيبات تجارية بديلة.
ووفقا للتقارير، شملت التسهيلات الأمريكية تخفيف القيود المفروضة على تصدير الديزل المكرر من النفط الروسي، بينما ظل الخام الروسي وشركات مثل «روسنفت» و«لوك أويل» خاضعة للعقوبات.
وفي المقابل، تجري واشنطن محادثات مع شركة «ريلاينس إندستريز» بشأن استيراد الخام الفنزويلي إلى مصافي جامناجار بديلا عن النفط الروسي، إلى جانب استكشاف فرص لمشاركة الشركة الهندية في عمليات قطاع النفط الفنزويلي.
وفي هذا السياق، وصف روبيو الهند بأنها حليف وشريك مهم للولايات المتحدة، مشيرا إلى وجود فرص واسعة لتوسيع التعاون الثنائي في قطاع الطاقة، خاصة في ظل الاضطرابات التي شهدتها أسواق الطاقة العالمية.
وتعكس هذه المحادثات محاولة أمريكية لإعادة توجيه جزء من واردات الهند النفطية عبر حوافز تجارية، بدلا من الاعتماد الحصري على الضغوط والعقوبات.
لا تقتصر أهداف زيارة روبيو على ملف الطاقة، بل تمتد إلى محاولة إنجاز اتفاق تجاري شامل بين الولايات المتحدة والهند.
فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي أن البلدين باتا قريبين جدا من التوصل إلى اتفاق تجاري، بعد نحو 20 شهرا من المفاوضات المتعثرة.
وجاءت هذه التصريحات عقب لقائه وزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، حيث نشر الأخير صورة تجمعه بروبيو، معربا عن تقديره للمباحثات التي تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية.
وتشير هذه التطورات إلى تحول في المقاربة الأمريكية تجاه الهند، من التركيز على العقوبات المرتبطة بواردات النفط الروسي إلى توظيف المفاوضات التجارية والتعاون في قطاع الطاقة لإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
وتدرك واشنطن صعوبة تغيير مصادر واردات الطاقة الهندية خلال فترة قصيرة، وهو ما أشار إليه روبيو عندما أكد أن مثل هذا التحول لا يمكن تحقيقه بين عشية وضحاها.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم قرار تأجيل البت في فرض رسوم جديدة لمدة 60 يوما، بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى مومباي وجامناجار، باعتباره محاولة لإتاحة مساحة إضافية للتفاوض.
ويكتسب اختيار جامناجار أهمية خاصة، باعتبارها أحد أبرز مراكز صناعة التكرير الهندية المرتبطة بواردات النفط الروسي، ما يجعلها موقعا ذا دلالة اقتصادية مباشرة في المفاوضات الجارية.
وبذلك، تعكس الزيارة توجها أمريكيا نحو الانتقال من سياسة الضغط المباشر على نيودلهي إلى محاولة بناء تفاهمات تجارية وطاقية تحقق المصالح الأمريكية، دون اشتراط تحول فوري في العلاقات النفطية بين الهند وروسيا.
ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير